Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 
شاهد عيان على 12 آذار القامشلاوي

سيامند إبراهيم*

عندما كان الأسطول الأسباني الضخم الذي سموه "آرامادا" يتأهب لغزو الأراضي البريطانية سنة( 1588), دك الأسطول البريطاني الأسطول الأسباني العظيم "أرمادا", وجعله حطاماً يترحم عليه الأسبان, في هذه الأثناء, أصاب الخوف والهلع الشعب البريطاني وفي هذه الأثناء ولد الكاتب (توماس هوبز) الذي قال عن نفسه: " لقد وضعت والدتي تؤمين "أنا والخوف" لقد أرجع(هوبز) هذا الحدث عندما اتسم عامل الخوف بنفسه, فإنني وجدت نفسي في الموقف ذاته الهلع والخوف الحقيقي في ذاك اليوم الآذاري, إنني لا أحب المبالغة و التهويل في رواية الحدث, لأن الأحداث صورت خلسة وعرضت على قنوات فضائية عربية وكردية, لحظات لا تغيب قيد أنملة عن بالك, يقف قلبك, تتنهد تزداد ضربات قلبك, يصيبك الدوار, لحظات آذارية لا تبارح مخيلتك, لازالت الأحداث ماثلة أمام ناظريك, تقف لحظات مندهشا كيف أُمرت تلك البنادق الأتوماتيكية لتصوب نحوك, لا تصدق ما تراه عيناك أين نحن, ومن نحن؟ ومن هؤلاء وكيف أصبحوا في هستيريا ملعونة, تصب جام غضبها وحقدها الشوفيني السلطوي الدفين بهذا الشكل الوحشي؟! وكيف يركزون رصاصهم الحي بشكل مركز على صدور شباب قامشلو.. قامت الأجهزة الشمولية بواجبها على خير وجه, وقامت أجهزة الاعلام ببث سمومها وتلفيقاتها المتخبطة في كل شيء, فن الخبر وتوليفه يعتبر العلامة التجارية الفارقة بامتياز, العنف الشديد أصبح هو وسام أجهزة القمع للسلطات الأمنية, هذه هي أخلاق وسلوكيات الجلاد الشمولي في سورية, السلطة المتعطشة لكل شيء, فعلت فعلتها الخبيثة في كل شيء اسمه الخراب, القمع, استلاب كرامة الإنسان, هتك الأعراض, أصبحت الصفة الملازمة للسلطات السورية, في آذار أصاب المجتمع السوري المتعدد الأطياف شرخ كبير, آذار أصبح في تاريخنا الكردي وشماً اتسم بالتراجيدية السوداء بامتياز.
تذكرت هذه المقولة التاريخية لهذا الكاتب العظيم والأحداث الجسام التي عاشها الشعب البريطاني, وأستذكر(12) آذار القامشلاوي, ذاك التنين الأغبر ينفث حمماً وناراً تلتف وتنقض على وجوه ملائكيةٍ كانت تحلم بآذار يتألقون فيه مع شقائق النعمان في إشراقات الصباحات المغردة, ينقض بمخالبه على كيان مدينة الحب, مدينة الفسيفساء الجميل, لاشيء يؤرق هذه المدينة الهادئة الحالمة بصمتها الحنون, سوى دن الاكفهرار, اكفهرار مسد وجه (جغجغ الحالم) بآلام سرمدية, وأخذت بي الذاكرة إلى الحدث الأذاري القامشلاوي, أجل كانت خطواتي تسبقني سباق رياح الشمال, التي تلامس البراعم الآذارية بحنو النسيم الذي يمسد وجوه الفتيان بعطر القرنفل, يصل إلى شغاف القلب تنتشي بها الروح فتجعل النفس مزهوة, تتألق ترتفع الهامات لمدينة وسمت بمدينة العشق, العشق الثنائي الكردي, الخمري اللون طوال السنة, كيف حدث هذا اليوم ونقش في صفحة القلب, وأصبح وشماً أبدياً لا يفارق الروح والجسد, يلامس خلايا الكينونة المستديمة للكردي الأذاري, حيث طبع آذار على جبين الكردي!!
تاريخ تراجيدي مسطر في كل جهات الروح الكردية, بحيث ضاقت صفحة تقويم الشهر الأذاري, يلاحقه حتى في منامه, يؤرقه ويشده نحو الجبال التي حمت هذا العنفوان الكردي الخشن, والذي تعامل مع كل هذه الكينونات متحدياً نائبات الدهور المدمرة حيث الطوفان القاتم يقتحم جوز آذار فلا يستطيع العلو مهما طالت الهامات, إنه آذار الكردي التراجيدي بامتياز, هو مسكون بشق آذار الذي يقذف خلفه السبات الشتوي المكفهر اكفهرار الزمن الموحش للكردي الآذاري.
لكن في هذا اليوم أصبح آذار الكردي دماً قانياً, ياقوتاً أحمراً يتأرجح باندهاش حيث غابت هنا شقائق النعمان, ليبرز الأحمر التراجيدي الآذاري الكردي, لم تصدق عيناي وأنا أقترب من الحدث الآذاري كشاهد عيان في معمعة( 12) آذار كيف؟ , فإنني وجدت نفسي في هلع وخوف حقيقي في ذاك اليوم الآذاري, لم أكترث لسيارة الإسعاف التي كانت تشق طريقها بين الجموع المحتشدة المذهولة لما بدأ يحدث للوهلة الأولى, أذكر تماماً يوم ولجت القامشلي
قبل سنوات خلت أقبل جبين كل شارع, أستمتع برؤية أجمل فتيات الدنيا هنا, تمل الأسواق والحديقة اليتمية من وقع خطاي وأنا أتلذذ بسماع لغة الجزيري والخاني وفقي طيران, سئمت من دمشق قلب العروبة الراصوري, لكن في (12) آذار فُتح حصان طروادة البعثي القمعي بانتظار الخروج نحو الشباب المجرد من كل شيء إلا الحلم بالخلاص من هذا الحصان الطروادي الذي هاج وماج يتصيد بالبنادق الأرواح والأجساد الغضة كأعواد الريحان, يطبق ببراثنه السوداوين على رقاب الوعول الجبلية, يبدوا أن قانون شريعة الغاب تحكمنا, غير آبهةٍ لأي اعتبار, رشقات لا منتهية من البنادق تنهمر علينا كشباط الأسوَدْ,
جبهة الوطن فتحت ضد أبناءه, صليل سيوف البعث أحيت في آذار كرامة الدولة والأمة, لا نشيد سواك من المحيط إلى الخليج, أسطورة الوهم تنتشي بها ليل نهار يا نشيد الإنشاد المكفهر في جبل (أُحد), ستكون الغنائم مضاعفة يا نشيد الهزائم العروبية, قلت لكم: أدخل في هذا اليوم الآذاري وأكون شاهداً على الكرم الحاتمي في لف الشباب الكردي بإزار الردى, ساعة دلفت نحو أرض الملعب ورأيت جموع جمهورية الصحراويين, يعبثون بكل شيء, بأم عيني رأيت مدية (أبو جهل) في يدي أحدهم يلبس طقماً بنياً, أكياس سوداء فيها حجارة سوداء تنتظر الرمي نحو الجمهور القامشلاوي المسالم, اتجهت نحو جنوب الملعب, فرأيت الرماح القصيرة مخبأة تحت الستر الرياضية, صورة الدكتاتور البائد المهزوم (صدام ) تزهو وتختال بجيش القدس الذي حرر كل شيء, وبقي تحرير قامشلو من أبناء الجن, بدأت تسطير الملاحم العربية تزداد تألقاً في خضم التاريخ, الشيزوفينيا العروبية هاجت وماجت بامتياز في القامشلي, تألق حاتم الطائي بتوزيع الرصاص المطاطي في البداية يزغرد فرحاً بانتصار النسر العروبي, في ميادين البطولة, ثم تحول الرصاص إلى خارق متفجر, وأخذ يُصوب إلى الجهات الأربع غير آبه لشيء, لكن لم ينتصر الرصاص على الحجر المنشق من قبضة فولاذية, تعرف طريق التسديد بامتياز في جبهة المقارعة اللامتكافئة, وحده الخارق المتفجر هو قلب العروبة النابض الذي دخل القامشلي وساح باحثاً عن الفرائس الكردية يقهقه في حمم الأتون موزعاً صليل قبلاته الفردوسية نحو صدور الشباب.
