|
تصدير الخوف
غسان المفلح
ما أن أقرت حكومة الولايات
المتحدة الأمريكية مساعدة
المعارضة السورية بمبلغ خمسة
مليون دولار : حتى استلت الأقلام
من محابرها , وأمتلأت المنابر
العربية برفض المساعدة واتهام كل
من يقبلها بالعمالة , وهذه
المساعدة هي لتجنيد معارضين وليس
من أجل المساهمة في تغيير السلطة
السورية !! بالتالي العمالة
محتومة لكل من تسول له نفسه
الأمارة بالسوء !! في قبول هذه
المساعدة أو التعاطي معها تحت أية
ذريعة من الذرائع , فقط مطلب
المعارضة السورية هو رفع الغطاء
الأمريكي عن النظام السوري ـ
المعلن !! أما المطلب الضمني
للمعارضة هو زيادة الضغط عليه أو
حتى تغييره لكن دون أن تلوث
المعارضة يديها بمصافحة الأمريكان
!! ليس هذا وحسب بل عاد إعلان
دمشق ليوضح نفسه بأنه معاد
للمشاريع الأمريكية الصهيونية
وسيقف في وجهها صفا واحدا سواء مع
السلطة أو بدونها !! وهذا ذكرني
في الأيام الخوالي عندما لم تكن
هذه المعارضات : لاترى في
المعارضات العربية الأخرى أنها
عميلة للسلطة السورية عندما كانت
تلتجأ هذه المعارضة إلى سوريا /
المعارضة العراقية مثالا .. وكانت
هذه المعارضة العراقية من دمشق هي
أيضا توقع على كل برتوكولات
مناهضة المشاريع الأمريكية
والصهيونية / المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية وحزب الدعوة
والحزب الشيوعي العراقي ..وكافة
التفريخات للمعارضة العراقية في
الخارج : كلها كانت ضد المشاريع
الأمريكية والصهيونية !!
ليس هذا موضوعنا الآن بل موضوعنا
أن المعارضة السورية لم تستطع إلا
أن ترفض هذه المساعدة وتعتبرها
استكمالا للمطامع الأمريكية في
سوريا , وبعضهم رآها أيضا :
أن أمريكا بهذه المساعدة إنما
تريد تشويه سمعة المعارضة السورية
!! ولماذا تريد تشويه هذه
المعارضة ؟ لكي لاتسقط هذا النظام
!! لهذا تريد من أمريكا فقط رفع
الغطاء عن هذا النظام !!
وكأن الغطاء لم يرفع بعد منذ أن
أخرجوه من لبنان !! وعلى فرض تم
رفع الغطاء عن النظام لتعطينا
المعارضة السورية ماهي تجسيدات
رؤيتها لرفع الغطاء عن النظام
وكيف يتم رفع الغطاء
ثم ماذا ستفعل المعارضة بعد ذلك ؟
ستفعل إعلان دمشق من جديد أم ستقف
ضد المخططات الأمريكية الصهيونية
؟!
السؤال المهم مرة أخرى كيف ستسقط
هذه المعارضة هذه السلطة ؟ لم يجب
عليه أحد !!؟
ما نريد قوله أن صاحب المخططات في
الهيمنة لا يمكن له أن يستجيب
لطلب المعارضة السورية برفع
الغطاء الدولي عن النظام السوري
دون أن يعرف موقف هذه المعارضة من
هذا الغطاء الدولي نفسه ؟ ماهو
موقف المعارضة السورية من هذا
الغطاء الدولي ؟ حتى أن بعض
رموزها بدأ يشتم فرنسا أيضا
واعتبرها أنها باتت ملحقة
بالسياسة الأمريكية !!
لم يعد خافيا على أحد أن أمريكا
فعلا صدرت الديمقراطية إلى العالم
وأول هذا العالم هو [ المنظومة
الاشتراكية السابقة والتي لولا
أمريكا لما جرى فيها هذا التحول
الكبير نحو الديمقراطية ]
وصدرتها إلى فلسطين ومصر ودول
الخليج ... وأسقطت صدام حسين
..ألا يكفي هذا ؟ ولا يعني مطلقا
أن الديمقراطية المصدرة ستخدم
أمريكا بالضرورة : العراق نموذجا
ربما يجعل من أمريكا أكبر خاسرة
في التاريخ المعاصر !! ونحن ماذا
صدرنا للعالم : تحول خوفنا إلى
عداء للآخر ولبعضنا ولأنفسنا
مفتتين طوائفا وأحزابا واستعدادا
للمذابح كما يجري في العراق الآن
.. وكي نعود إلى النقطة الجوهرية
:
أمريكا حاولت العمل على إسقاط
صدام مع المعارضة العراقية أكثر
من عشر سنوات سلميا سواء عن طريق
انقلاب عسكري أو عصيان مدني وفشلت
..فشلا ذريعا كل مراهنات بيل
كلينتون على هذا النوع من التغيير
لأن السلط العربية متماسكة عموما
هذا من جهة وفي سوريا والعراق /
متماسكة طائفيا أيضا وهذا يجعل من
عملية التغيير السلمي والمراهنة
على انقلاب أمرا على غاية من
الاستحالة .. ومع ذلك أمريكا
لازالت مصرة على اتباع نفس الطريق
: المراهنة على المعارضة والتغيير
السلمي . وإلا لماقدمت هذه
المساعدة المالية .
مزايدة تحيط بالشعب السوري من كل
حدب وصوب بين السلطة والمعارضة
على العداء للمجتمع الدولي على
الأقل علينا فالباطنية تحكمت
بسلوك المعارضة تأثرا بباطنية هذه
السلطة !!
ومع ذلك لاتقبل هذه المعارضة
المساعدة الأمريكية هي حرة في ذلك
وموقف وطني وأخلاقي تشكر عليه
ولكن ليس على أرضية الخطاب
السلطوي !!
وبت أعتقد أن هذه المعارضة باتت
تخاف الديمقراطية لأنها أي هذه
الديمقراطية ستثبت بالملموس أن
هذه المعارضة وخصوصا اليساري
والقومي منها / والذي يحتل مع
السلطة مساحة الدلالة الرمزية
للتصدي للمشاريع الأمريكية
الصهيونية / لن تفلح في النجاح
في أي انتخابات حرة ونزيهة
!!وبالملموس من سينجح هم تجار
دمشق وحلب وأعيان الريف والمشايخ
ربما الطرف الوحيد القادر على ألا
يخاف من الديمقراطية هم :
جماعة الأخوان المسلمين من جهة ,
ورموز السلطة الذين ربما إذا تسنى
لهم الانقلاب على هذه السلطة
ونجحوا أن يأخذوا إلى النجاح
طريقا في أية انتخابات ديمقراطية
.
وسأعطي مثالا :
التجمع الوطني الديمقراطي بأحزابه
الخمسة [ عشر ] أقصد الخمسة !!!
هو أكثر من يدرك أن المساحة التي
يحتلها أمام المجتمع الدولي كطرف
معارض يعود الفضل فيها لعوامل ليس
لها علاقة بقوة هذا التجمع في
الشارع السوري .. ولسنا بصدد
الحديث عن هذه العوامل الآن .!
لنخرج من عباءة هذا الخطاب الذي
سيعيق التحول الديمقراطي في سوريا
ونرحب بالمساعدة الأمريكية دون أن
نأخذها بالمعنى المادي .. ولانفعل
كما تم أيام المرحوم صدام حسين !!
نأخذها بالسر كي لاتسمى علينا !!!
وأنا بشكل واضح ولو كنت في حزبا
سياسيا :
وشعرت أن هذه المساعدة تخدم نضالي
الديمقراطي السلمي لأخذتها علنا
وعلى رؤوس الأشهاد .
مع أدراكي أن السلطة تنتظر هذا
المطب لأي حزب سياسي سيأخذ هذه
المساعدة كي تحاكمه أمام محكمة
أمن الدولة العليا وبالأعدام ..
ومن هذا المنطلق ربما أفكر بعدم
قبولها فقط بسبب الخوف من السلطة
ولكن لا أدخل في المزايدة وفي نفس
مساحة الخطاب السلطوي بل أشكر
الشعب الأمريكي على تقديمه هذه
المساعدة لأن السيدة رايس تمثل
الشعب الأمريكي وتدفع المساعدة
ليس من جيبها الخاص بل من أموال
دافعي الضرائب الأمريكيين .
والسؤال الأخير هل المعارضات في
البلدان الاشتراكية التي تشكلت
لاحقا أبان موجة السقوط الحر
للأنظمة الشمولية ما عدا التشيك
هي معارضات تابعة لأمريكا ؟ أم
أنها تنفذ أجندتها الخاصة التي
تتقاطع أو لاتتقاطع مع السياسة
الأمريكية .
لنجعل مساحة الحركة للمعارضة
السورية أكبر من ثوابت التجمع
الوطني الديمقراطي وحزب العمل
الشيوعي ..الخ
|