Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 

من شمدينان.. إلى ديار بكر
من المؤامرة.. إلى الانتفاضة


يحيى السلو

الأحداث التي تفجرت على اثر حملات التمشيط والغارات الجوية التي أدت نتائجها لاستشهاد عدد من المقاتلين الكرد يدعو من جديد إلى التساؤل .. لماذا عاد الجيش التركي إلى التحرك بعد مرحلة من الجمود ....؟. من يريد الاستقرار ومن لا يريد ..؟ ما هي أبعاد اللعبة السياسية ..؟ خلفية الأحداث التي انطلقت من مدينة شمدنلي هل كانت انتفاضة أم مؤامرة ..؟ الكثير والكثير من الأسئلة التي تطرح نفسها . وفي الواقع العملي ما لم تعش في تلك الأجواء من الصعب فك الألغاز وفهمها من مختلف الجوانب ..

من المعروف باعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان على اثر المؤامرة الدولية . بدأت مرحلة جديدة وأعلن عن وقف إطلاق النار بعد أن دامت المعارك أكثر من خمسة عشر عاماً.. سنوات الحرب حملت الكثير من التطورات من افرازات اجتماعية .. طبيعة العلاقات على المستوى القومي .. الوضع الاقتصادي..الدبلوماسي...الخ .

توقف السلاح كشف عن الكثير من الأمور التي كانت تحمل في طياتها مرحلة الحرب ومن أهمها : برز إلى العلن حقيقة الصراع داخل النظام الذي كاد أن يصل إلى صراع دامي بين جنرالات الجيش التركي وبين القادة السياسيين , فالجنرالات الذين اعتادوا خلال سنوات الحرب أن تكون لهم الكلمة الأولى والأخيرة, ما أن توقفت المعارك حتى بدأت المرحلة الجديدة أمام الحكومة التركية. مرحلة ترميم مؤسسات الدولة: الاقتصادية.. الدبلوماسية.. المدنية ...الخ التي كادت أن تنهار, وإصلاح هذه المؤسسات لا يمكن أن تتم إلا في حالة من الاستقرار.. والأمر الآخر الذي واجهته الدولة التركية تحت ضربات الأنصار هو فضح سجلهم في مجال حقوق الإنسان من كافة النواحي الإنسانية وعنصريتهم ....الخ

باستغلال ظروف توقف المعارك بدأت عملية الإصلاح وهذه المهام لابد من أن تكون من مهام القادة السياسيين والمؤسسات المدنية . ....... حسب توجه السياسة التركية ومنذ إعلان الجمهورية وحلهم لازمتهم
( حسب رؤيتهم) تنصب في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي ولكن بالمقابل يتطلب منهم قبل تحقيق الحلم تنفيذ مطالب... ومطالب .....

وسط ذلك بدل التوجه في المنحى المطلوب منهم, بالعكس تعمقت الأزمة وبرز على السطح عمق الصراع وحجمها خاصة داخل النظام التركي بالذات . الصراع بين جنرالات الجيش والقادة السياسيين . الجنرالات الذين اعتادوا على إعطاء الأوامر والسياسيين على النهي .. أي الاستقرار يعني انتهاء دور الجنرالات و تحجيم صلاحياتهم التي كانت أيام الحرب بدون حدود. هذا إذا أضفنا تنظيم شبكات مافيا كبرى لتهريب السلاح والمخدرات والرقيق الأبيض بين ضباط الجيش ورؤساء حماة القرى .. يشاركونهم قادة سياسيين بارزين .

القادة السياسيين تحركوا لاستغلال المرحلة لصالحهم طالما لم يستطيعوا أيام الحرب والجنرالات لن يتنازلوا عن سلطاتهم بتلك السهولة.. خلال هذه المرحلة التي لم تتجاوز النصف عقد من توقف المعارك ومجيء حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم ونجاحها نوعاً ما بدفع عجلة الترميم إلى الأمام وعلى كافة الصعد.. عكس ما كان يدعيه الجنرالات بعدم الثقة بالمؤسسات المدنية . فهذه التطورات أوصلت السلطات المدنية والعسكرية إلى حالة من التوازن, يعني تقدم القادة السياسيين على حساب صلاحيات القادة العسكريين مما ولدت حالة فقدان الجنرالات صبرهم . واجهوا النظام المدني بشكل مباشر ولكنهم فشلوا تقريبا, مما اجبرهم البحث عن وسائل بديلة . فلم يكن أمامهم إلا اللعبة القديمة . لعبة إشعال الفتنة والحرب وتوتير الأوضاع وزرع ودفع الأمور باتجاه البلبلة . فكان اختيارهم نقطة البدء ومنذ بداية العام ...مدينه( شمدينان ) ومن ثم استمر وتوسع هذا الشكل من المؤامرات ( هكاري .. وان ... شرناخ .. ) وأسباب اختيار مكان البدء :

1 – مدينة شمدنلي مدينة حدودية نائية اعتمادها الأساسي في المجالات التجارية كانت تعتمد على التهريب بين طرفي الحدود ( عراقي – تركي ) ( إيراني – تركي ) وخلال سنوات الحرب معظم سكان هذه المناطق وقراها دخلوا في شبكات حماة القرى ( مدنيين قام الجيش التركي بتسليحهم لحماية قراهم من دخول الأنصار إليها والمشاركة مع الجيش في حملات التمشيط ضد الأنصار ) . نجحت الدولة التركية في هذه المناطق إلى حد كبير التلاعب بمشاعر سكانها وذلك بتكثيفهم وسائل الحرب الخاصة بينهم . لأهمية موقعها (المثلث الحدودي) وتشكل نقطة استراتيجية بالنسبة لمن يستطيع السيطرة عليها لوعورة جغرافيتها.. فهي بمثابة مفتاح الارتباط لثلاثة أجزاء من كردستان مع بعضها . لهذه الخصوصية أخذت شمدنلي وما حولها ( مناطق ..قرى) بعين الاعتبار من قبل الجنرالات في الجيش التركي باتخاذها ضمن استراتيجيتهم العسكرية وجعلها نقاط ارتكاز أمامية لمنع تسلل الثوار ولعدم استطاعهم التمركز في مثل هكذا جغرافية والتمسك لإبقاء سكانها والاستفادة من خصوصياتهم ( الشجاعة .. معرفتهم لتضاريس و خصوصيات جغرافيتهم) وتنظيمهم في جيش
( حماة القرى) واستخدامهم ضد الغريللا فمارسوا في هذه المناطق سياسة الحرب الخاصة لكسب السكان بأي شكل من الأشكال . مما تحقق في هذه المناطق وضع خاص . من ناحية لم يلحق بهم الضرر كالمناطق الأخرى اقتصاديا (( من حرق القرى وتهجير السكان من قبل الجيش )) بل بالعكس تلقوا اهتمام من قبل الجنرالات وانتعش وضعهم الاقتصادي . لدورهم الفعال في حملات التمشيط على مراكز الغريللا وتلقيهم الرواتب الشهرية بالإضافة إلى المكافآت التبرعات والمساعدات . في إطار كسب مشاعر الأهالي ( تحت مختلف الأسماء) كل ذلك لإبعادهم من الانضمام أو إيواء الغريللا .

خلال سنوات الحرب وخاصة أثناء تنفيذ حملات التمشيط والمعارك ضد الأنصار ودورهم الفعال مقارنة مع الجندي القادم من استنبول ( شجاعة القتال .. التحمل..الجلد . . التعامل مع ظروف الجبال ) ..ازداد اهتمام القادة العسكريين والمدينين بهؤلاء الجبليين وتنظيمهم في جيش ( حماة القرى) لاستخدامهم وقود حرب بدلاً من الجندي التركي من منطلق سياسة ( قتل الكردي بالكردي ) . نتيجة ذلك الاحتكاك والاهتمام ، بالمقابل هم أيضا تعرفوا وعن قرب على حقيقة القادة والجنود و رموز الدولة . الذين كانوا(( الضباط .. القادة السياسيين ) بالنسبة إلى أولئك السكان البسطاء كل واحد بمثابة لغز وشخصيات أسطورية. فتطور التعامل إلى شكل آخر من العلاقات. خاصة الضباط الذين تعرفوا على الخصوصيات الأخرى لهذه المناطق بعيدا عن أهداف وجودهم كضباط وقادة عسكريين . بدأت علاقات مصالح للاستفادة من خصوصية هذه المناطق.. كمناطق تهريب بالإضافة إلى استغلال ظروف الحرب وسلطاتهم وتسخيرها في خدمة مصالحهم الشخصية... إلى درجة تشكل بينهم اكبر شبكة تهريب للأسلحة والمخدرات والرقيق الأبيض في كل من كردستان وتركيا ..( جنرالات وضباط ورؤساء حماة القرى وقادة مدنيين في مؤسسات الدولة التركية ) .

مصادر المخدرات :
1- من المعروف أن المناطق الحدودية مع كردستان الشرقية ( إيران) تشكل اكبر خط وقنوات و معابر لتهريب المخدرات القادمة من أفغانستان وعبورها إلى كردستان وتركيا ومن ثم إلى أوربا.
2- زارعة المخدرات على الطريقة الأفغانية في شعاب تلك المناطق و خاصة الجبلية ( القرى الجبلية التابعة ل شمدينان .. هكاري – جتاخ.. ... الخ) .

مصادر الأسلحة :
1 - المستودعات العسكرية تحت اسم نفقات حرب .
2 – من كردستان الجنوبية ( شمال العراق) على اثر انهيار وهزيمة النظام البعثي الصدامي في حرب الخليج والانتفاضة الكردستانية وتحرير إقليم كردستان .

الرقيق الأبيض :
الاتجار بالفتيات الكرد نتيجة تفشي الفقر المدقع على اثر حملات الجيش وحماة القرى على القرى الكردستانية وحرقها مع المزروعات وإتلاف المحاصيل و المصادر المعيشية كقطعان الماشية وما شابها وإجبارهم على الرحيل إلى المدن واكبر فضائحها كانت في ( قارص – سرهاد ) كانت قد انتشرت في الثمانينات والتسعينات شراء الفتيات وإرسالهم إلى المتروبولات .

هذا التداخل ما بين الضباط والمدنيين إضافة إلى الضربات الأنصارية كسرت هيبة الدولة في هذه المناطق . هذا إذا أضفنا الاستقرار النسبي الذي حدث . أدى إلى تراكم الطاقات وخروج السكان من الغفلة. خاصة في السنوات الأخيرة من الحرب بدءوا بتسخير تلك الطاقات في خدمة قضيتهم الوطنية والقومية .

خسارة الجنرالات لصلاحياتهم بتوقف الحرب أجبرتهم الخروج من السكون إلى الحركة وتمويه محاولات التدخل المباشر وغير المباشر في شؤون المؤسسات المدنية ونتائجها السلبية . فلم يبقى أمامهم ألا المؤامرة على طريقتهم الطورانية.

نفذوا مؤامرتهم الأولى في شمدنلي بقيام عدة ضباط بإلقاء قنبلة يدوية داخل مكتبة عامة لإثارة السكان و بنظرهم :

أولا : لإعادة هيبة الدولة والجيش من جديد وكسر الحالة الاقتصادية لعدم تضرر هذه المناطق كالمناطق والمحافظات الكردستانية الأخرى . وحسب المفهوم السياسي والمؤامرات السياسية تعرف هذه الأنواع من العمليات بعملية تنفيس الشحنات والاحتقانات الشعبية . أي بعملية اجهاضية .

ثانياً : خلق حالة من البلبلة والفوضى و اللا استقرار لإرباك القادة السياسيين الذين يحاولون دفع الأمور إلى الأمام . وجاء مقابل هذه المؤامرات زيارة اردوغان إلى ديار بكر( آمد) لتهدئة الأوضاع ووعوده لحل المسألة الكردية...

ثالثاً : رسالة إلى المجتمع الدولي خاصة أمريكا والاتحاد الأوربي لإيقاف ضغوطاتهم والحد من الشروط التي يضعونها أمام الحكومة التركية لانضمامهم إلى الاتحاد الأوربي والرسالة ذات مضمون / إننا نريد أن نقوم بالإصلاحات بما فيها حل المسألة الكردية ولكن انظروا لم ننتهي بعد من الإرهاب .. إننا نريد ولكن الإرهابيين لا يعطوننا المجال / .

حساب الصندوق لم يطابق حساب السوق كما يقال . الجنرالات اخطئوا في حساباتهم . يبدو أنهم لم يستطيعوا حتى الآن فهم التطورات التي حدثت خلال الحرب وبعدها . ومن أهمها إن المجتمع الكردي الذي كان قد ترك ولقرون من الزمن في حالة بدائية نائية يصارع أمراض الجهل, وثمن دماء الثوار من أبناء كردستان لم تكن إلا ضريبة لإخراج الشعب الكردي من تلك العزلة إلى النور وتلك الدماء لن تذهب هدراً... وما قامت الأنظمة العنصرية والدكتاتورية من ممارسات إلا و كانت قد حفرت قبرها بيدها . قيام الجيش التركي بحرق أكثر من خمسة آلاف قرية كردستانية و ممارسة عمليات التشريد والترحيل اعتبروها نصر . مع الاسف فلم تكن إلا انتصارات آنية . انتصارات مخادعة . لأن هؤلاء الذين اجبروا على ترك قراهم ومناطقهم إلى درجة تفريغ كردستان على الطريقة الطورانية والصدامية تحت اسم ترك الغريللا لوحدهم كالسمك بدون ماء . فهؤلاء تعرفوا على الأنصار عن قرب بل هم أبناءهم . هذا من ناحية، ومن الناحية الثانية كانوا يعيشون في القرى النائية لا علم لهم بشؤون العالم والتطور الحضاري . هجرتهم إلى المدن حقق لهم الاحتكاك الأول مع العلم والعصر . و من ناحية أخرى خاصة بعد توقف المعارك استطاعوا التنفس وعلى الأقل إعادة ترتيب أمورهم ( اقتصادياً .. وسائل المعيشة .. حياة المدينة ) حسب وضعهم الجديد . بطبيعة الحال دون أن ينسوا ما ذاقوه من المرارة وحرق الأخضر واليابس في قراهم على أيدي الجيش الطوراني وان الثوار الذين كانوا يستشهدون بأسلحة محرمة دولياً هم أبناءهم .

لذلك انتصار الدولة الطورانية الذين خدعوا أنفسهم بانتصارات مؤقتة لا أكثر. كالانتصار الإسرائيلي عندما اجتاح الجنوب اللبناني للتخلص من الفدائيين وما تحقق لهم ذلك بدت الأمور وكأنهم انتهوا من قضية اسمها قضية فلسطينية . ما إن مرت سنوات إلى أن تنفس الشعب الفلسطيني حتى بدأ بانتفاضته من الداخل وبالحجارة .. والنظام العسكري التركي خدع نفسه بحرق القرى وترحيل سكانها الكرد ومن ثم اعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان وانسحاب القوات الأنصارية إلى الجنوب الكردستاني ( شمال العراق ) .. بدا لهم وكأنهم انتهوا من قضية اسمها كردستان وشعب اسمه الشعب الكردي ..

سرعان ما ظهرت حقيقة انتصاراتهم . واللعبة التي لعبها الجنرالات فجرت الأوضاع وبانت عن عقلياتهم التي تجاوزها الزمن واقترابهم من المسألة الكردية دون أن يدركوا إن الزمن تحرك . أيام الحرب كانوا يقتلون.. يذبحون ويمثلون بأجساد الشهداء المدنيين والثوار.. حتى وهم أحياء و أمام أنظار الشعب ويحرقون القرى أمام أعين أهلها دون أن يستطيع أو يجرأ احد التدخل أو حتى النواح . الشعب الكردستاني لم يعد في أيام الظلمات والجهل .

واصل الأمر انطلق من المؤامرة و ليحصد الجنرالات نتائجها... ولكن مع الأسف انقلب السحر على الساحر. تحولت المؤامرة إلى شرارة ، كشرارة ثورة الحجارة . وعدم نجاح الثورة في أيام الكفاح المسلح أن تنتقل إلى المدن لأسباب الظلمات تلك . هذه المرة نجحت ونستطع أن نقول إن الانتفاضة انتقلت من الجبال إلى المدن. ولم يعد هناك خيارات أمام الجنرالات سوى الاختيار أما: حل المسألة الكردستانية حلاً ديمقراطياً بعيداً عن أحلامهم ومغامراتهم الدونكيشوتية .. وأما.. الانتفاضة .. وكلنا ندرك النتائج .





 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE