Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 

الدولة السورية بين الهشاشة والتمركز السلطوي القوي

غسان المفلح

ما يهمنا هنا العلاقة بين السلطة السورية والدولة السورية, بدءا بالسيادة والتي هي عنصر مهم ومحايث لمفهوم الدولة كمفهوم مازال إشكاليا في الفكر المعاصر وخصوصا العربي لأنه على مدار عقود ما يعرف بفترة ¯ الاستقلال ¯ استطاعت السلط العربية أن تجعل من مفهوم الدولة مفهوما فقيرا في حضوره أمام تغول هذه السلط . رغم التفاوت النسبي والنوعي أحيانا بين هذه الدول العربية . في المفهوم المعاصر للدولة والذي لم يأت من تنظير أو تأويل بل من سياق تطور تاريخي في المشروع الغربي بما هو مشروع الكون كله أن السلطة تتبع الدولة في الممارسة اليومية وليس العكس كما هي الحال في سورية, الدولة مفهوم احترافي ومؤسسي بينما السلطة هي مفهوم متحرك بتحرك احتياجات المعاش في جدلية مازالت معقدة بين السلطة وبين الدولة بالمعنى التاريخي للعبارة . يقول جان جاك روسو إن العقد الاجتماعي يعطي المجتمع السياسي سلطة مطلقة على كل أعضائه, وهذه السلطة المطلقة التي تتولاها إرادة عامة تحمل اسم السيادة "والسيادة التي ليست سوى ممارسة الإرادة العامة لا يمكن أبدا التصرف فيها, وصاحب السيادة الذي هو كائن جماعي لا يمكن لأحد أن يمثله أو ينوب عنه سوى نفسه", ويضيف روسو إلى ذلك أن "السلطة العليا لا يمكن تقييدها; ذلك أن تقييد السلطة العليا معناه تحطيمها, وأن "السلطة صاحبة السيادة ليست في حاجة إلى ضمانات بالنسبة لرعاياها". هذا التعريف للسيادة إنما هو لكي يوضح بشكل أكيد المفهوم المحايث والضمني في فكرة الدولة وسلطتها النابعة من تمثيل جماعي وإرادة جماعية حرة وطوعية وهنا القانون ¯ الدستور هما المفرز الأهم لتأكيد هذه السيادة الجماعية, لهذا نجد أن سلطاتنا دوما تلجأ إلى دولة اللاقانون لأنها تريد افقاد المجتمع لسلطته المفترض أنها تعاقدية على نفسه كي يتم التحكم فيها من خارج هذه الإرادة وهذا العقد . والمثال هو قوانين الطوارئ :
ماذا تعني هذه القوانين في الجوهر? إنها ممارسة اللا قانون بشكل قانوني, لهذا لاتستطيع السلطة أن ترفع قوانين الطوارئ التي تتيح وجها أمنيا مخابراتيا في كل مجالات الحياة ولا قانوني ويأخذ بعده السري وكأن البلد في حالة حرب دائمة والجواسيس يتربصون بها من كل حدب وصوب !! فالقانون هو عدو الاستبداد رقم واحد لهذا تكو عادة في النظم الاستبدادية السيادة شخصانية أو عائلية أو عشائرية وليست سيادة جماعية وفق روحية عقد اجتماعي يكون للدولة فيه الدور الأساس القانوني والسيادي وليس لهذا النوع من السلطات .
مثال : إن اقتحام منزل أي مواطن ومن دون أي حرمة وفي أي وقت وبلا سابق إنذار وبلا نص قانوني لا يتيحه إلا الوجه اللاقانوني لحالة الطوارئ !! لأن أي نص مهما كانت هشاشته القانونية هو في النهاية نص قانوني !! تستطيع السلطة عندنا جلب ألف مذكرة توقيف وتفتيش لمنازل واقتحامها ولكنها لا تريد أي شكل من أشكال البيروقراطية, وهذا أمر عجيب لبعض من يرون ان السلطة برجوازية بيروقراطية فهي بيروقراطية بما يخص شؤون المواطنيين ولكنها دينامية جدا بما يخص الأمن السلطوي ولا بيروقراطية لهذا يمكننا النظر لدور الدولة وحجمه في ظل هذه الحالة والذي ليس له وجود مطلقا في مقابل السلطة الفعلية هذه . لأن هذه السلطة عدوها أي قانون حتى ولو كان من صنع يديها .
المثال الثاني : السلطة المشخصنة في أي قرار يأخذ مهما كان وفي أي ظرف كان هو في أولوياته : مصلحة الرئيس الشخص أولا وقبل أي اعتبار مهما كان لأن سيادته الشخصية فوق أي سيادة . شيراك لا يستطيع أن يوقف شخصا فرنسيا بقرار شفهي, ولا يستطيع اعتقال وزير أو أي شخصية بقرار شفهي أيضا ?! لأن من ينفذ بحاجة إلى نص يحميه ونص قانوني بشكل أو بآخر. فالرئيس لايستطيع التصرف وفق مزاجه ومصلحته الشخصية وبهوى ولا حرفية قانونية, هذه الحرفية خاضعة لبداهة العقد الاجتماعي وتحصيناته القانونية والدستورية . لهذا قلما تجد وثائق تدين هذا النوع من السلطات اللاقانونية فمدينة حماة دمرت ومجازر سجن تدمر من الصعب إن لم يكن من المستحيل الحصول على وثيقة تثبت حتى ربما دخول الجيش إلى المدينة.
