Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 
جريمة في دمشق...شاهد عيان

هوشنك أوسي

خاتمةُ الأسبوع، جامعُ أيامه. لكن، الجمعة الأولى من هذا الآذار، كان يتَّكئ على يومين اثنين، تاركاً ثلثي أيام أسبوعهِ لشباطَ المارقِ توَّاً. الجمعة الأولى من آذار، صادفَ ثالثَ أيام الشَّهر الثَّالث. يومٌ رائقُ المزاج، مُشمس، مُنعش، مُنتعِش، بقُبَّةٍ ناصعةِ الزُّرقة، نابضٌ بالدفء. يومٌ صاغهُ آذار من صُلبِ بدائعهِ الربيعيةِ المتلألئةِ، الضَّاجةِ بترفِ الألوان.
سِربُ حمائمٍ كردياتٍ يمشينَ الهوينى على رصيفِ حيٍّ دمشقيٍّ راقٍ "مشروع دمَّر"، متَّجهاتٍ لمدرستهن، تلبيةُ لأمرٍ مدرِّستهن، بضرورة حضور اجتماع لـ"شبيبة الثُّورة"، في يومٍ توصدُ فيه أبواب المدارس. يمشينَ بغنجٍ ودلالٍ باذخ، يغري النَّهار بالتخلِّي عن اتزانهِ ووقارهِ. صبايا صغيراتٍ، بعمرِ اكتمالِ دورة القمرِ، بدأت كنوزهنَّ تتكوَّرُ توَّاً، مع بدءِ الدَّمِ دورانهُ وتلألؤهُ في عروقِ أنوثتهن، معلناً اقترابَ النُّضوجِ من مهرجانه. يتراشقنَ بالمُزاحِ وكلامِ المُراهقاتِ، في تبارٍ مبرِّحٍ، بغيةَ إظهارِ، إياهنَ أكثرُ براعةً في جعلِ جسدها يترجرج أثناءَ السِّيرِ، للفتِ العيونِ المارِّةِ بهن. رائحةُ أنوثةِ بريئةٍ شقيَّة فتيَّةٍ تفوحُ من ظلالهنِ المتعانقة المتراقصةِ، اللاَّعقةِ بلاطَ الرَّصيفِ المشدوه الذي أعياهُ حُمَّى النَّظر إليهم. وإذ بسيارةٍ تحملُ أرقاماً توحي أنها مملوكةٌ للدولة، تفاجئ الصَّبايا الكرديات، يقودها شابَّان عربيان، الأول بالغٌ راشد، والثَّاني مراهقٌ حَدَث. بدأ سائقُ السَّيارةِ يتحرَّشُ بالنبات، في محاولاتٍ مستميةٍ لإقناعهن، أو إحداهن، بالرُّكوب معه، دون جدوى. دبَّ الخوفُ والرُّعبُ في مفاصلِ البنات، ولم يعدًنَ يعرفنَ كيف يتخلَّصن منه. بدأنَ يسرعنَ في المشي، بغية الفكاك منه، دون جدوى. حاولت إحداهنَّ توبيخهُ، لردعهِ، فشتمها السَّائق. فما كان بها إلا أن بصقت في وجهه. حينئذ، اتقد الشَّاب حقداً وكرهاً، وأدارَ مِقودَ السَّيارة، وبدأت العجلاتُ تصدر صريراً عالياً مرعباً، أثناءَ حفَّها لإسفلتِ الشَّارع. وإذ بالسَّيارةِ تعلو الرَّصيفَ ملاحقاً البناتِ لدهسهن. واستطاع سائقُ الموت أن يزهقَ روحَ التي بصقت عليهِ في الحال، بعد سحق جسدها دهساً، وأدخلَ شيقيتها التي كانت معها، المستشفى، بين الحياة والموت. واستطاعَ إصابة الأخريات برضوض وهلع ورعب، وهنَّ يرينَ بأعينهن كيف تغرقُ صديقتهن في دمائها. لاذَ الدَّاهسُ المجرمُ بالفرار، وبقي الحَدَثُ مشدوهاً لهول ما جرى، فلتمَّ عليهِ شبابُ الحيِّ والمارَّة، وأوسعوهُ ضرباً، إلى أن أنقذهُ رجالُ الشرطةِ والمطافئ من بين يدي الغاضبين.

قيل: إنَّ سائق السَّيارة هو ابن ضابط كبير. وقيل: إمَّا أنَّه ابن مسؤول أو ابن موظَّف كبير. لكن، ما تأكَّد، إنَّ من كان يقود السَّيارة، هو الشَّاب "الرَّاشد"، وابن صاحبها. لم أكنْ أدري شيئاً عن الجريمة، إلا في ليلةِ يومها، بعد زيارتي لحيِّ "زورافا" المنكوب المفجوعِ بمصاب أحدِ قاطنيه. الكردي، والد القتيلة والجريحة الشقيقتين.

حالَ نزولي من حافلةِ نقل الرُّكَّاب الصغيرة، السِّرفيس، تلقفني صاحبي بوجهٍ واجمٍ كئيب، يقطرُ إرهاقاً وتعباً، من على باب الحافلة، أثناءَ نزولي منها مباشرةً. بادرتُهُ بالاستفسار عن حقيقةِ تواجدِ هذهِ الجمهرةِ المحتشدةِ من سكان الحيِّ هنا، فسَرَدَ عليَّ بعضاً من تفاصيل الجريمة، ذاكراً، إنَّ نِصفَ هذا الجمعُ الغفير في المقبرة، وهنالك الكثير موجودون في باب مستشفى "المواساة" حيثُ مازالَ الجثمانُ ينتظرُ الطبيبَ الشَّرعيِّ وقاضي التحقيق، منذُ الصَّباح. وهؤلاء الرِّجال والشَّباب ينتظرون الجثمان. وكما ترى، الاحتقانُ والغليان على وشكِ الانقضاض على المشهد، والأعصابُ مشدودةٌ لأوجِ توترها، تنتظرُ الشَّرارة. هل من المعقول أن يكون مستشفى طويل عريض، يستقبل يومياً عشراتِ الحالاتِ كهذه، أن يكون خالياً من طبيب شرعي...!!؟. وهل يُعقل أن يتأخَّر قاضي التحقيق لهذه المدَّة...!!؟. أعتقد أنَّ تأخُّر مجيء الجثمان، مقصود ومتعمدَّ، الهدف من ورائه امتصاصُ غضبُ وفورةُ أهالي الحيِّ الذين لهم صيت في التمرُّ والعصيان، خاصة بعد انتفاضة 12 آذار العام قبل الفائت. وبالتأكيد هنالك مساعٍ ومحاولاتٍ لإقناع أو إجبار والدِ الفتاتين أن يُسقِطَ دعوته، وتقيَّدُ الجريمة، كمثيلاتها، قضاءاً وقدراً، وصولاً للفلفةِ الموضوع، تحت طائلة العقاب الأشدِّ من هذا القضاء والقدر. فأجبتُ صاحبي: إنْ ظهر أنَّ هنالك ضغط على الرجل، أو ظهر تلاعبٌ بضبطِ الشُّرطة، فهذا يعني إنَّ الجريمة قد ارتكبت من جديد، وبان تورَّط واشتراك جهات من الدولة فيها. وهنا، ينبغي أن تُترَكَ هذه الجماهير تقول كلمتها كما تشاء.
قال صديقي: قد يتأخَّر مجيء الجثمان، ما رأيك في التوجُّه إلى بيت قريب من هنا. فأجبت: لا بأس، قل لأحد الشَّباب أن يبلغنا حال وصول الجثمان، كي نكون مع الجماهير ونشارك في مراسيم الدَّفن، ونتابع إلى أين يتَّجه المشهد.
اتجهنا لمنزل قريب، وبعد فترة وجيزة، أبلغونا بوصول الجثمان، فهممنا بالخروج، واتجهنا نحو بوابة الجامع. قال صديقي، وهو شاعر كردي، لو تعلم يا صاح، مدى فقر وفاقة وعوز والد القتيلة. إنهُ معدوم، يسكن في بيت صغير للإيجار، ويعمل يوماً، ويبقى عشرة، عاطلاً عن العمل. وإذ بمنادٍ ينادي: "رحمَ الله والد من تصدَّق، وقدَّمَ شيئاً لهذا الفقير المفجوع...". فازدادَ اعتصارُ قلبي حزناً وأساً على الرجل. قلتُ لصاحبي: ممتاز، هذه الخطوة في محلها. فقال: هذا طقس من طقوس الحارة. أخرجتُ محفظتي، ونظرت لما يوجد فيها من نقود، لم أجد سوى 250 ليرة، أعطيت للمنادي الـ200 وتركت الباقي لي، أجرةَ وصولي لبيتي.
بدأ الحزنُ يُثقِلُ عليَّ ألماً. حاولت أن أتبادلَ أطراف حديث جانبي مع صديق آخر، وهو قاص كردي، عن شجون وسجون الأدب، والنشر والتواصل الإلكتروني، كي أخفف عن نفسي، لكن، عبث. وزاد وصول النعش مصحوباً بنواحٍ وعويلٍ يمزِّق أنياطُ القلب، من هيجاني. أُخرِجَ النعشُ من الجامعِ بعد أن صُولِّيَّ عليه، بزغاريدِ النُّسوةِ وعويلهن المتعالي الذي جعلَ الليلَ أكثرَ اختناقاً وكآبةً، وزادَ من القشعريرة في بدني، والغصَّة في حلقي. كنت أودُّ أن أشقَّ السَّماء بكاءاً، لكن... بدأت الجموعُ تلحقُ بالسِّيارة التي تحمل النعش إلى المقبرة، كأنه موكبُ عروسٍ في ليلة زفافها.

"زورافا"، هذا الحيُّ الكردي الثَّاني في دمشق، بعد حيِّ الأكراد في ركن الدِّين. ومعنى، الاسم الكردي لهذا الحي بالعربية: العمارة التي تمَّ بناؤها بشقِّ النَّفس. هذا الحيُّ، مصنَّفٌ ومقيَّدٌ في دفاترِ حاصلي علومِ العمارة الموالية، ضمنَ تقديرات هندسةِ العمارةِ المارقةِ العشوائية. ووفق تحصيل فقهاءِ الضَّادِ من أهلِ التصفيق والتلفيق، سُميَ هذا الحيُّ بـ"وادي المشاريع". حيُّ في قعر وادي، تقودهُ فوضى البناء، المنقادة لعزائمِ السَّواعدِ التي أعلت صروحَ الاسمنتِ في جنوبهِ أبراجاً من البيوت المرتَّبة. وفي شمالهُ، أعلت قصراً من قصورِ الرئاسة. هذه السَّواعد التي بنت فخامةَ الحيِّ الذي يقتل أبناءُهُ المدلَّلين بناتِ تلكَ السَّواعد. هذه السَّواعد بنت قصراً منيفاً، سُمِّيَ وفق علومِ ونباهةِ طهاةِ البلاغاتِ العصماءِ للسُّلطةِ العصامية العصماءِ، بـ"قصر الشَّعب"، وهو أبعد ما يكون عن تخومِ الشَّعب. وفي لوائحِ الرَّجاحةِ الصِّلصالية المنزَّهة، التي بايعت ووكَّلت ونصَّبت وفاوضت نفسها على تدبير أقدار الخلائقِ في هذا البلد، منتحلةً هيئة الآبدِ المؤبَّدِ، الخالدِ المُخلَّد؛ في هذه اللوائح، كل ما في هذا البلد هو برسم الشَّعب. " الدَّولة، البرلمان، الحكومة، الجيش، (الديمقراطية، الإعلام)، قصر الرِّئاسة، معلب الرياضة، صالات الأفراح، المعاهد، المراكز، الجسور، الطرق، المدارس، الحارات، الحدائق، المخابز، المطاعم...الخ"، كل هذا هو يحمل اسم الشَّعب، وهو برسم ممتلكاتِ الشَّعب الغائبِ المُغيَّب. ولسخريةِ الأقدار البائدةِ الآبدة، إنَّ مقبرة حي "زورافا" تقع ضمن نطاقِ الحديدِ الشائك الذي يُسيِّجُ ويُسوِّرُ "قصر الشعب". وكي يُسنحَ لبناةِ القصرِ من الشعبِ القاطنين في الحيِّ، أن يدفنوا موتاهم في المقبرة، لا مناص من نيل موافقة أمنية من أمن "قصر الشَّعب". ويبدو أن الجموع قد حصلت على تصريح الدفن، وبدأن النعشُ المحمولُ على الأكتافُ يجتاز الأسلاك الشائكةِ المحاطةِ بالمقبرةِ والقصر معاً. فرفع صديقي الأسلاك كي أعبرَ من تحتها، حتى نلحقَ بالجمعِ العفيرِ. كان الليلُ كبيساً كئيباً خانقاً، لم تغيّرْهُ نفحاتُ الرِّيحِ الباردةِ التيِ كانت تنعرهُ بغتةً. وتمَّ تسليمُ التُّرابِ المقتولِ المغدورِ إلى عتمةِ التُّرابِ الرَّهينِ الحبيس. لم أكترثْ لخطبةِ شيخٍ في الجموعُ الغاضبةِ مهدِّئاً من روعهم واحتقانهم. فقط، شدَّني أكثر، منظرُ قبور الشَّعبِ المسيَّجةِ ببراعةِ أنيابِ الحديدِ. وجالَ في خاطري أمورٌ وأمور: الشَّعبُ في "دولة الشَّعب"، إمَّا مسجونٌ أو منفيٌّ أو مكتومٌ أو مخصيٌّ. من حقِّ الشَّعبِ أن يقترب من "قصر الشعب" ميتاً. الموتى من الشَّعب، هم الأقرب إلى "قصر الشَّعب" من الأحياءِ. خيرُ المواطنين في "دولة الشَّعب"، هو الميّت؛ وخيرُ المقابرِ فيها، هي المسيَّجةِ بالأسلاك الشَّائكة، وكأنَّ قبور الموتى هي ألغام موقوتة أو أخطر...!!!؟.

دمشق _ 4/3/2006
 







 

 




 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE