|
حلبجة : ضحية زمنين!
زيور
العمر*
مر أكثر من عقد و نيف على
الإستهداف الكيمياوي , غير
المسبوق
في حينه , لأهالي و مواطني بلدة
حلبجة الكوردية. في ذلك اليوم
الربيعي المقبل على حلول العام
الكوردي الجديد " نوروز" حرص
النظام البعثي برئاسة صدام حسين
أن يسجل بإسمه أبشع جريمة إبادة
جماعية بحق الكورد في حلبجة
مستهدفاً , الأخضر و اليابس , و
دون التفريق بين الآهالي سواءاً
اكانوا شيوخاً أو أطقالاً أو
نساءأ أو رجالاً ..
و على إثر تلك الجريمة المروعة ,
شرعت القوى الكوردستانية في
كوردستان العراق بدعم من أبناء
الشعب الكوردي في باقي أجزاء
كوردستان التاريخية و في كل
الأصقاع , في جعل ذكرى حلبجة ,
بمثابة يوم عالمي للتضامن مع
الشعب الكوردي , و معاناته على
أيدي الأنظمة الفارسية و العربية
و التركية, الرافضة لحق هذا الشعب
في العيش بأمن و سلام و حرية على
أرضه.
و نجحت , حقيقة, في إستمالة مشاعر
و عواطف المعمورة الى جانب قضية
الشعب الكوردي. و عندما تحررت
كوردستان العراق بعد الإنتفاضة
الربيعية في 1991 و سحبت الحكومة
العراقية , في ذلك الوقت ,
موظيفيها و بيروقراطيبها
من كوردستان , وضعت القوى
الكوردستانية على عاتقها مهمة
إدارة الإقليم
ذاتياً , و كان من واجبها
تحسين أوضاع المواطنين الكورد و
تلبية إحتياجاتهم , و لا سيما ,
في المناطق التي كانت أكثر عرضة
لسياسة الأرض المحروقة . طبيعياً
, كان من واجب حكومة السليمانية
أن تقوم بتأهيل حلبجة , وخاصة على
صعيد الإعمار و تحسين ظروف
المعيشة و الحياة و إعادة بسمة
الأمل الى المواطنين الكورد , إلا
ان الحكومة الكوردية, للاسف , لم
تحرك ساكناً حيال مطالبات أهالي
حلبجة.
و نظراً لإدعاءات القوى الكوردية,
في ذلك الوقت , المتعلقة بقلة
الإمكانات و الموارد اللازمة لوضع
المنطقة الكوردية على سكة التنمية
, فإن المرحلة التي اعقبت سقوط
النظام العراقي السابق في 9 أبريل
2003 و نظراً لتدفق الأموال من
تحصيل ضرائب التجارة المزدهرة الى
كوردستان و حصة الإقليم من
ميزانية الدولة العراقية و من نفط
الإقليم , كانت كفيلة برفع الحيف
عن المواطنين الكورد و تعويضهم عن
سنوات القهر و الظلم العنصري
تجاههم من لدن الحكومات العراقية
السابقة من خلال تعميم مسيرة
التعمير و البناء في كافة مناطق
كوردستان العراق , إلا أن ظاهرة
الفساد المستشري في المؤسسات
الكوردية و إستئثار المسؤولين
الكورد بالغنيمة عرقلت توزيع
الثروة على المناطق بشكل متساوي .
فالسيارات الفاخرة التي يعتليها
المسؤولون
الكورد تحتاج الىالشوارع المزفتة
و الأرصفة المخططة حتى تليق بهم .
و في سبيل إشباع عقدة
"
البريستيج "
لديهم , شيدوا المباني الجميلة
لتكون مقر لأعمالهم و إستحصلوا ,
بالطبع ،
على رواتب عالية تتيح لهم
العيش الرغيد
و الدراسة الفخمة لأبنائهم في
الخارج , و لعائلاتهم السياحة
المريحة في
الاصطياف , فيما بقيت
العائلة الحلبجية , على سبيل
المثال , تعيش هموم تحصيل رمق
العيش الزهيد لأبنائهم.
في الصيف المنصرم زار بعد الأقارب
بلدة حلبجة , و عرجوا على مشاهدة
المتحف الذي شيد فيها تكريماً
للضحايا و ذكراهم . و لكنهم لا
حظوا , في نفس الوقت , الوضع
الكارثي الذي تعيشه البلدة , و
على كافة الصعد . فالمنازل
المشيدة في القرية من قبل الأهالي
تكاد تكون بدائية و الشوارع
"المقفهرة
"
والملوثة تميزها المجاري المائية
و الصحية التي تجري في منتصف
الشوارع مسببة الروائح الكريهة
المسببة للقرف. و الشئ الذي تم
ملاحظته غياب المشاريع الجديدة
التي تميز المناطق الأخرى, فضلاً
عن البطالة الخانقة للشبان و
الطلاب المتخرجين.
في هكذا وضع مأساوي , حيث يعيش من
تبق على قيد الحياة من أهالي
البلدة , الضحية , إندلعت
الإضطرابات في مدينة حلبجة و آدت
الى مشاجرات و أعمال عنف بين قوات
الأمن الكوردية و أهالي حلبجة ,
حيث أسفرت عن حرق المتحف و مقتل
شاب في مقتبل العمر و سقوط العديد
من الجرحى .
فحلبجة , التي ضحت بخمسة آلالاف
من أبناءها
و الاف أخرين , أعيقوا نفسياً و
جسدياً جراء الجريمة و آثار
الغازات السامة , أضحت مادة
للمزاودة الحزبية و مجرد ذكرى
جاوزت حدود المأساة الإنسانية الى
حدود التسويف الأخلاقي و
اللاإنساني تجاه مواطنين كورد
كانوا , في الأمس , ضحايا زمن
غابر معروف بتفاصيله الأليمة و
الفاجعة , و إنتهى
الأمر
بهم الى حافة الضياع و فقدان
الأمل في حياة أفضل في زمن راهن ,
حاكمه كوردي و شرطيه كوردي و
مقاوله كوردي ...
لهذا آن لنا الوقت , بدلاً من ان
نزرف الدموع على ضحايا حلبجة
المخلدين في دواخلنا , و ننظم
المهرجانات و دقائق الصمت على
أرواحهم الطاهرة , أقول حان الوقت
, أن نلتفت الى معاناة الأحياء في
حلبجة و مطالباتهم في الحياة
الكريمة و الطاهرة في كنف "
الدولة " الكوردية القائمة في
كوردستان العراق , فالكورد هناك
لم يشعروا فروق الأزمان و اشخاصها
بين الأخوة و الأعداء , فهل من
مستجيب ؟
* كاتب كوردي
20/03/2006
|