Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 
بحوث ودراسات:

 فــي نقــد الســرد القومــي وحمولتــه الرمزيــة

خالد سليمان

في حديث لرئيس تحرير صحيفة النهار اللبنانية السيد غسان تويني حول التحول العراقي يؤكد الملك (عبدالله آل سعود) على الدور العربي القومي في مواجهة ما صار يسمى بـ(الثقافة الفيدرالية). ويشير بشكل صريح (الى بعض العبارات في المساجلات الكردية السنية والشيعية التي دخلت القاموس وكانت حتى اليوم موضع استغراب واستهجان).
يعبر الملك السعودي هنا كما يعلق السيد تويني عن حقيقة تلك المخاوف التي أحدثها التحول العراقي في عموم العالم العربي ،فعندما يشير إلى إستغراب وإستهجان الكثير من مفردات السجال العراقي حول الفيدرالية والإنتماء والعروبة، يعني ان هذه الأشياء كانت من ضمن المحرمات في الماضي .(النهار 5/أيلول /2005) نستنج هنا ومن خلال هذا التخوف من (ثقافة الفيدرالية)، ان البنية الفكرية السياسية التي يعتمدها نموذج الدولة العربي، ما زال مرهون بوعي كالح ولايرى في ثباته المتجدد سوى الحفاظ على الهوية القومية.
فطالما بقيت هذه الهوية في سياق آيديولوجية سردية، وترسخت في نسق يومي إذ يُغذيه الوعي الديني بالدرجة الأساس، يبقى الإستهجان، الإستدلال الآيديولوجي الأقوى في تحديد الرؤى. ذلك ان الهوية ذاتها ووفق معاييرها (القومية – الدينية) التي تستحوذ عليها الدولة، اصبحت ثقافة مؤسسة لنظم إقتصادية سياسية، يقتضي الإستغناء عنها أو تفكيك عناصرها المكونة من (اللغة والقومية والدين) اساساً، الإقتراب من التابو.
مفاد الفكر الإستيلادي للموروث القومي، في متنه الكاثوليكي وبمعناه السياسي، إستيضاح التاريخ عبر عدسات تكبير الحروف، وهو أيضاً، تصور للذات في المعادلات الداخلية والخارجية وفق سَرد رمزي يحاكي ولا يحاكى.

ولئن يتعدى السجال حول عراق ما بعد صدام إذ بقي حطامه أقوى من حيواته، النخب الثقافية العربية ويصل إلى مراكز القرار السياسية، تترتب على المرء مهمات صعبة في قراءة المشهد وامتداداته السلطوية والثقافية. لأن المُحرّم أو التابو السياسي في وعي هذه النخب يركن في الثابت، بينما السجال يتطلب مفاهيم التغيير أساساً وقد لا يخرج عن إطار (السفسطة) إن بقي سجالاً من أجل السجال.
على إمتداد كل تلك النقاشات التي تلت نهاية عصر (البعث)، يشكل
الإستهجان من السجال العراقي رغم طائفيته (المُعصرنة) إطاراً عاماً لفكر قومي إسلامي عربي يقتات من (الأصالة الماضوية) من جانب ومن عنف يومي لا يترك بين جثة وأُخرى مسافة من جانب آخر . وهو في عمقه فكر ماضوي يستلهم من عصر (إبن تيمية) مصادره الأرقى. وهذا لا ينفي بطبيعة الحال مصادر أُخرى تغذي الفكر ذاته منها (القومية المنتقاة) إذا صح التعبير.
فبينما عبّر الملك (عبدالله آل سعود) عن إستهجانه من مفردات السجال العراقي (الشيعي الكردي) بصراحة تامة، راح أهل الثقافة والفكر يطلقون صفات شتى على العراقيين المختلفين حول شكل دولتهم وهويتها السياسية.
والكُرد، بحكم هويتهم غير العربية وتطلعهم القومي، أخذوا حصة الأسد من هذه الصفات التي تتوزع بين (محاكاة الوعي الصهيوني، عملاء الامبريالية الأمريكية، إستضعاف العرب، إثارة نعرة الإنفصال، أشباح الإنفصال وألخ).
ويمكن القول ان جميع الأفكار العربية التي طرحت بشأن الفيدرالية العراقية وتولي الشيعة والكُرد الحكم في البلد، تفرّدت في جعل ذاتها البديل العربي للعراق ليس من باب دعم (التحول)، بل كرادع قومي بوجه إمكانية إنجاحه. لأن التغيير لم يخص إنهاء الدكتاتورية الصدامية فحسب، بل اشترط تغيير بيئة القرار السياسي في البلد ووضع الدولة المركزية التي طالما تسببت (بالمآسي المتكررة) للشعوب العراقية جانباً.
وأول ما ايقظ العروبة من سباتها التاريخي هو تفكيك المركزية وجعل اقليم كردستان مركزاً آخراً من الناحية السياسية والثقافية.
لذا تميزت المناقشة العربية العربية بقسوة لفظية تجاه ما حدث في (البلد العربي غير العربي)، ولم يتورع البعض عن النبش في التاريخ بغية إسترداد ما يمكن إسترداده من التصورات والمفردات لمواجهة (الآتي الكردي).
تحت عنوان (عروبة العراق في خطر) كتب سليم الكراي في صحيفة (العرب) الأُردنية قائلاً: (ان هذا الوضع الذى خلقته وثيقة مسودة الدستور يستدعى وقفة عربية حازمة لانقاذ العراق من مخاطر مستقبلية تهدده وتهدد وحدته وانسجامه وتماسكه.. فإن الخطر الكبير يكمن في تمرير هذه المسودة وبهذا الشكل ستتواصل بل ستتضاعف عوامل عدم الاستقرار فى العراق وسيتكرس انقسام العراق وتنفيذ ما تم التخطيط له منذ بداية انطلاق الحرب ضد العراق وهو تقسيمه الى ثلاث مناطق على الأقل.. منطقة فى الشمال تضم الأكراد، ومنطقة فى الجنوب تضم الشيعة ومنطقة فى الوسط تضم السنة.. وهكذا يتم التعاطي مع العراق على أساس طوائف وليس على أساس عرق عربي موحد، يحظى بالأغلبية فى البلاد..
ان هذا الأمر خطير، ليس على وحدة العراق وعلى الشعب العراقي فحسب، بل على كامل المنطقة).
هذا السَرد الوصفي للكاتب حول (عوربة العراق)، هو في الغالب الشكل الأنسب لجميع تلك التحليلات اليومية التي تغطي الصحافة العربية فيها على المفاهيم الأساسية، ولا تخرج بالتالي فكرة (عَورَبة) الواقع العراقي الفالت من الثابت وفق مشترك آيديولوجي بين العروبيين والإسلامييين واليساريين، ذلك أن التغيير الحاصل في العراق إذ أبعد دور النخب العسكرية والقومية في رسم شكل الدولة فيه، ما هو إلاّ تنكيل بالدولة المركزية وبالتالي بالعرب برأي هذه النخب.
وإذا أمعنّا النظر في صياغة الأفكار وأشكالها اللغوية التي تتضمنها تلك التحليلات والرؤى السياسية المتعلقة بالعراق، نستنتج انها تندرج في سياق سَردي ممل يُحَمَّل الواقع أكثر مما في طياته. وهي في إطارها العام وفي تفاصيلها أيضاً تعتمد الحكائية والعرض الإنتقائي للتاريخ، ورغم محاولة بعض من القوميين اليساريين (المتأوربين ثقافياً) منهم تحديداً، الولوج في ميكانيزم لغة حديثة نسبياً، يبقى التشبث بالتعبير المحمول للرموز القومية جامعاً بين الآيديولوجيات المختفلة والمتداخلة في آن.
وقد لايستغرب أي مراقب للأحداث والمتحولات بوجود (نادٍ عربي معتم)التقى فيه الشيوعي السوري والإسلامي الجزائري والقومي العربي والإخواني المصري او الأُردني و(القاعدي) العالمي، فجميع هذه الألوان التي تدّعي العداء فيما بينها تشترك في تأسيس وعي كالح للحالة العراقية.
نظراً لبيئته الغارقة في الاصولية الدينية والتخلف والأُمية، يعيد الوعي العربي اليومي (القومي) إنتاج صورته وفقاً لحركة الآخر ونواياه أو مغايرته (الهوياتية)، ومن توسيع ظاهرة التَعَولم إذ تقتضي التحرر من جميع صفات الأنا المتضخمة.
فبين الوعي المحاكاتي والبيئة ذاتها خصت العروبة لذاتها صفة (جامع الشمل) للهويات المختلفة وفقاً لرؤية فكرية آيديولوجية لم تفشل في مهمتها فحسب، بل أبعدت (الآخر) حتى عن توجهاتها الإنسانية. ذلك ان الثقافة
العربية التي أنتجت في سياقها التاريخي مفاهيم إنسانية وشارك في تأسيس مفردات خطابها غير العرب، افتقدت في عصر العروبة لبناء الثقة مع الغير. وكان المانع الأكبر لإظهار هوية غير (قاتلة) تجمع الكل في إطار حضاري هو ربط الإسلام الذي تعتنقه غالبية شعوب المنطقة بالعروبة.
واعتمد الوعي القومي في ذلك، بالإضافة إلى التجارب الأوروبية (الألمانية والإيطالية) ونسختهما التركية، تراث الكولونيالية الإسلامي إذ أسس المقدمات الأولية للوعي ذاته.
من هنا تكرس (القُدسي) كصفة ملازمة لهوية الأُمة واصبح في ذات الوقت معطفاً لشتاء الإستبداد. فلو لا هذا الدمج بين الدين والقومية، والذي نتجت عنه نكوصية عارضة لمفهوم (الأصالة) لامتحن الفكر القومي ذاته وفقاً لبيئته التاريخية والإجتماعية وتحرر بالتالي من شمولية كالحة تعاني منه حتى الآن.
في سياق ذات الخط السَردي لتاريخ القومية العربي كتب السياسي والكاتب اللبناني (سليم الحص) مقالاً طويلاً في صحيفة السفير البيروتية بتاريخ 17/09/2005 بعنوان (محنة العروبة مع بعض العرب)، ودافع فيه ليس عن عروبة العرب فحسب، بل عن عروبة الآخرين (الكُرد والأمازيغ والقوميات الأُخرى التي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).
من القراءة الأُولى لأفكار السيد (الحص) يكتشف المرء انه أمام عصر سَردي للذات القومية وتمثلاتها، ذلك ان الكاتب يقف بالضد من جميع نظريات علم الإناسة (الأنثروبولوجيا) والفوارق اللغوية والثقافية، ويعتبر (الآخر) جزءاً من الأُمة العربية.
بعد مقدمة حزينة عن العراق العروبي (وليس عن خلقه بالطبع ) يقول السيد الحص :
(العروبة لم تكن يوماً دمغة إثنية عنصرية. بين العرب من يتحدّر من أعراب الجزيرة العربية، وبينهم من يزعم تحدّره من أصول فينيقية أو أشورية أو آرامية أو طورانية، كما بينهم من يعرّفون أنفسهم بأنهم أكراد أو بربر أو أفارقة أو خلاف ذلك. هذه هي الأمة العربية في تعدديتها. ليس في الدنيا أمة لا تتسم بتعددية الأصول والألوان والمشارب. تعددية العرب لا تنتقص من كونهم أمة، ولا تنفي وجود رابط العروبة وبالتالي القومية العربية.
فالعروبة ما كانت يوماً، وليست هي اليوم، رابطاً إثنياً أو عرقياً. إنها تستوعب كل من يختار الانتماء إليها، سواء من أعراب الجزيرة أم ممن يخيّل إليهم أنهم متحدّرون من أصول فينيقية أو أشورية أو تركية، أو من يسمّون أنفسهم أكراداً أو بربراً أو أفارقة ولا نستثني الأرمن. العرب قوم، إذن العروبة قومية، العرب قوم متعددو المشارب، كذلك هم، وإن ربما بدرجات متفاوتة، الأميركان والفرنسيون والبريطانيون والألمان والروس وسواهم.
العروبة لم تكن يوماً، وليست هي اليوم، رابطاً إثنياً عنصرياً، بل هي رابط ثقافي تراثي تاريخي، معزز بلغة واحدة وثقافة مشتركة ومصالح آنية واستراتيجية متبادلة، وشعور بالمصير الواحد. في العراق أكراد كما في سوريا وفي لبنان.
وفي المغرب العربي بربر. وفي الجنوب العربي أفارقة. كلهم عرب، والعروبة تجمع بينهم. صلاح الدين الأيوبي من الأبطال العرب الذين تعتز الأمة بهم وتفاخر، ولو انه من أصل كردي. وكذلك هو طارق بن زياد ولو انه من أصول بربرية).
لا يخرج هذا النص عن إطار ثقافة السرد القومية ولا يملك صاحبه رغم تاريخه السياسي الطويل، رؤية واضحة عن أفكاره التي يطرحها حول العرب وثقافتهم ولا حتى عن الآخرين. وحديثه هنا عن القومية واللغة والاثنيات دون ربطها بالتاريخ وعلوم الإناسة (الانثروبولوجيا)، إنما يأتي في سياق حكائي صرف، وفيه، لا يمكن للمرء العثور على تلك (الرابطة الثقافية التراثية التاريخية) التي يريدها الكاتب كفكرة أساسية في دفاعه عن العروبة. ذلك انه ليس لديه كما يبدو فكرة عن اللغات الكردية والأمازيغية والآشورية والتركية، أو انه يمارس الكتابة كإنشاء في ظلام الآيديولوجيا والرموز. لأن جميع القوميات التي يذكرها والتي يخصها بالعروبة، ليست عربية ولاتتكلم العربية، ولو عاد السيد سليم الحص لدراسة التاريخ ولا نقول الانثروبولوجيا، لأدرك ان اللغة الكردية مثلاً هي من اللغات الهنودو-اوروبية وأنها قريبة من اللغات الفارسية والأُوردو والهندية، فكيف الإنتماء للعروبة.