نقصد وثائق لدى أجهزة الدولة . وكل هذا وغيره بالطبع وعلى كافة الصعد يمكن لنا أن نتخيل مدى هشاشة الدولة وحضورها في الحياة السياسية للمواطن, فالمواطن لايخاف الدولة وأجهزتها الرقابية والقانونية بل يخاف الأجهزة التي تعمل بلانص ويمكن لها ان تخفيك إلى الأبد دون أن تترك وراءها أثرا .
فساد القضاء السوري عنوان لهذه المرحلة من الدولة الهشة والمهشمة وأظن لايوجد مواطن سوري لا يقر بهذه القضية , فلكل قاض محام خاص أو محامون خاصون كي يقبضوا عمولات عن كل دعوى وقضية, حتى أن هنالك بعض القضاة يوجهون المتهمين كي يذهبوا الى محام بعينه إذا ارادوا ربح القضية التي تخصهم.
لا أحد في سورية يمتلك القدرة أيضا على محاسبة دائرة السياسية الخارجية مهما فعلت والتي هي حصريا بين السيد الرئيس ووزير خارجيته .
وعلى الصعيد الاقتصادي : حتى فترة ليست بعيدة ومازالت قائمة بشكل كبير ميزانية النفط كانت حصريا بيد السيد رئيس الجمهورية ولا أحد يستطيع معرفتها ولا كيف تصرف والأهم لا أحد يستطيع أن يسأل عنها وإلا سيصبح مصيره كمصير أستاذنا الدكتور عارف دليلة القابع بالسجن منذ خمس سنوات ومازال أمامه خمس أخرى . هذا من جانب ومن جانب آخر والأهم من كل هذا هو ارتجالية السلطة السورية في الحقلين السياسي والاقتصادي من اشتراكية إلى تخصيص ثم سوق اجتماعي وعلى طريقة المرحوم خالد بكداش والذي عجز عن إيجاد مفهوم مناسب لوصف الوضع السوري فتارة دولة التقدم والاشتراكية ثم دولة التطور اللارأسمالي ثم دولة التقدم الاجتماعي وأخيرا قبل وفاته الدولة البيروقراطية ولكن هذا المفهوم لم يأخذ طريقه للحزب ومات الرجل بعد أن كتب عن هذا المفهوم وفي الحقيقة لم أعد أذكر التاريخ . لهذا تجد الكثيرين من الكتاب يسمونها السلطة الزبائنية أي حسب الزبون والمرحلة لأنها سلطة فرد . وليست سلطة مؤسسات .
فالدولة المعاصرة تأسست على محايثة تاريخانية لعلاقة الدولة بالسلطة, ولعلاقتها بالشأن العام والقوى المجتمعية, قوامها التصور القانوني الاجرائي للمجموعة السياسية بصفتها تعبيرا عن علاقات تعاقدية, تستمد شرعيتها من داخل النسق المجتمعي نفسه في حركيته التاريخية ومصالح القوى المتواجدة على أرض هذا المجتمع ولا يحتكر حركيتها بفعل جهاز القوة الذي من المفترض أن يكون لاشخصانيا واستخدامه حكر على الدولة ¯ المؤسسة وليس بيد شخص ما أو عائلة ما أو طائفة ما أوحزب ما .
فالدولة من هذا المنظور ليست سوى تنظيم لتصارع القوى المجتمعية , ولم تعد إطارا شاملا لتكريس قيم الفضيلة وتحقيق السعادة, حسب التصورات اليونانية والوسيطة التي اعتمدتها الأدبيات السياسية الإسلامية. وهذه النقطة التي يوردها الكاتب السيد ولد أباه في الحقيقة ترد على التيارات التي مازالت ترى في الانتقال الديمقراطي للمجتمع السوري وكأنه إحداث جنة الله على الأرض بينما هو ليس سوى إظهار هذا المجتمع بداية على حقيقته وكما هو :
بيد أن هذا التحول قد أفضى إلى نتيجتين تبدوان متعارضتين هما: تقويض الطابع المطلق الشمولي للدولة باختزال مبدأ التنظيم السياسي في إجرائية التعاقد العرضي, واستبدال المطلق الديني الذي كان هو أساس شرعية الدولة الوسيطة (بمختلف ألوانها), بالمطلق السياسي, أي الولاء للأمة بمفهومها القومي والرمزي . وفي الحال السوري تم استبدال المطلق السياسي بمطلق هجين وخاص وفريد بين الشخصي ¯ الطائفي والحزب القائد في تركيبة جاءت لتشعل فتيل الانقسامات الجهوية في المجتمع السوري .
وقد أبدع العقل السياسي الحديث للتغلب على هذه المفارقة لمفاهيم محورية مثل السيادة والتمثيل والشخصية, وهي كلها تعبيرات عن الحاجة الموضوعية للوساطة المطلوبة بين ذرات الجسم السياسي المشتتة بعد انهيار الوحدة الأصلية للكيان السياسي التي كان مرتكزها الدين. ومن الواضح أن الأنموذج القانوني الذي أفرز هذه المفاهيم, تحول من سمته الإجرائية المحضة (أي تنظيم علاقات القوى بين المجتمع مع الحياد الشامل إزاء شتى التصورات والأنساق القيمية) إلى طابع قيمي إيجابي, غذته الايديولوجيات التاريخانية والوضعية التي هي أساس التصورات العلمانية السائدة .. وفق هذه القراءة وما تقدم يبقى السؤال لمقال ثان : أين هي الدولة السورية من هذا ?





 


 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE