|
تركيا والقضية الكردية بين خياري
أوروبا و" الرجل المريض "
شيرزاد
عادل اليزيدي
طفت القضية الكردية في تركيا
مجددا إلى السطح وبقوة في الآونة
الأخيرة عبر الانتفاضة الشعبية
الكردية الواسعة في آمد ( ديار
بكر ) عاصمة الإقليم الكردي في
تركيا وغيرها من مدن كردستان
الشمالية ( كردستان تركيا )
المنتفضة وكالعادة فقد غلب الطبع
السلطوي والعنصري الكمالي التطبع
" الديموقراطي " في تركيا فبادر
الجيش والحكومة التركيان إلى
ممارسة أقصى درجات العنف والقمع
والإرهاب المنظم بحق الجماهير
الكردية المسالمة والمحتجة مدنيا
على السياسات والممارسات القمعية
الأمنية النافية للشعب الكردي
وحقوقه المشروعة .
والواضح أن حكومة رجب طيب أردوغان
ومن خلفها المؤسسة العسكرية
الكمالية تتناسى وتتغافل عن حجم
وهول التحولات الهائلة في المنطقة
والعالم وخصوصا ما يتعلق منها
بالقضية الكردية إذ أن الأكراد
وعلى مرمى حجر من تركيا في
كردستان العراق باتوا بعد طول
معاناة ومكابدة يتمتعون بحقوقهم
في إطار اتحاد فيدرالي مع عرب
العراق وفي شراكة اختيارية موثقة
دستوريا وهم يشكلون العمود الفقري
للمشروع الديموقراطي الحداثي في
العراق الجديد وتاليا في عموم
المنطقة ذاك المشروع الذي يستثمر
فيه المجتمع الدولي وعلى رأسه
الولايات المتحدة الأميركية
وبريطانيا وسائر الحلفاء بالدم
سعيا إلى إنضاجه وإنجاحه وهذا
يؤكد الأهمية الفائقة والقصوى
للدور الكردي الفاعل والمحوري في
عراق اليوم وبالتالي في هذا
المشروع كما أسلفنا علما أن تركيا
ليست من المستثمرين في هذا
المشروع الدولي الضخم والطموح بل
هي كانت ولا تزال من أشد
المعارضين للمشروع المذكور فحري
بتركيا التي من المفترض أنها
تمتلك حدا أدنى من الحصافة
السياسية بحكم تجربتها شبه
المؤسساتية القاصرة ديموقراطيا
بالطبع والتي تشوبها ألف شائبة
لكنها قياسا إلى إيران وسورية
مثلا تعتبر تجربة متطورة بما لا
يقاس بالمثالين السابقين وعليه
فالجدير بتركيا استيعاب وتعقل حجم
التطور الدراماتيكي الهائل
والعاصف للقضية الكردية في
المنطقة عامة وفي كردستان
الجنوبية ( كردستان العراق ) خاصة
والجدير بها أيضا إدراك أن
تعاطيها السلطوي القمعي والإنكاري
مع القضية الكردية لم ولن يفرز
سوى المزيد من الكوارث والمآسي
والتراكمات المحتقنة التي قد تخمد
لحين لكنها ما تلبث أن تنفجر
وبقوة أكبر من السابق فحزب العمال
الكردستاني ورغم تمكن تركيا من
سجن زعيمه السيد عبد الله أوجلان
في جزيرة ايمرالي منذ 1999 وتوجيه
ضربات متتالية له إلا أن الحزب
وبعد قرابة سبعة أعوام من الضمور
والتراجع ها هو يعود ثانية إلى
الساحة وقد شرع في الكفاح المسلح
مجددا بعد سنوات من وقف نشاطه
العسكري ضد تركيا من جانب واحد ما
يعني عقم وفشل كل السياسات
التركية في اللف والدوران وعدم
الاعتراف بالقضية الكردية
وتجاهلها والمماطلة في طرح الحلول
العادلة للقضية الكردية من قبل
تركيا والتي لن تؤدي إلا إلى
مفاقمة هذه القضية واستفحالها بما
يعقد أكثر وأكثر سبل حلها
وتسويتها سلميا وديموقراطيا .
والحال أن تركيا أمام خيارين لا
ثالث لهما : إما الاصطفاف مع
سورية وإيران وملحقاتهما كحماس
الفلسطينية وحزب الله اللبناني
... أي الاندراج في جبهة الممانعة
والمقاومة العتيدة وإما الاندراج
في سياق العصر والحداثة والعولمة
عبر دمقرطة تركيا أكثر فأكثر
والمدخل نحو ذلك هو الشروع في حل
سلمي عادل وديموقراطي لقضية
العشرين مليون كردي على قاعدة
اتحاد فيدرالي تركي - كردي في
إطار دولة مدنية حديثة تسير بخطى
حثيثة وواثقة نحو الانضمام إلى
النادي الأوروبي وفضاءاته
الحضارية الرحبة بدل التقوقع على
الذات الطورانية المنتفخة والدخول
في معارك خاسرة جديدة ضد الأكراد
في تركيا وحتى خارج تركيا في
الدول الأخرى المقتسمة لكردستان .
واللافت في الحراك الكردي المتجدد
في تركيا هذه المرة هو الطابع
المدني الشعبي الطاغي على
المظاهرات والاحتجاجات الكردية أي
أن تركيا والحال هذه لا يمكنها
على جاري عادتها التبجح بمحاربة "
الإرهاب " وما إلى ذلك من حجج
واهية للتغطية على عدالة ومشروعية
القضية الكردية في تركيا والتي هي
أشمل وأسمى من اختزالها في حركة
بذاتها أو حزب بعينه فنحن إزاء
انتفاضة شعب بأكمله ضد الظلم
والطغيان والاضطهاد المتراكم بحقه
أضف إلى ذلك أن القضية الكردية في
تركيا وغيرها من الدول المقتسمة
لكردستان قد كفت عن كونها قضية
داخلية أو حتى إقليمية أسيرة
للمؤامرات والتحالفات الثنائية
تارة والثلاثية طورا و الرباعية (
قبل سقوط البعث الفاشي في العراق
) بين هذه الدول الهادفة إلى وأد
القضية الكردية ونفيها بما هي
قضية شعب يزيد تعداده على
الأربعين مليونا ويعيش على أرضه
التاريخية المقسمة كردستان والتي
تزيد مساحتها على الخمسمائة ألف
كيلو متر مربع فبأي منطق تسعى هذه
الدول إلى نفي وإنكار قضية بهذا
العمق التاريخي وبهذا الثقل
الديموغرافي وهذا الحجم الجغرافي
الكبير وآخر حلقة في سلسلة هذه
المساعي الفاشلة هي دعوة السفير
الإيراني في أنقرة فيروز دولت
آبادي كل من تركيا وسورية وإيران
إلى التنسيق ضد أكراد العراق
والحؤول دون قيام دولة كردية في
المنطقة فيا لها من دعوة بائسة
وقصيرة النظر صادرة عن عقلية
ماضوية تنتمي إلى خمسينات القرن
المنصرم ربما فالأكراد ما عادوا
ضحية مستباحة لدسائس هذه الدول
وسياساتها العنصرية التحريضية
بحقهم وهم أي الأكراد قد برهنوا
كما يتضح من خلال تجربتهم في
العراق أنهم فاعل بارز إقليميا
ودوليا وأنهم أكثر وأول المعنيين
والمساهمين في دمقرطة هذه المنطقة
وتفكيك بناها المتخلفة المهترئة
ما يجعلهم حلفاء استراتيجيين
وشركاء أساسيين للولايات المتحدة
الأميركية وغيرها من القوى
الديموقراطية الفاعلة في النظام
الدولي وعليه فلن يجدي هذه الدول
نفعا التعويل على إجهاض التجربة
الديموقراطية الراسخة في كردستان
العراق واستعداءها عبر إقامة
تحالفات مأزومة وحبك مؤامرات
مكشوفة ومفضوحة على أكراد العراق
خاصة والأكراد عامة وفي هذا
السياق تلوح في الأفق بوادر تحرك
تركي - إيراني -سوري بالتنسيق مع
تيار الجعفري - الصدر في العراق
وليست بلا دلالة في هذا الصدد
زيارة السيد إبراهيم الجعفري إلى
أنقرة ( التي كانت القشة التي
قصمت ظهر علاقته بالأكراد )
وزيارة بهي الطلة بحسب تعبير حازم
صاغية السيد مقتدى الصدر إلى دمشق
.
وعلى أية حال فالجعفري وحليفه
الصدر ليسا بكل تأكيد في قوة
وجبروت وبطش صدام حسين الذي أخفق
في إخضاع الشعب الكردي وطمس هويته
وحقوقه فكيف لصدام صغير لا زال
يحبو على طريق التسلط
والديكتاتورية أن يفلح في ذلك
ويبتز الشعب الكردي بهذه الدولة
المجاورة أو تلك .
والحق أن التعاطي مع القضية
الكردية سواء في تركيا أم إيران
أم العراق أم سورية بهذه العقلية
القديمة المتخلفة من خلال محاولات
الالتفاف على الشعب الكردي
وتطويقه وغمط حقوقه عبر تعاون
الدول المقتسمة لكردستان ما هي
إلا محاولات سقيمة ورهانات خاسرة
بامتياز ثبتت عبثيتها مرارا
وتكرارا والأجدى هو التعاطي
بواقعية وعقلانية وايجابية مع
الشعب الكردي وقضيته القومية
العادلة عبر الإقرار بوجود هذا
الشعب وبحقوقه القومية والوطنية
المشروعة في إطار تركيا ( وفي
الدول الأخرى المقتسمة لكردستان )
ديموقراطية اتحادية ( فيدرالية )
ترنو بثقة إلى دخول الاتحاد
الأوروبي وكتحصيل حاصل ينبغي
توسيع هذه المقاربة العقلانية
المفترضة لتشمل التعاطي مع
التجربة الكردية في العراق بوصفها
نموذجا ناصعا ومشرقا للقضية
الكردية وعاملا أساسيا مساهما في
حل هذه القضية في تركيا استنادا
إلى خبرة أكراد العراق المتراكمة
وتجربتهم الغنية الفذة حربا وسلما
ثورة ودولة خاصة وأن الرئيس مسعود
البارزاني قد عرض على تركيا مؤخرا
المساعدة في حل القضية الكردية
فيها ( أنظر مقالنا " نحو بلورة
إستراتيجية كردستانية عامة " في "
الحياة " - 8 / 4 / 2006 ) إذا ما
بادرت إلى الإقرار بحقيقة الوجود
الكردي وبالحقوق المشروعة للأكراد
في تركيا وذلك لا يتم إلا عبر
التحاور والتفاوض مع حزب المجتمع
الديموقراطي ( الكردي) المرخص
وصولا إلى التفاوض مع مجمل الحركة
التحررية الكردية وفي عدادها حزب
العمال الكردستاني الذي رغم
مآخذنا الكثيرة عليه إلا أنه لا
بد من الإقرار بقوة تمثيله الشعبي
في صفوف أكراد تركيا وينبغي
الإقرار كذلك بان حزب العمال
الكردستاني الذي عدل عن تغيير
اسمه جعل يأخذ مواقف ايجابية
لاسيما تجاه التجربة الديموقراطية
في كردستان العراق وهو قد تخلى عن
الكثير من سياساته ومواقفه
الثورجية الخاطئة والمتهورة التي
تميز بها سابقا ( وان لم يبرء
تماما من اختراع النظريات العجيبة
الغريبة كنظريته الأخيرة عن "
الكونفيدرالية الشرق أوسطية ")
والتي كان مردها في الأساس إلى
وجود قيادته في سورية وارتهانها
تاليا لدمشق وتبعيتها لاملاءاتها
.
قصارى القول أن تركيا أمام مفترق
طرق فإما التصالح مع نفسها عبر
تخطي عقدة التأرجح المزمنة لديها
بين الشرق والغرب نحو تبني مقاربة
عصرية حداثية تنفتح على الغرب دون
القطع التعسفي والاعتباطي مع
الشرق وتؤسس لهوية وطنية
ديموقراطية تعددية جامعة للأتراك
والأكراد ما يعني تصالحها ( أي
تركيا ) مع أكرادها والعبور تاليا
إلى أوروبا التي أكد أحد رؤساء
الوزراء السابقين في تركيا (
مسعود يلماز ) وبحق قبل عدة سنوات
أن طريق تركيا إليها ( أي أوروبا
) تمر عبر ديار بكر عاصمة كردستان
تركيا وإما المضي في تخبطها
وحيرتها الوجودية وانفصام شخصيتها
الجمعية والإمعان في قمع الشعب
الكردي وإرهابه وتاليا النكوص إلى
وضعية " الرجل المريض " الذي
كانته في السابق السلطنة
العثمانية قبل تفسخها واندثارها
وتقزمها من إمبراطورية مترامية
الأطراف إلى دولة ( تركيا )
مأزومة ومثخنة بألف مشكلة بنيوية
.
إنها لحظة الخيار التاريخي في
تركيا بين الخروج من شرنقة
الفاشية الكمالية بتشييد دولة
ديموقراطية اتحادية مدنية ومنسجمة
مع نفسها ومع العالم أو البقاء في
الشرنقة إياها بما يكرس تركيا
كدولة عسكريتارية مركزية هزيلة
ومنقسمة على ذاتها تزداد هامشية
وعزلة يوما بعد يوم وإنها في
المقلب الآخر الحقيقة الكردية
الثابتة والمترسخة في كردستان
العراق وقد أخذت تنحو نحو الرسوخ
والسطوع في الأجزاء الثلاثة
الأخرى من كردستان في تركيا
وإيران وسورية .
|