قد يصعب على المرء الدخول إلى سجال مدرسي حول القومية والإنتماءات، ونحن في عالم متحول على أكتاف مُحرّكات (غوغل)، لكن مُحرّكات البحث عن المنقذ القومي، لا تزال تصنع العقول، ولازلنا نحن أبناء (الم القوميات المتضخمة المتخلف) نجلس حول مواقد شتاء الآيديولوجيا الطويل.
تستحوذ الرومانسية الرؤيوية هنا على الواقع من خلال لغة توهيمية يتخللها (الإيحاء) قبل أية معطيات واقعية وفكرية، (التناقضات المُنَسَّقَة) حول عروبة الأكراد والبربر في المقال المذكور يشوبها مفهوم الإنتماء الرمزي. وهي تناقضات جوهرية أساساً، لصقت بالعروبة وتاريخها كرغبة ذاتية هيمنت على نزعات القومية الطرفية أو قومية عالم الأطراف بالأحرى وأصبحت الإطار الرئيسي للحركات القومية في الشرق الأوسط.
إذاً ، للمعتقد الديني دور رئيسي في ترسيخ هذه (لقومية الطرفية) وتحميلها أبعاد قُدسية، ذلك انها ارتبطت منذ نشوءها بمنزلة دينية إجتماعية وبقيت بعيدة عن عالمها الخارجي.
وهذا لا ينفي كلامي السابق عن تأثير حركة (ركيا الفتاة) ورغبة محاكاتها في وعي النخب القومية العربية في العقدين الأخيرين في النصف الأول من القرن العشرين وهكذا تأثير التجارب الأوروبية (الألمانية والإيطالية) في تأسيس حركة القوميين العرب وحزب البعث، لكن اللقاء بين الوعي الديني والقومي على عتبة (التحرر المفترض)، والذي تمخض عن تاريخ إستيلادي للكولونيالية الدينية، أدى إلى نتائج سياسية كارثية إذ ربطت بين الآيديولوجيا والعقيدة الدينية.
في محاولتهم للدفاع عن مشروعهم القومي يحاول العروبيون التأكيد على ان العروبة هي: (رابطص ثقافي تراثي تاريخي، معزز بلغة واحدة وثقافة مشتركة) ولا يتورعون عن إستخدام (النظرية الإنتقائية) للتاريخ لإثبات ذلك.
ولو عدنا لمقال السيد سليم الحص نرى ان (القومية) تتولد ليس وفق الأصالة العرقية فحسب، بل حسب الأولوية التاريخية للأصالة تلك، ولا يبقي الإختلاف (الأُممي) بالتالي سوى إدعاءً أو إنحداراً غير سوي في التعريف (الهوياتي). ذلك انه يؤكد بأن (بين العرب من يتحدّر من أعراب الجزيرة العربية، وبينهم من يزعم تحدّره من أصول فينيقية أو أشورية أو آرامية أو طورانية، كما بينهم من يعرّفون أنفسهم بأنهم أكراد أو بربر أو أفارقة أو خلاف ذلك. هذه هي الأمة العربية في تعدديتها). وقد لا نبالغ إذا قلنا ان الفكر الذي يبني عليه السيد حص تنظيره التاريخي هذا حول العروبة، وفي عتمة الآيديولوجيا، يلتقي بمشروع حزب البعث إذ يقّر هذا الأخير بدوره وفي دستوره السياسي وجهة نظره حول الكُرد بالشكل التالي:
(طوال قرون عديدة كان الكرد مواطنون عرب مسلمون كغيرهم من العرب المسلمين لا يوجد اي فرق بينهم، عندما كانت البلاد العربية تشكل دولة او دولا عربية اسلامية، و في العصر الحديث كانت الدول الاستعمارية هي البادئة بايجاد الفروق وعوامل التمييز بين العرب والكرد، سواء باضطلاعها بمهمة التنقيب عن المميزات التاريخية واللغوية والعرقية للكرد، ليكون ذلك منطلقا للانقسام في بلدان المنطقة التي كانت هذه الدول تخطط لاستعمارها منذ القرن الماضي).
لقد نفى السيد (الحص) جميع النظريات التاريخية والانثروبولوجية حول الأُمم واختصر ثقافاتها في (مركنتيلية) عربية غير إقتصادية، او تاريخ رمزي لمقومات العروبة، وأصبح الجميع عرباً رغم إنحدارهم من ثقافات وعروق مختلفة.

 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE