ان الاقرار الواضح والصريح بحق
تقرير مصير الشعب الكوردي ما زال
وسيظل الى امد اخر غير منظور
قابعا في المكان الاكثر ظلاما في
الظل الرمادي للعقل العروبي
الاسلامي ، العقل العروبي الذي
فرخ مؤخرا الاسلام السياسي ، كي
يسهل عليه الاستمرار في الاستحواذ
على مصائر الشعوب التي اعتنقت
الاسلام وجعلها راضخة لاوهامه
ومشاريعه الظلامية .
ولذلك نرى ان الانظمة العربية
قاطبة وبدون اي استثناء ، واقعة
تحت تأثيرات هذا الفكر المتخلف ،
وانها تمارس عمليا اخلاقيات
واتجاهات تيارات الاسلام السياسي
بل وتساعدها ماديا ومعنويا ، على
الرغم من ان بعض تلك الانظمة تدعي
انها تحارب الاتجاهات الارهابية
في منطقة الشرق الاوسط وتعلن عن
اشتباكات محلية هنا وهناك مع بعض
من فرختهم بنفسها ، هذه الاتجاهات
التي لم تنم ولم تزدهر الا في
مستنقع تلك الانظمة التي رعاها
وقدم لها الدعم الكامل تحت مسميات
وعناوين متهرئة .
والدليل الاكثر وضوحا لذلك السلوك
المشين لتلك الانظمة العربية هو
انها لحد الان تعادي اي حديث عن
ضرورات التغيير الديمقراطي
والاهتمام بحقوق الانسان ومفاهيم
الحرية والتقدم ، لآن كل هذه
المفاهيم خارجة عن المفهوم الفاشي
ل(العروبة) الذي يشترك في الترويج
له كل الاحزاب والمنظمات العربية
( ومنها الكثير من اليسار العربي
ايضا) بصورة وبأخرى. ولكن كي نكون
منصفين نرى ان رياح التغيير ، على
الرغم من كل التحجر الموجود في ما
يسمى ب (العالم العربي) الا انها
استطاعت ان تفرز نماذج متقدمة
عربية استوعبت حقائق الواقع ،
وهذا الانجاز على الرغم من
محدوديته يعتبر تقدما ملموسا قد
ينفذ الى البنية الصلبة للفكر
العروبي المتخلف الذي يرهن في
اساره اكثر من مائتي مليون انسان
عربي.
وقد تحدث لي صديق انه عندما كان
في سوريا ، كان يتسوق من محل كان
صاحبه يضع الكوفية العقال العربي
على رأسه ، الا انه لاحظ ان الرجل
يتحدث مع اولاده الذين كانوا
يساعدونه في المحل باللغة
التركمانية ، فسأله صديقنا : انتم
تتحدثون باللغة التركمانية اليس
كذلك ؟ فقال له صاحب المحل : نحن
من سكان قرى الجولان المحتل ، كنا
تركمانا ولكن الان بفضل السيد
الرئيس نحن عرب والحمد لله!!
وأذا تجرأ احد الان وقال ان سكان
الجولان تركمان ، فبالتأكيد ان لم
يذبح فأنه على الاقل سيرى ما لا
يحمد عقباه على ايدي النظام
العربي وليس السوري وحده. فكيف
بأكثر من مليوني كوردي يعيشون على
ارض ابائهم واجدادهم الكورد في ما
يسمى الان ب (الشمال السوري) ،
وقد فرضت عليهم عنوة هوية (
المواطن العربي السوري ) واكثر
عجائزهم لا يكادون ان ينطقوا جملة
باللغة العربية.
بالتأكيد ان العرب امة لها
تاريخها وانها امة كبيرة ولها لغة
جميلة و حية ، ولكنها لن تكون
اكبر اذا ظلت تعتقد انها ما زالت
تعيش في عصر الفتوحات والانفال ،
فان تلك الازمنة ذهبت الى غير
رجعة ، والامة العربية وهي الادرى
بمستقبلها واحوالها ، ولكنها تكون
اكبر واكثر انسانية عندما تستيقظ
على ضرورة الوعي بالمتغيرات التي
تعم العالم ، وتعي مفاهيم الحرية
والديمقراطية لجماهيرها والتوجه
الى البناء الاقتصادي والاجتماعي
النتقدم لملايينها المكبوسة في
اتون الخرافات البالية التي اكل
عليها الدهر وشرب.
والمشكلة اذن ان اذا كان (البعث)
هو الاكثر ظلامية على الاطلاق في
" العالم العربي" في الترويج لهذا
الفكر الفاشي المتخلف ، الا ان
مجمل الانظمة العربية والحركات
والاحزاب السياسية العربية وحتى
بعض يسارها ايضا ما زالت تسير على
النمط المتخلف الفاشي نفسه ولكن
بصور واشكال مختلفة.
وفي العراق و امام هذا الواقع
المؤلم ماذا يمكن ان يرتجى من
الاحزاب والحركات العربية (
الدينية والمذهبية وبعض الذي يدعي
العلمانية ايضا) من مواقفها ازاء
المستقبل الكوردي ؟ وهي كما رأينا
عندما تصطدم بالواقع الكوردستاني
لا تستطيع ان تخفي نفورها من
حقيقة جوهر المسألة ، فتلجأ الى
المناورات المفضوحة والى الترقيع
والتأجيلات والكلام العام مثل (
الاخوة والعراق الواحد والمصير
الواحد والتريخ المشترك و....)
وهي عبارات ومفردات تصح فقط عندما
يكون هناك اقرار بالجوهر
الديمقراطي والانساني والتقدمي
للمسألة الكوردية ، وبدون هذا
الاقرار تصبح تلك العبارات مجرد
اوهام او ادوات للخديعة لا غير .
وان الترحيلات التي تتم للبت
بالمسائل التي تهم الوضع الكوردي
ما هي الا وسائل و تاكتيكات
للخداع والاستفادة من الوقت عسى
ولعل ان تجد تلك الاحزاب المناخ
المناسب للاجهاض على كل المكتسبات
الكوردستانية ، وما جرى خلال
السنوات الثلاث الاخيرة تحمل
دلائل قاطعة على هذه الحقيقة على
الرغم من المواثيق والعهود التي
تنكروا لها.
من جانب اخر لا احد له ضمير حي
يمكن ان يسعد بقيام الحروب ،
فالحرب عملية وممارسة قذرة وغير
انسانية في كل الاحوال ، ولكن
الذي يجري الان في وسط العراق على
الاكثر وفي بعض جنوبه هو حرب
اهلية واقعة ولكنها غير معلنة
رسميا ، ولا داعي لانكار هذه
الحقيقة المرة انسانيا، فليس
الزرقاوي الاردني ومن معه من بعض
العرب وحدهم يقتلون العراقيين بل
هناك منظمات عراقية تتقاتل فيما
بينها وتخطف وتنسف وتدمر وتهدد
وتغتصب وعلى الهوية جهارا وعلنا
وفي وضح النهار، والعشرات يقتلون
ويختطفون يوميا ، ولولا الجدار
الفولاذي المتين الذي يفرضه حراس
كوردستان من البيشمركة والاسايش
الكوردستاني لآحرق الارهاب
العروبي الاسلامي مدن كوردستان عن
بكرة ابيها مع ساكنيها. وفي هذه
الاجواء الدموية غير السارة ما
زالت الكتل السياسية العربية
العراقية لا تستطيع فعل شيء مجد
وايجابي ، بل ان بعضها يضع الحطب
في النار ، وبعضها يضع اللوم في
كل ذلك على الكورد والكورد هم
وحدهم الذين يحاولون فعلا اخماد
هذه النار الملتهبة عمليا.
والغريب ان الكل يتحدث عن (الوحدة
الوطنية!) هذه العبارة المستهلكة
التي يمتد عمرها الى زمن التأسيس
الاول للدولة العراقية في اوائل
عشرينات القرن الماضي ...هذه
العبارة التي صنعها الانكليز وكان
الكورد اول ضحاياها وما زالوا.
في هذا الواقع الذي يفرض نفسه
بقوة ، يقع الكورد مرة اخرى ،
امام موقف اخلاقي ، يختصر فحواه
في : هل يترك الكورد العراق هكذا
وهو يتخبط في دمه ؟
ان الذي يقرأ بيان السيد مسعود
البارزاني بعناية ودعوته الزعماء
العراقيين الى كوردستان ، للتفاهم
تحت الخيمة الكوردية الامنة
لتمهيد الطريق نحو منع سفك الدماء
والقضاء على الارهاب ، يفهم مدى
نبل اخلاقية السياسة الكوردية
التي يمثلها القائد الكوردي
البارزاني ، الذي يتسامى فوق كل
الجراحات وفوق كل الغدر الذي اصاب
الكورد على مدى حوالي قرن من
الزمان من الحكومات العربية
المتعاقبة على حكم العراق . بل
وانه يتجاهل وبكل اباء حتى السهام
الحالية الموجهة للكورد حتى من
بعض من دعاهم الى الخيمة
الكوردية.
ولكن ، ومرة اخرى ، هل ان هذه
الاخلاقية الكوردية العالية ،
والسلوك الانساني النبيل من السيد
رئيس اقليم كوردستان ، يمكن ان
يجعل هؤلاء المختلفين بين بعضهم
البعض الان من رموز السياسة
العراقية العربية ، يتحدون فعلا
الان لحل خلافاتهم وهم مختلفون في
كل شيء فيما بينهم ولكنهم متحدون
ضد الكورد دائما ؟
ثم هل يضمن النبل الكوردي عندما
يصل الى حل مشاكل هؤلاء عدم
عودتهم بعد انقشاع غيوم خلافاتهم
ليقولوا لنا : يالله كاكه نحن
كلنا اخوة وكلنا عرب والحمد
لله!!؟
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع