|
|
|
|
|
|
|
أوجلان في خطر..تركيا في خطر...؟.
هوشنك أوسي _ دمشق
في الخامس عشر من الشهر الجاري، تمرُّ
الذكرى السَّابعة على اعتقال الزعيم
الكردي السيّد عبد الله أوجلان، إثر
مؤامرة دولية، كانت أولى إرهاصاتها،
التهديدات والضغوطات الأمريكية –
الإسرائيلية – التركية الكبيرة على النظام
السوري، بغية إجبارها على طرده من على
أراضيها. وتمخَّضت تلك الضغوطات عن
اتفاقية "أضنا" الأمنية المشهورة بين
النظامين التركي والسُّوري، التي يُشار
إليها بالبنان، على أنها كانت المدماك
الأول في العلاقة التركية السُّورية التي
شهدت تطوراً ملحوظاً في الآونة الأخيرة.
وغنيٌّ عن البيان، إن "كبش الفدى" كان
أوجلان وحركته التي كان النظام السُّوري
يوظِّفه كـ"مخلب قط"، لتصفية حساباته مع
الأتراك. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا:
ماذا جنت تركيا من وراء اعتقال أوجلان..؟.
هل استطاعت سحق حركته، كما فعلت بالحركات
الكردية السَّابقة..؟. أيهما كان أفضل
لتركيا، أوجلان خارج حدودها، أم أوجلان
داخل حدودها..؟. من يحاصر من..؟. هل تركيا
من تحاصر أوجلان أم الأخير يحاصر تركيا..؟.
ألم يزل أوجلان يحارب النظام التركي، حتى
في زنزانته الانفرادية في جزيرة "إمرالي"
الموجودة في عرض بحر مرمرا..؟.
لقد شكَّلت حركة أوجلان، عبر حراكها
السِّياسي والعسكري والإعلامي، وعلى مدى
عقدين ونصف من الزمن، الصّدمة الكبرى،
والعقدة الكؤود التي لم يستطع أحفاد
المغول وآل عثمان ماضياً، وتلاميذ
الطورانية والأتاتوركية حاضراً، حلَّها أو
فكَّها أو سحقها. فقادة تركيا وتلاميذ
مصطفى كمال باشا – "أتاتورك" الحاكمين
لتركيا حالياً، يمتلكون إرثاً قومياً
استعلائياً استكبارياً هائلاً، يستند
لاستبداد عثماني ابتلع الشرق الأوسط
لأربعة مئة عام، واجتاز البلقان وصولاً
لحدود فينَّا. وكان على وشك ابتلاع قسم
كبير من أوروبا، إن لم نقل كلها، لولا
تمرُّد محمد علي باشا على الباب العالي في
مصر. ما أجبر سلاطين آل عثمان على إيقاف
الزحف نحو الغرب الأوروبي، والتوجُّه نحو
حل المشكل الشرقي الحاصل في مصر. كما
يستند قادة تركيا على إرث دموي قائم على
المراوغة والمناورة واللف والدوران
والخداع، وضعت لبناته الأولى "جمعية
الاتحاد والترقِّي التركية" التي حكمت
الفترة الاخيرة من عمر السلطنة، وجاء
مصطفى كمال "أتاتورك"، ليعلي صرحها. ففي
مرحة تأسيس الدولة، خدع مصطفى كمال
الأكراد، وقال: إن الجمهورية هي للكرد
والترك على حدٍّ سواء. لكن، ما لبث أن
انقلب أتاتورك على وعوده وعهوده التي
قطعها للأكراد، واضعاً أهم مبدأ من مبادئ
تركيا الحديثة :" تركيا، شعبٌ واحد، علمٌ
واحد، لغةٌ واحدة، وطنٌ واحد.". لاغياً كل
التنوع الموجود في الجغرافيا البشرية
والحضارية في تركيا. من ثمَّ، بدأ النظام
التركي عملية سحق كل الانتفاضات الكردية
عليه، بالحديد والنار. كما أن أتاتورك،
وفي بداية مرحلة تأسيس الجمهورية، خدع
زعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين
موهماً إياه، أنه يدعو للاشتراكية، كي
يكسب ود السوفيت. لكن، ما لبث أن تنصَّل
أتاتورك مرَّة أخرى من وعوده للبلاشفة
الروس، وأسَّس لعلاقات مع الغرب، التي
تكللت بوقوف تركيا إلى جانب الحلفاء ضدَّ
دول المحور في الحرب العالمية الثانية سنة
1939، بعد وفاة أتاتورك. خاصة، بعد أن
منحتها فرنسا المنتدبة على سوريا، لواء
اسكندرون. وعلى ضوء ما سبق، فعبر تاريخ
الأتراك عموماً، وتاريخ تركيا الحديثة
خصوصاً، لم تستطع أية حركة معارضة تركية
أو كردية أو عربية أو فارسية أو أرمنية أو
يونانية...الخ، أن تحطِّم كبرياء
الاستبداد التركي، وتمرِّغ أنفه في التراب،
على مدى عقد ونصف، وحتى اللحظة، إلا حركة
أوجلان.
على الرغم من الضربات العنيفة،
والاهتزازات العميقة التي تعرض لها حزب
العمال الكردستاني pkk، والتراجع الواضح
للخط البياني لنشاطه، والتصدعات والشروخ
الداخلية التي أصابته، بفعل الضغط الداخلي
والخارجي عليه، إلا أنه ضرب كل التهُّكنات
والمراهنات على انهياره، عقب اعتقال زعيمه،
عرض الحائط. فحركة أوجلان تحوَّلت من
ظاهرة سياسية عسكرية، إلى حالة اجتماعية
ثقافية قومية وطنية بين قطاعات واسعة من
الأكراد في العالم، وبين أكراد تركيا خاصة.
وتالياً، يمكن اعتبار حركة أوجلان، انقلاب
مجتمعي على كافة الأصعدة في كردستان تركيا.
ولا يمكن الحديث عن أي حل للقضية الكردية
في تركيا بمنأى عن أوجلان وحركته. فضلاً
عن إمكانية اعتبار أية خطوة تخطوها تركيا
نحو الإصلاح والتغيير الديمقراطي نحو
الأكراد، بأنها نتيجة أو ثمرة للمقاومة
الكردية التي قادتها حركة أوجلان.
وبالتالي، فهي إنجاز للكرد، وخطوة للوراء
من قبل الشوفينية التركية. فلولا الشرط
التعجيزي المتمثِّل في حاجز الـ" 10%" من
عدد الأصوات في الانتخابات التركية،
لاستطاع حلفاء ومؤيدي أوجلان أن يشكِّلوا
كتلة نيابية في البرلمان التركي، لا تقل
عن 50 مقعد. ولأن الحزب المقرَّب من حركة
أوجلان – "DEHAP"، لم يستطع اجتياز هذا
الحاجز، ذهبت كل مقاعده النيابية التي حصل
عليها في المنطقة الكردية إلى حزب العدالة
والتنمية "AKP" بزعامة رجب طيب اردوغان.
والجدير ذكره هنا، إن مرحلة الهدنة التي
أعلنتها حركة أوجلان مع الدولة التركية،
من جانب واحد، كانت بمثابة استراحة
المحارب التي جعلت أكراد تركيا حالياً
أكثر تنظيماً، خاصة في الحراك السِّياسي
المدني. وما النشاطات والفعاليات
الجماهيرية الكردية السلمية الأخيرة إلا
دليل على ذلك. لكن، لعل أكبر خطأ وقعت فيه
حركة أوجلان، هو أنها نقلت ساحة حربها إلى
أوروبا، بدلاً من نقلها إلى المدن التركية.
وهذا ما أثَّر سلباً على التعاطي الأوروبي
مع الحالة الكردية في تركيا، ودعم اللوبي
التركي في أوروبا كثيراً.
أعتقد أن أوجلان كان لغماً موقوتاً خارج
تركيا، أمَّا الآن، فقد بات لغماً في
أحشائها، لم تستطع الأخيرة، وخلال هذه
السنين السبع الماضية، أن تنزع صاعقه أو
فتليه، أو تفكيك مفعوله. وتالياً، فسلامته
بالضرورة هو من سلامة تركيا، نظراً
للتأثير الكبير لأوجلان على حركته ومؤيديه.
فعندما اعتقل أوجلان أحرق أكثر من 50 كردي
"رجال ونساء" بإضرام النيران بجسده
احتجاجاً على ذلك. وأعتقد أن وجود أوجلان
خارج حدود تركيا كان أفضل لها، لعدة أسباب،
لعل أبرزها: إن أوجلان كان سيستمر على
الوتيرة التقليدية باستخدام العنف كوسيلة
لإجبار تركيا على حل القضية الكردية. ومن
شأن هذا، أن يبقي أوجلان وحركته في دائرة
المقاطعة الدولية على إنها منظمة إرهابية،
من جهة. ومن جهة أخرى، الإبقاء على الدعم
والمساندة الدولية الأوروأمريكية لتركيا
في حربها ضد الأكراد. لكن، مشروع أوجلان
السلمي، وتخليه عن طرح الدولة القومية،
وتبنيه للدولة الوطنية الديمقراطية، كشكل
لتركيا المستقبل، كان هذا كفيلاً لجر
البساط من تحت جزمات جنرالات السِّياسة
التركية، ودعم موقفه وموقف حركته، ولو
بشكل خجول حالياً، أوروبياً. بعد الفشل
الذريع في إطفاء كرة النار المتمثِّلة في
أوجلان، خارج حدود تركيا، فأية محاولة في
إطفائها داخلها، سيكون كفيلاً بإشعال
تركيا. وبالتالي، سيكون الثمن باهظاً جداً
دخالياً وخارجياً.
لقد نقلت وكالات الأنباء مؤخَّراً عن أن
أوجلان قد تعرَّض لأزمة قلبية، وهذا ما
خلق حالة استنفار قصوا، وترقُّب حذر من
قبل قيادات وأعضاء حركته خصوصاً، والأكراد
عموماً. فضلاً عن حالة العزلة الشديدة
التي كان تفرضها عليه، والمضايقات التي
كانت تخلقها لذويه ومحاميه. كل هذا من
شأنه أن يعيد تركيا إلى المربَّع الدموي
الأول، قبل اعتقال أوجلان. وبالتالي، عودة
مشاهد العنف العارمة التي شهدتها تركيا،
والتي تلت اعتقال أوجلان، ستعود لتتصدر
واجهة المشهد السِّياسي التركي، إن فكَّرت
تركيا بالمس بحياة أوجلان. وما يُخشى منه،
أن يكون هنالك ثمة صفقة ضمنية بين قادة
حركة أوجلان والنظام التركي، بمظلَّة
أوروأمريكية، على غرار الصفقة التي تمَّت
بين قادة حركة فتح وإسرائيل التي بموجبها،
تمَّ الإسراع في إنجاز خطَّة فك الارتباط
مع الفلسطينيين، مقابل صمت فتح على اغتيال
زعيمها الراحل ياسر عرفات. وهذا ما
ستتكفَّل الأيام القادمة بتأكيده أو
تفنيده.
|
|
|
|
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
|
|
|
|
|
|
 |
|
 |
|
زاويــــــــــــــــة
يحررها الكاتب والشاعر
هوشنك اوسي
|
|
|
|
|
|
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
|