الخامس عشر من شباط والوجه القبيح
للديمقراطية التركية
شيار محمد
صالح
تطل علينا الذكر السابعة المشئومة
لاعتقال وأسر السيد عبد الله
أوجلان، الذي تم اختطافه وتسليمه
للدولة التركية في الخامس عشر من
شباط من عام 1999، من قبل العديد
من القوى العالمية والإقليمية
والمحلية، وكذلك العديد من أجهزة
الاستخباراتها. هذه الحملة التي
لا تذكرنا سوى بالمصالح الضيقة
للقوى الاحتكارية العالمية، والتي
لا تعير أدنى احترام لمطالب
الشعوب في سعيها المحموم من أجل
نيل حريتها والتطلع لغد أفضل.
ففي مثل هذه الأيام تكالبت القوى
المنفذة للمؤامرة، وبخطة مدروسة
ومحكمة، لإنهاء تطلع الشعب الكردي
نحو الحرية، وذلك بالقضاء على أحد
أكبر رموز هذا الشعب، والمتمثل
بالسيد عبد الله أوجلان. وتم
حياكة نسيج هذه المؤامرة في مطابخ
الاستخبارات العالمية والمتحكمة
برقاب الشعوب بغية كسر إرادتها،
والنيل من تطلعاتها، وتحجيم
إيمانها وثقتها من جهة، وتمرير
مخططاتها المنفعية الآنية على
حساب نضال الشعب الكردي المستمر
منذ عقود من الزمن.
هذه الدول المتآمرة أرادت أن تكشف
عن وجهها الحقيقي بفعلتها هذه،
وتثبت أنه ليس هناك من إرادة حرة
للشعوب، بل هناك إرادة واحدة في
العالم متمثلة بإرادة القوى
الاحتكارية المتعولمة. لكن الذي
تم إثباته على أرض الواقع أن
إرادة الشعوب لم ولن تنكسر، مهما
سعت القوى الاحتكارية، ومهما قامت
به من مخططات لن تصل لمبتغاها
وهدفها الذي خططت من أجله.
الولايات المتحدة الأمريكية
وحلفاؤها المشتركون معها سعوا
بمؤامرتهم تلك لإعاقة وإسكات صوت
السيد عبد الله أوجلان الداعي
لوضع الحلول للقضايا والمشاكل
المستعصية التي تعيشها منطقة
الشرق الأوسط، وذلك من خلال نهج
الحضارة الديمقراطية
والكونفدرالية الديمقراطية للشرق
الأوسط. لكن على ما يبدو أن هذه
الحلول لم ترضِ الولايات المتحدة
الأمريكية لما تخطط هي نفسه
للمنطقة، ورأت أن الحلول التي
يضعها السيد أوجلان باتت عائقاً
جدياً أمام المصالح الاحتكارية
للشركات المتعولمة والمنفعية.
وأرادت الولايات المتحدة من
فعلتها هذه وضع المنطقة في حالة
حرب دائمة تزيدها ويلات على
الويلات التي تعيشها أصلاً. مشروع
الشرق الأوسط الكبير كان البديل
الأمريكي لمعالجة المشاكل التي
تعيشها منطقة الشرق الأوسط،
وأرادت وضع هذا المشروع حيز
التنفيذ من خلال مداخلتها على
العراق أولاً، وبعض الدول التي هي
ضمن اللائحة الأمريكية ثانياً.
ولكن ما يبدو إلى الوقت الراهن
أنّ هذا المشروع لم يلاقِِ النجاح
الباهر الذي كانت تتمناه الولايات
المتحدة الأمريكية في فترة وجيزة،
بل زادت أزمتها تعقيداً وهولاً،
وزادت معها أزمة المنطقة أكثر من
السابق بكثير. لأن دمقرطة منطقة
الشرق الأوسط لا يمكن فرضها من
الأعلى ومن الخارج، لذا لم يلاقِ
المشروع الأمريكي الشرق أوسطي أي
ترحيب من قبل الشارع ومن قبل
الأنظمة المعنية بهذا التغيير قبل
كل شيء.
أي جهة أو قوة تفكر بمشروع تبحث
عبره عن النجاح وسط المعمعة
والحالة الضبابية التي تعيشها
منطقة الشرق الأوسط، عليها قبل كل
شيء أن تبدأ من القاعدة
الجماهيرية بحد ذاتها، وذلك عبر
بناء مؤسساتها المدنية التي
تخاطبها مباشرة، وأن تبحث وتنبش
بين ثنايا حالة اليأس التي تعيشها
هذه الشعوب لوضع الدواء الناجع،
للوصول بأقرب فرصة ممكنة دون
المناورة على الشعوب أو إدخالها
في دوامة لا يمكنها الخروج منها.
والمثال الذي نراه أمامنا هو
الحالة التي تعيشها الحكومة
التركية بشكل خاص وأنظمة الشرق
الأوسط عامة. فكافة الأنظمة تدور
في حلقة مفرغة بعقلية وأفق ضيق
مبني على إنكار الآخر وعدم
الاعتراف به وإلغاء الطرف الثاني
من معادلة الحياة. فسياسة الإنكار
والإمحاء التي تنتهجها الحكومة
التركية بحق الشعب الكردي،
وبالرغم من دخولنا القرن الحادي
والعشرين، لن تزيد المنطقة سوى
تعقيداً وأزمات خانقة، تكون فيها
الشعوب هي الضحية الأولى والأخيرة
فيها. فهاهي الحكومة التركية تنكر
حقوق الكرد، وهي على أبواب الدخول
للمنتدى الأوروبي، وتزيد من
وطأتها وعزلتها على السيد أوجلان،
بغية تصفيته وإنهائه، ليبقى لها
الحبل سائباً، وتتعامل مع القضية
الكردية وفق منظورها هي، بعيداً
عن أية معايير إنسانية وأخلاقية.
لكنها تتعامل بنفس الوقت
بازدواجية لا نظير لها من أجل
الدفاع عن المسلمين، وكأنها حاملة
الراية الإسلامية في المنطقة.
وبنفس الوقت تقوم على قمع أمة
بأكملها، وتصفيتها من كافة
الجوانب.
هذه العقلية الديمقراطية الرجعية،
التي تتعامل بها الحكومة التركية
مع الكرد، لن توصل الحكومة إلى ما
تريده أو تبغاه. بل ستزيد من
تفاقم حالة عدم الاستقرار في
تركيا بشكل خاص والمنطقة عموماً.
وإذا أرادت الحكومة التركية أن
تعمل على زرع الاستقرار في
المنطقة، عليها قبل كل شيء
الاعتراف بحقوق الكرد الشرعية،
والحوار مع السيد عبد الله أوجلان،
والذي يعتبر الممثل الشرعي للشعب
الكردستاني، وعدم التقرب من
القضية الكردية بشكل أمني
واستخباراتي، بل التقرب بشكل
سياسي وحقوقي. حينها فقط سيكون
لكل حادث حديث.
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع