Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

التنقيب والنبش في التأريخ الأيزيدي القديم

زهير كاظم عبود

موقع إيلاف
كمدخل للغور في عمق الديانة الايزيدية لمن يريد التعرف على تفاصيل اكثر سعة وعمق للكشف عن تاريخ نشوء هذه الديانة العريقة والغارقة في القدم، ينبغي التوقف ملياً أمام ظواهر لايمكن لها ان تكون عابرة في الميثيولوجيا الايزيدية أو في ثنايا التأريخ المطمور. مما يوجب متابعة الاسس الروحية والفكرية لهذه الديانة الغارقة في القدم والتي تجد لها الأمتداد والترابط من خلال الأعتقاد بالالهة المتعددة التي تتشكل دون الاله الكبير (الله – خدا في اللغة الكردية)، وان الملائكة الارباب سبعة مع أهمية أعتماد الرقم في جميع الديانات، ومن خلال تقديس بعض الظواهر الكونية، ومن خلال الأيمان بالحلول والتناسخ، ولايمكن الأقتناع أو القبول من أن مثل هذه الديانة تؤسس من الفراغ أو انها تشكلت من المجهول، او أنها تكونت من رغبات شخصية أو ذاتية، ومن يقرأ جزء من أسس الديانة الأيزيدية يستطيع ان يتلمس معالم ديانة لها جذور تدعو الى توظيف حركة الأنسان الى أعمال الخير، كما تنظم حياته وفق هذا الأساس، وتضع معايير لأعمال الحلال والحرام، والذاتي دائماً يعتريه الخلل والنقص من خلال محددات الرغبة والقصد، وغالباً ما ينتهي ويضمحل مع انتهاء الذات التي شكلته أو التي ساهمت في تكوينه لأنه يرتكز عليها ويستمد ديمومته منها، غير أن المقياس الذي نستطيع أن نرسمه في سماء مثل هذه الديانة القديمة، هي قضية التوحيد والأيمان بأن الله واحد وهو الخالق الأزل الذي خلق الكون وجلس على عرشه فوق الماء، وتتمسك الأيزيدية بالتكوين التدريجي، أذ تؤمن بأن الله خلق عدد من الملائكة، وكل ملاك له وظيفته واختصاصه، كما تؤمن الأيزيدية بأن الله خلق الكون من العناصر الأربعة، وهي الماء والهواء والتراب والنار، ومثل هذا الأيمان الدقيق في تفصيل اهمية المواد التي تتشكل منها الحياة، لاتأتي أعتباطاً، أنما تتكون من خلال دلائل عميقة تؤكد معرفة تفصيلية بالعقيدة والخلق وتفاصيل الكون.
ثمة من يسأل عن أسماء الأوائل الذين جاهروا بهذا الدين، والذين نشروه بين الناس، وثمة من يسأل أن كانت هناك أسماء قبل الشيخ عدي بن مسافر برزت في خضم الصراعات التي واجهت الديانة الأيزيدية، فأن كان زرادشت قد نشر ديانته في المنطقة، فأنه واجه الايزيدية التي تشبثت بديانتها، وتباهوا من انهم اول من ابدل عبادة الظواهر الكونية باله التوحيد، وهم ايضا اول من توصل لفكرة طاؤوس ملك، فأطلق زرادشـــت على كل من لايؤمن بديانته لقب ( عبدة العفريت ) أو عبدة الشر، ويمكن ان يكون زرادشت أول من أطلق هذه الالقاب التي لحقت بالأيزيدية والتي تم ترويجها واستخدامها للنيل منهم وايجاد الذرائع لقتالهم والقضاء على ديانتهم بعده، علماً بأن الزرادشتية أتخذت من آلهة الظواهر الطبيعية ملائكة لها بينما تمسكت الايزيدية بالملائكة الخاضعين لارادة الله، ومن الطبيعي ان يحدث التصادم والتأثير بحكم الوجود الفعلي لديانتين يدين بهما الناس في المنطقة، غير ان الايزيدية بقيت قائمة ولم تتأثر بالدين الجديد بالرغم من الانتشار الواسع للزرادشتية واعتبارها ديناً للدولة الأخمينية والساسانية والميدية فترة لاتقل عن قرن من الزمان، ويبدو ان العقلية الدينية السائدة كانت منفتحة وواعية وحريصة على التطبيق السليم في أقناع الناس بدلاً من إجبارهم وقسرهم على تغيير ديانتهم، ولذلك لم نقرأ عن مجازر وحروب وملاحقات وقتل للأيزيدية مثلما حصل لهم في الزمن الحديث، وبعد ذلك انحسرت الزرادشتية في حين بقيت الايزيدية قائمة رغم مالقيت من مصائب واهوال.
يقول الكاتب ماكس هورتن في كتابه الفلسفة ص 127 ان هناك من يذهب ليؤكد ان العقيدة الايزيدية ماهي الا تاكيد لعبادة النور وتمثل طورا للثنوية الفارسية القديمة والتي نراها واضحة المعالم في الزرادشتية والمانوية، ولو كانت الايزيدية كما ذكر ماكس هورتن لصار تقديس الضوء أو النار بديلاً عن الأرباب وبديلاً عن تقديس طاؤوس ملك وحتى عن الخالق الاله الكبير، ولكن الأشتراك الفعلي في تقديس الظواهر الكونية دون أشراكها بوحدانية الله فيما ورد حيث يكون الاله الكبير الخالق الأزل فوق جميع الأرباب وتليه المقدسات متدرجة حسب أهميتها وقربها من الاله دليل على تقادم هذه الديانات وأشتراكها في مكونات تناقلتها وألتزمت بها بدليل أن عبادة تموز كانت شائعة في وادي دجلة وفي المنطقة المحيطة بجبل سنجار وحتى نصيبين (مجلة المقتطف المجلد 49 سنة 1916 ص 325) بالاضافة الى الفوارق الكبيرة في تشكيل صفات الاله تموز لدى البابليين وبين صفات وشكل طاؤوس ملك لدى الأيزيدية.
كما أن أسماء الالهة التي كان يطلقها الأيزيدية عليها ينسجم مع أسماء الالهة السومرية والقديمة، فالالهة آنو وأنليل (اله الشمس) وأنكيدو ونانا وأنانا وآتو، والتي تزاحمت فيما بينها ليحل احدها محل الاخر كان كل منها يشير الى معنى معين في الفكرة الاساسية، فانانا سيدة السماء والهة النور، وتمـــوز العائد من الموت دليلاً على عدم فناء الروح التي تعود حتما، كما ان انكيدو صار بشرا حين اكل القمح الذي عده القدماء وشاركهم الايزيدية بهذا الاعتقاد مقدساً، وهذا الأمر يدحض الأفتراض الذي يزعم أن الأيزيدية مذهب منحرف أنشق عن اليهودية أو المسيحية أو الأسلام، وتمسك الأيزيدية بالتناسخ والحلول دليل على أنها كانت تلتزم بهذا الأعتقاد قبل أن تحل كلا الديانتين، وهذا الأعتقاد ربما يخالف العديد من الديانات التي سادت في المجتمعات في القرون الأخيرة حين حل الدين الأسلامي وماقبله من العقائد التي لاتؤمن بالحلول والتناسخ، وهذا الأمر يقود للأعتقاد بأن الديانة الأيزيدية كانت تعتقد في عقيدتها على خلاف كبير مع الديانات والعقائد الأخرى ويمكن أعتبار قضية تقديس الشمس في العقيدة الأيزيدية من القضايا التي لم تلتزم بها الأديان المتسلسلة، كما نلفت الأنتباه الى قضية غاية في الأهمية تكمن في قضية الأنغلاق الديني للعقيدة الأيزيدية حين لاتقبل الأنتماء اليها من خارج ابنائها، كما لاتقبل عودة من خرج منها لأي سبب كان، بالأضافة الى محرمات صارمة للزواج بين الطبقات الايزيدية نفسها ومع هذا الأمر الصارم بقيت الأيزيدية تتكاثر وتتوسع يوماً بعد يوم، ولم تلتزم بهذه الطريقة في محرمات الزواج سوى الديانة المندائية فقط من بين الاديان، وهي ايضا من الديانات العريقة والقديمة التي حافظت على قوامها الديني وحيويتها، بينما أحل الأسلام الزواج من غير المسلمات وأحلت المسيحية الزواج من غير المسيحي مع بقاء المسيحية على دينها، وجعلت اليهودية الأبناء من الزوجة اليهودية المتزوجة غير اليهودي يتبعون دين أمهم اليهودية فهم يهود بالولادة.
وتشكل فكرة الرمز ربما اشتراك مع بقية الديانات، غير أن رمزية طاؤوس ملك وما يعنيه ويشير اليه في الميثولوجيا الأيزيدية، يعبر عن خصوصية هذه الديانة وقدمها، ومن اللافت للنظر أن يكون الطاووس رمزاً منرموز الديانات القديمة كالديانة السومرية وكان على الاغلب يمثل فكرة الخير والجمال، ولم يكن يشير الى الشر التي يتناقض معها مطلقاً، وحين صارت الايزيدية تسمي الملاك الكبير طاؤوس ملك قبلة التقديس، اتهمهم اعداؤهم بعبادته اولا ومن ثم افتراءهم من كونه اشارة الى ملك الشر، واذا كان الايزيدية يحتفلون بعيد راس السنة كل عام والذي يصادف اول يوم اربعاء من نيسان الشرقي، لكون هذا اليوم في اعتقاداتهم الدينية يوم خلق الملاك طاؤوس، مما يوجب نبش العديد من التلال التأريخية لمعرفة المزيد من الحقائق عن هذه الديانة، فليس اعتباطاً أن ينتشر أتباع الأيزيدية في عدد من البلدان المجاورة للعراق، مع ان ثمة من يجد أن هذا الأنتشار سببه الأضطهاد الديني والملاحقة وهروب الأيزيدية بأرواحهم من الموت الى تلك المناطق، غير أن أيزيدية لم يزلوا يقيمون في مناطق أرمينيا (أريفان) وفي تركيا وسورية، بل هناك أقوام تتشابه مع ما يعتقد به الأيزيدية في الهند وفي جمهورية الصين، ولعلهم حقاً من الأيزيدية، غير أن التباعد والغربة وعدم وجود ترابط بينهم أدى الى عدم انسجامهم وتطابقهم، مع أن هناك قواسم مشتركة في بعض العقائد والطقوس والأمر بحاجة الى تحقيق وتدقيق.
يتحدث بابا الأرمن في أرمينيا (فاسكين الأول) بتاريخ 11/9/1992 فيقول : أن الأيزيدية في ديارنا موجودين منذ القدم، وهم من اهل أرمينيا المنسجمين مع بقية الديانات، ومن المشتهرين بالنزوع نحو الخير، وعددهم في أرمينيا لايستهان به، وكان عدد من عائلة الأمراء قد زارهم والتقى بهم وحثهم على الأتصال بالقيادة الدينية للأيزيدية.
ولايغب غن بالنا المعاني الدقيقة للأعياد والمناسبات الدينية لدى الأيزيدية، والعديد منها تترابط نع الأعياد التي يتمسك بها السومريين والبابليين القدماء في وادي الرافدين، بالأضافة الى حلول العديد من الأساطير التي كانت سائدة في العراق القديم بين الأيزيدية، ولم تزل المجتمعات الايزيدية تتداولها كنمط من أنماط التراث الشعبي.
ثمة من يسأل عن الفترة التي سبقت مجيء الشيخ عدي بن مسافر قدس الله روحه الى لالش ليجدد الديانة الأيزيدية، ثمة من يلح في كشف تلك الفترات التي تعاقبت منذ انتشار الديانة الأيزيدية بين الناس، وعلاقتها بالديانة الزرادشتية التي حلت في منطقة فارس وكردستان وأنتشرت بشكل واسع وعميق، ثم علاقتها بالديانة اليهودية التي كانت منتشرة في كل المنطقة، وخصوصاً في منطقة كوردستان قبل ان تحل الديانة المسيحية، وهي كما نعلم من الديانات التبشيرية، بالأضافة الى مجيء الاسلام وأنتشاره بين المنطقة، وأيمان الناس به بالأضافة الى كون الأسلام من الديانات التي تقبل الأيمان والأنضمام به ولايقبل الخروج او الأرتداد عنه، ومع مجيء مثل تلك الديانات ماهو تأثيرها وفعلها على الديانة الأيزيدية، وماهو القاسم المشترك بينها؟ وكيف تعاملت تلك الديانات بينها؟
وحين يتم اختلاق القصص حول اصل المعبد المقدس، فأن الأمر لايعد الا الأستمرار في منهج التحريف وأعماء الحقائق بحق الأيزيدية، ولو تركنا معبد لالش وتربة الشيخ عدي بن مسافر ودخلنا الى تلك الغرفة المنقورة في الجبل والتي تضم اصل المعبد كما يقول الباحث والاثاري السيد عبد الرقيب يوسف، مع ان بعض الاثاريين اشاروا من انها مخزن لحفظ زيت الزيتون الذي يستخدم لانارة المعبد، كما انهم لم ينتبهوا الى الاشكال والرموز المنقوشة على الجدار الغربي للمرقد، وقد يكونوا أنتبهوا وصرفوا النظر، ولكن الحقيقة الواضحة تكمن من كون موضع (الجله خانة) المؤلف من عدد من الغرف الغارقة في الظلام الدامس هي قديمة أقدم من قبر الشيخ عدي ومن كل بناء المعبد الجديد، ويذكر السيد عبد الرقيب أن جوانب وأسطح بعض الصخور منقوشاً عليها رسوماً للشمس وبعض الأشارات الدينية القديمة الأخرى، ولو كانت تلك الرموز تخص ملة من الملل في اقصى الأ{ض لتمت دراستها وفحصها والأهتمام بها، ولكن الأمر يختلف مع الأيزيدية الذين ظلمهم الزمن وتكالبت عليهم المحن وجار عليهم الناس المجاورين لهم.
كما كنت قد شاهدت مع كريفي الأيزيدي الأستاذ عمر خضر حمكو في العام 1994 نقوشاً وكتابات أيزيدية على الجدار الخارجي للمعبد المقدس، وهي بارزة ولافتة للنظر، غير أن الطبيعة كانت تعمل على أخفاء معالمها وأتلافها لتعرضها للمطر والشمس والتقلبات مما يتلفها ويجعلها في طي النسيان، ولم نكن نحمل جهاز تصوير حينها حيث كانت زيارتنا للمعبد سرية دون علم السلطة التي ربما حكمت علينا بالموت وهي تعلم بأن قاضياً يزور معبد الأيزيدية المقدس الواقع ضمن منطقة كوردستان المحررة.
ومن هذه النقطة نعود نكرر ندائنا الى المنظمات الدولية والجهات المختصة في الأمم المتحدة ونوجه أنظارها لما يحتويه المعبد المقدس وما يجاوره من التلال من أسرار ونقوش ورسوم جديرة بالدراسة والحفظ لكونها تعود لأزمنة غابرة وقديمة سحيقة، وأن لم تكن بقصد البحث والتقيب الاثاري لأثبات قدم الديانة الأيزيدية، فأنها خدمة للأنسانية والتراث البشري.
وبأستثناء محاولات الدكتور الباحث خليل جندي وهي من المحاولات الجادة والمهمة لم يحاول أحد النبش في التأريخ الأيزيدي القديم، مع ان الباحث والمفكر السوري الموسوعي فراس السواح ساهم في أرساء دعائم التحليلات واسماء الالهة والبحث في ماهية الديانات ومنشا الدافع الديني في كتبه العميقة مغامرة العقل الاولى ولغز عشتار ودين الانسان ليؤسس ارضية تاريخية للبحوث التي تريد النبش في تاريخ الديانات القديمة ومنها الايزيدية على سبيل المثال.
وأذا كنا نستطرد العلاقة بين الديانة المثروية التي سادت في مدينةالحضر (Hatra )، والتي كانت ضمن مناطق أنتشار الديانة الأيزيدية، وبتدقيق المتقاربات بين الديانتين وقوة التأثير التي تجسدها الطقوس والأعياد، سنجد العديد من الشهادات والقرائن التي تدلل على وجود الأيزيدية في مناطق الحضر ومنها تسللت الى مناطق شرق سوريا، ومن يتمعن في طقس التضحية مع ان الطقس يمكن ان يكون قاسماً مشتركا بين الديانات، الا أن اشتراك المثرائية مع الديانة الأيزيدية من أن يكون التضحية بثور، حيث كان اهل بابل يتمسكون بالتضحية بالثور بينما لم تتمسك بمثل هذا بقية الديانات.
وكان الأعتقاد الروحي متجذراً منذ اللحظات الاولى للخليقة، فقد كان الأنسان دائما بحاجة الى إلهام ودوافع روحية يؤسس عليها أعتقاده، ويتمسك بها لتعينه روحياً على موجبات الحياة والطبيعة وظواهرها الخارقة، ومع هذه الأعتقادات الروحية تتطور العلاقة بين الأنسان والالهة أو الرموز الروحية، وبين الذات الأنسانية وبين التطور الأنساني في فهم الدوافع الروحية للأعتقاد في وجود خالق للكون ونظام يكون الانسان جزء منه.
واذا كان الله هو الخالق الازل الذي يقول للشيء كن فيكون فانه حين يخلق الانسان ويسويه يلهمه الفجور والتقوى، وحين يخرج الأنسان الى الدنيا يحمل بين جنبات روحه بذور الخيرونوازع والشر، أذن أن الله لم يرد أن يزرع الشر بين الناس ولايعقل ان يعلمهم بأرادته أن يرتكبوا أفعال الشر، انما يلهم الأنسان ويترك له الخيار في السلوك ليتحمل وزر أعماله فلا مقيد له ولامسير أجباري لأن أعماله تسجل له في اللوح المحفوظ ليحاسب عليها، ولو كان مقيداً ومجبراً على أرتكاب المعاصي وأفعال الشر لما بقي هناك منطق او قبول محاسبته.
ولهذا فقد كانت جميع الأديان تدعو للأصلاح والتمسك بقيم الخير وأشاعة المحبة والتآلف بين الناس والحرص على الحياة البشرية والسلام والتأكيد على تجنب قيم الشر وكل الافعال التي تحدث ضرراً للأنسان، كما تزين الحياة الأخرى، فأنها تتوعد لمن لايتمسك بهذه القيم بالعذاب الأبدي.
وأذا أسلمنا بأن الأيزيدية تؤمن بان الله واحد وهو خالق الكون، مما يجعل هذه الديانة من الديانات التوحيدية التي لاتشرك مع الله احد في كل الأمور، وهي أضافة الى هذا الجانب تهتم بالحياة البسيطة التي تتناسب مع بساطة الحياة التي يعيشها المجتمع الأيزيدي، وكل المغالاة تم أضافتها بشرياً ودنيوياً لأسباب أجتماعية أو لظروف مر بها المجتمع الأيزيدي ولاعلاقة لها بالدين، مما يوجب أستقراء الماضي بدقة وذهن صافي متخلص من تخرصات وعقد الفترات التي اشاعت الدجل والتي انتشرت بين الناس بقصد الحط من قيمة ديانة تدعو للتوحيد وتؤمن بكل المقدسات ودون ان تحط او تنال من اية ديانة أخرى.
كما يتمسك الايزيدي بطلب المعونة من الله الكبير الأزل، فانه لم يزل كغيره من البشر ممن يؤمنون بديانات وعقائد أخرى، يطلب المعون والمدد من أولياء وملائكة ورموز تقل عن درجة الالوهية، وفي هذا الأمر انسجاماً مع المطالب النفسية للأنسان غير بعيد عما تمارسه الجماعات البشرية في العديد من الديانات.
كما تشكل قضية المكان المقدس والرمزية في الديانة الأيزيدية، قضية مهمة ودقيقة، قد تتشابه فيها مع عدد من الأديان، ممن تتبع قضية المكان المقدس الذي لايمكن تغييره ويرتبط بالأساطير والقصص التأريخية، وكذلك بالرموز التي أكثرت منها الأيزيدية بحكم انعزالية مجتمعها وتعرضه للعسف والقتل ولجوءه الى الكهوف والحياة المحفوفة بالمخاطر، وبقاء الأنسان الأيزيدي تحت رحمة وفتاوى رجال الدين ووفق مشيئتهم ومصلحتهم.
ولم نجد من بين الكتابات الأيزيدية القديمة كتابة جريئة تعزز الوجود الأيزيدي القديم قبل الديانات الأخرى، ليس لعجز في الأثبات، ولاتقصيراً في نبش زوايا التأريخ الأيزيدي، وانما تخلصاً من حكم الذبح والموت الذي يصدر بحق الكاتب، وعدم قدرة الاقلام العلمية من الخوض في غمار الحقيقة والتصدي للزخم المظلم الذي يعم عقول المجتمع في ذلك الزمن، ممايجعل الواجب اليوم أن يتحمل المثقف (مهما كان دينه او قوميته) واجبه الضميري في التنقيب وأغناء الحقائق وأثراء المكتبة والدوريات ببحوث ودراسات من شأنها أن تحقق ليس فقط الفائدة، وأنما تنوير العقول التي لم تزل تعتقد بصدقية الثقافة الظلامية التي كانت سائدة.
والظاهرة الملفتة للنظر في المجتمع الأيزيدي هي قضية المساواة والتقشف التي يعيشها المجتمع القديم، فلا آثر للغنى والفوارق الطبقية، والتراتيبية الدينية لاتقسم المجتمع الأيزيدي طبقياً بقدر ما أنها سعي لتكريس وضع ديني يؤسس الحياة الأيزيدية ببساطتها، مما يجل رجال الدين يحكمون قبضاتهم على المجتمع الرازح تحت قيادتهم، وهم بدورهم فوضوا الأمر الى أمير على مر العصور.
ووضع مثل هذا لم يزل سائداً مع فارق بعض التطورات الراهنــة التي افرزها التطور الأنساني، لايمكن أن يكون دون وجود رابط روحي قوي ومتماسك، والدليل الذي كان يراهن العديد عليه، أن الأيزيدية في العصر الراهن الحديث، وبالرغم من التطور الثقافي والأنفتاح وبروز طاقات وعقول متنورة ومثقفة، ال