بين هرج ومرج وكر وفر تصبح المواجهات أشبه بتلك التي نراها في الساحة الفلسطينية, لكن اللغة المقموعة تختلف بلسانها القامشلاوي بعكس اللسان الغزاوي الذي يأخذ مساراً مغايراً في كل شيء, لكن ثمة خيط واحد مشدود يلتف هنا نحو الفتيان على عدد أكثر في إسعافهم نحو المشافي التي أصبحت تبلع الأحمر القاني وتوسده غيماً أسوداً مكللا بأريج هفا نحو شبق يبتلع المزيد من الأجساد الغضة.
بئساً لهذا البارود الذي صار يلعلع في ال( 12) آذار ونال جائزة الأوسكار ليس من هوليود, لكن
الجائزة لأحسن فلم طبخ في فلوجة الإرهاب, فلوجة مطية الزرقاوي اللعين, وبقايا البعث الصدامي, وطبخ في مطبخ العنصرية في دمشق, أبطالها ساديون مخابراتيون نالوا المكافئات الهوليودية بامتياز يضاف إلى أوسمة القمع التي أصبحت جزءً من ثقافة العروبة.
أرواح تحصد في مدينة العشق, تسرع الساعات في اجتياز عقاربها بسرعة البرق, تقف الثواني مدهوشة ليس على زمنها اللامفيد في هذا الزمن الموحش, اختفت دورة الزمان هبط الليل وأمست قامشلو ككتلة نارية سوداء, كعجوز تلتحف في أديم الأرض عناكب سوداء تخرج من طمي السواد!! يا لهذا التكوين المتشح بالخراب, كم من الضحايا حُصدت في هذا الآذار التراجيدي, صار ليل المدينة أشد حلكة أصبح مسربلاً بأثواب الضياع على هذا الحقد الدفين وراحت ثلاث مصفحات خرجت من بين تلك الأشجار و الأبنية المغلقة على أنفسها, هناك كان يخطط لكل شيء, جاءت لتلتهم في طريقها كل شيء, جاءت لتشرب نخب الدم القاني المبروك, غير آبهةٍ لشيء, انبطحنا على الإسفلت وزحفنا نحو قبو مواجه لجامع زين العابدين, لا تتوقف دورة الرصاص الذي يصم الآذان, لاشيء يخسرونه, ابتعدت الآليات العسكرية استجمعت قواي المنهكة, بلعت ريقي الجاف, لاماء تروي به ظمأك من أين تأتي بالماء, اتجهت إلى منزل أختي, فجأة انشقت الأرض وخرج ضابط ضخم الجثة قال لي ماذا تفعل هنا؟
فقلت له إنني صحفي رياضي؟
وين هويتك الرياضية؟
هاهي هويتي التي انتمي بها إلى نادي الجهاد
نظر فيها ملياً ودقق في الاسم الغريب لهذا الصحفي,
هيا انقلع بسرعة إلى بيتك قبل ما ندوس رأسك...
لملمت نفسي ولا أعرف كيف كنت في هرولتي أسابق الرياح الشباطية, في الطريق, رأيت جثتان لشخصين, مواجه سجن الأحداث, كانوا منتهين بلا حراك أو صراخ’ لو سمعت صراخاً لذهبت لإسعافهم, لكن هم منتهيين. ابتعدت عن المنطقة العسكرية, ووصلت متأخراً إلى بيت أختي, ومنذ (2004)وإلى الآن لازالت الغيمة السوداء ترفرف على سماء قامشلو ولازالوا يعاملون أبناء الجن بتلك القسوة اللامنتهية. وستبقى قامشلو مدينة للحب والتآخي وسينفجر الدن الأسود من لدنه.


-----------------------------------------------------------------------------
*رئيس تحرير مجلة آسو الثقافية الكردية السورية الممنوعة في سورية.
*عضو نقابة الصحافيين في كردستان العراق.
siyamend02@ yahoo.com*
mazidax@hotmail.com*


 

 




 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE