|
أربع قصص قصيرة
محمود ماضي / فلسطين
رقصة
شعرَ بالمللِ من غرفتِه، من الكتب
الجالسةِ بنزقٍ فوقَ مكتبِه المغبرّ، نظر
إلى ساعته وفجأة قفزَ إلى المكتب غير
مكترثٍ بالغبار، وفتحَ جهاز الكمبيوتر.
كتبَ بريده الإلكتروني وكلمةَ المرور
السريّة، لم يجدْ غيرها في قائمة
المتَّصلين. غيَّرَ اسمه المستعار إلى
"رجلٍ يبحثُ عن شمس".. وكتبَ لها:
- "قليلٌ من النومِ، يجعلُ القلبَ خفيفاً"
- إذن فلتذهب للنومِ أنتَ، أنا لا أريد
إزالة أحمال القلب، العلَّةُ في النومْ
- لماذا؟
- زوجي يعاندُ، ولا يريدُ أن يرقصَ معي
هذه الليلة!
- ربما الموسيقى لا تعجبه..
- لو كانَ هذا صحيحاً لاختارَ موسيقاه
المحبَّبة.
- ربما عطرك، أو لونَ المصباح، أو ربما لا
يجيد الرقص!
- لا لا لا.. هو مشغول مع واحدةٍ أخرى
الآن!
- لا أظن، أنتِ مركزُ الكون.. وكلُّ
انحيازٍ إلى الهامش في حضوركِ دربٌ
جنونيٌّ قاتل!
- ...
أغلقَ جهاز الكمبيوتر، وفتحَ كتاباً
عشوائياً من فوق المكتب، أغلقه، وقف وسط
الغرفة، جلسَ في الزاوية، ارتدى منامته،
اقتربَ من سريره، تجمَّدَ للحظة، أدارَ
ظهره، فتحَ باب الغرفة، توجَّه إلى
المطبخ، شربَ كأسَ ماء، خرج، النور الخفيف
الذي خرج من غرفتِه بدا كئيباً، اقتربَ من
باب الغرفة الأخرى، طرقَ بخفَّة، دخلَ..
وحيدةً كانت أمام جهازِ الكمبيوتر.. همسَ
لها:
- لا أحدَ غيرَكِ يسلبُ عقلي.. ليلاً أو
نهاراً
ضغطت على أيقونةِ الموسيقى، واقتربت منه
تراقصه.
إلى الجنوب
جلستْ أمامَ المرآة، وأخرجت من حقيبتها
رسالةً طويت بعنايَةٍ، نظرت إلى وجهها في
المرآة وقرأت:
"حينَ تقرأ هذه الرسالة سأكون قد غادرتُ
المدينةَ بواسطة القطارِ إلى الجنوب..!"
أعادت الرسالة إلى المغلَّف، حبست دمعة
كادت أن تطفر من عينها، وجالت ببصرها في
أشيائها لتضع له شيئا للذكرى، إلا أنَّ
أحدَ الضيوف أعلنَ عن نفسِه بطرقاتٍ
خفيفَةٍ على الباب، فاجأتها عاملة الخدمات
في الفندق:
- لقد تركَ لكِ السيِّدُ هذه الورقة في
الاستقبال.
فتحت الورقة وقرأت:
"حينَ سأستلِمُ رسالتَكِ، سأكون جالِساً
بجوارِك في القطارِ المتجه جنوباً..!"
ليلة
تجاوزت الشّارع المؤدي إلى منزِله مبتعدةً
بسرعة، خشية أن يراها أحد. وأخرجت الورقة
التي دسّها في جيبِها لحظةَ خروجِها من
منزله.
"حينَ أقابِلُكِ في المرّة القادمة، لن
أقولَ لكِ أكثرَ مما قلته الآن،
صدقيني..
الكلامُ الذي أعرفُه لا يتَّسِعُ لليلتين.
وأعرفُ أنَّكِ كالأخريات. ستتركينَ
منديلاً يحملُ رائحتَكِ فوق السرير،
وستغادرين إلى الأبدْ!"
وجهة نظر!
لو رأيتَ رجلاً يقتربُ من سيارتك ويحاول
جاهداً كسرَ زجاجها، أو فتح بابِها عنوةً،
ستقوم بضربه، أو إبلاغ الشرطة.. لكن لو
استمعتَ إليه للحظة ستجده يقول لكَ: "إن
في داخل السيارة قنبلة موقوتة، وأنا أحاول
إيقاف مفعولها قبل أن تنفجر".. وحينَ تلقى
بنظرة إلى داخل السيارة ستجد قنبلةً
بالفعل، وأن شاشتها الحمراء، تشيرُ إلى أن
الوقتَ المتبقي إحدى عشرة دقيقة، وثلاثُ
ثوانٍ.. ترتبكُ كثيراً، تستغربُ عدمَ
إبلاغه السلطات المختصّة وإصراره على كسرِ
زجاج السيارة، لكي يخرج القنبلة ويوقفها
عن العمل.
لن تفهم أبداً وجهة نظره، لأن ملابسه
بالية، ووجهه شاحب، وأظافره طويلة، وشعره
منكوش، وهذا المظهر الخارجي، يعزز لديك أن
الرجلَ مجنون، لذلك ستأتي الشرطة بناءً
على اتصالك. ولأنّه لم يبتعد عن السيارة
الملغومة، سيطلق الشرطي الأنيق رصاصة
واحدة فقط. وسيموت الرجل.
لكنَّ مهندس المتفجرات الذي جاءَ سيجدُ أن
القنبلة الموقوتة التي تجلسُ موقّرة داخل
السيارة، لن تتوقفَ إلا ببصمة إصبع في
مكان مخصص لذلك. وستكتشف مع مهندس الشرطة،
أن اليد التي تستطيع إنقاذ الموقف، قد مات
صاحبها قبل قليل..!
|