Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 

لابد من قمة كوردستانية تركية

محسن جوامير

ورد في خبر نقله بيوكي ميديا أن مجموعة شركات موسياد التركية البالغ عددها 100 شركة، إنسحبت من المعرض الدولي الثالث الذي أقيم في العاصمة الأردنية لإعمار الدولة الفيدرالية، وذلك بسبب إمتعاضها من وجود وفد حكومة كوردستان وعدم إعترافها به.. وقد جاء هذا الإنسحاب التركي من قاعة المهرجان بعد أن تم الإعتراف رسميا بوفد حكومة كوردستان ومنح مؤسسة كوردية جائزة تكريمية وسط تصفيق الحضور.

هذا وعلى صعيد آخر كشف الكاتب التركي محمد نورالدين في مقالة له في جريدة السفير اللبنانية بعنوان ( البارزاني ومشكلة مقاتلي حزب العمال .. ) مَحاضِر عن لقاءات جرت بين مسؤولين أتراك والسيد مسعود البارزاني رئيس كوردستان، كانت جريدة ( حريت ) التركية المقربة من العسكر قد نشرت بعض مقاطعها ولم تؤكدْ صحتها بعد.. منها أن البارزاني رفض مقاتلة الحزب المذكور معزيا أسبابها إلى تغيير الأوضاع في المنطقة مثلا وأن الكوردي لن يحمل السلاح بوجه الكوردي حتى لو طلب منه ذلك.. وكذلك قوله لهم : " أنا أريد من كل قلبي دولة كوردية مستقلة، ولكن توجد حقائق، وأنا احترم هذه الحقائق، وعليكم أنتم ان تحترموا الواقع الفيدرالي هنا، منذ سنوات وأنتم تنكرون الوجود الكوردي، فماذا حصل ؟.. قلتم أن الكوردي غير موجود، وها قد وصلتم إلى النقطة التي ترونها. الآن لا توافقون على بنيتنا هنا، لكن النتيجة ستكون نفسها " .

ولكن على فرض صحة ما جاء في جريدة ( حريت ) وبملاحظة الموقف التركي الرافض في المشاركة في المهرجان الذي شارك فيه الوفد الكوردستاني، والرد الذي واجه به رئيس كوردستان الوفد التركي من خلال رفض الحسم العسكري في حل المشاكل، تتبين حقيقة النوايا السرية والعلنية التركية تجاه شعب كوردستان، وهي أن تثيرها حربا داخلية بين الكورد والكورد، تربح هي ودافع الضريبة هم الكورد، وتعلن للعالم بأنها لا تريد للكورد أن يخرجوا عن ساحتهم وأن لا يرفعوا من هاماتهم حتى في المجالات التنموية والإعمارية والتجارية، ناهيكم عن أن تكون لهم شخصيتهم السياسية الإقليمية والدولية أو أن يكونوا صاحب كيانهم المستقل كما هو الحال الآن.

من يقرأ الموقف التركي ويطلع على طبيعة العلاقات التركية الكوردية بعد تأسيس دولتها في عشرينيات القرن الماضي، يمكنه أن يصفهما " بالعناد التركي والإصرار الكوردي ".. العناد التركي تمثلَ في رفض الكورد جملة وتفصيلا وإفتعال الازمات والتتريك وكذلك محاولتها الدائبة في التدخل في ضرب طموح الكورد حتى في الأجزاء الخارجة عن حدودها حتى وإن كان في إطار الإقتصاد ( وإن كان مثقال حبة من خردل )، كما بدا في مهرجان الأردن التجاري.. والإصرار الكوردي تمثل في المطالبة الدائبة بالحقوق وإلعمل على نيلها في أوسع صورتها وإن بلغت التضحيات عنان السماء، وعدم الخضوع أمام تهديدات أي جهة تريد تضييق الخناق عليهم، وتأريخ هباتهم وثوراتهم وكذلك كيانهم السياسي اليوم خير شاهد على ذلك، ولكن قاعدة السلام والحوار كانت مقدّمة لديهم على خيار الحرب وتوابعها مع الأنظمة.

ولسوء حظ تركيا ـ وقد يكون لحسن حظها على المدى البعيد ـ فانه بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وما جرى في بداية التسعينيات من إنتفاضة إنتهت بتحكم الكورد في إدارتهم وتقرير مصيرهم، والمواقف الشعبية الكوردستانية الرافضة لاي تدخل تركي، تغيرت المعادلات وجرت الرياح بما لا تشتهيها تركيا.. مع ذلك باتت تبدي رفضها لكل خطوة، محتجة بأن العدوى تنتقل إلى كوردها وتتجزأ بالتالي أرضها التي وكأنها رسمتها السماء ولا يجوز مسها بسوء.. حيث قامت قيامتها في " الإنتخابات الأولى " التي جرت في بداية العقد الأخير من القرن الفائت، وجن جنونها حين أعلن البرلمان الكوردستاني في جلسة له " الفيدرالية "، وكاد المسؤولون الترك بقضهم وقضيضهم يصابون بالسكتة الدماغية حينما رفع " العلم الكوردي " من بعد على مؤسسات كوردستان وعلى الحدود الكوردستانية التركية بالذات، واصبحوا وكأن السماء تطبق عليهم حينما سمعوا بنية الكورد بكتابة " دستور كوردستان ".. وفي كل مرة كانوا يترحمون على الإنجاز السابق، وأياديهم على قلوبهم من صاعقة إنجاز لاحق. ولم يفدهم حتى بعض العملاء الذين تربوا على أعينهم، بل فضحوا أنفسهم وتركيا بأكاذيبهم.. واليوم هم أمام تحد أكبر يتمثل في وجود منصب رسمي هو " رئاسة كوردستان "، معترف بها دستوريا ودوليا وإقليميا.

ليس غريبا القول بأن تركيا هي الدولة الوحيدة في الدنيا في تعاملها مع الشعوب بعنجهية وشوفينية، وكأنها تعيش خارج الحضارة وفي غابة الصراع على الفريسة، وإن سوآتها تظهر يوما بعد آخر بشكل أسوأ وألعن من السابق، وما وقع في الفترة الأخيرة في شمال كوردستان والذي جلب الإستنكار الاوروبي والعالمي معا خير مثال على التقهقر السياسي والأخلاقي لديه. وقابل الأيام قد تشهد مستجدات تنعكس سلبا على مستقبل الحكومة الحالية وإيجابا على الحركة التحررية الكوردية بمجملها ولاسيما في تركيا.

لا مناص من إعتراف تركيا بالواقع السياسي الكوردستاني في جنوب كوردستان، فانه لصالحها، ويوفر عليها المزيد من الوقت والدماء والهراء من القول، وما عند الكورد من ميراث لحل المشاكل جدير بتركيا أن تستفيد منه مع كوردها في الداخل والخارج أيضا.. ومن يقرأ الواقع الكوردي والتوجه الكوردستاني الآن، يدرك بأن الكورد باتوا لا يلعنون إستعمال السلاح مع بعضهم البعض فحسب، إنما ينبذون تراشقه حتى مع الآخرين، مادام هنالك وسائل عقلانية حضارية أخرى للتغلب على المشاكل سواء كبرت أو صغرت ( والصلح خير ).

إن كوردستان أقرب إلى تركيا من إسرائيل، من كل النواحي والميادين.. وإن هه ولير أقرب إلى تركيا من تل أبيب.. وإن التقارب التأريخي والحضاري بين تركيا وكوردستان أكثر مما هو بينها وبين إسرائيل.. فلمَ تستنكف الشركات التركية الحضور في مؤتمر تجاري يحضره الكورد إخوانهم واقاربهم كما يدعون، ولكنهم يفتخرون ويرحبون بالجلوس مع الإسرائيليين بل يعقدون الصفقات معهم ؟.. لِمَ يهرول رؤساؤها ووزراؤها هرولة إلى إسرائيل ومكبين، وتكبر عليهم إقامة علاقات دبلوماسية بين هه ولير وانقرة بما يخدم الجميع؟

حسنا قال رئيس كوردستان للوفد التركي وبصراحة : " إعترفوا بنا، ومن ثم تعالوا أسسوا أنتم مصرفنا المركزي، وأسسوا كل بنيتنا التحتية، الطرقات والمياه والصناعة، ولتكن علاقتنا على هذا النحو ! ".

ومن يدري، لعل الإنقلاب الجيولوجي الذي حصل في عهد سيدنا نوح الكوردي ـ على نبينا وعليه الصلاة والسلام ـ قد حول باطن أرض كوردستان اليوم إلى محيط من النفط، وحقل زاخو شاهد واحد على ذلك، وقد يظهر شهود آخرون عُدول قريبا !

من أجل تحقيق هذه الغاية لابد من عقد قمة كوردستانية تركية للتشاور من أجل إحلال السلام بين كل الأطراف، في ظل سيادة منطق الحوار والإعتراف بالآخر لا تهميشه مسبقا وتضييق الحلقة حول رقبته، فلا أحد منا ولد من جنس القرود، وكلنا ( من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ).. ولا بد من إلقاء اللعنة على منطق السلاح بين الأطياف وإشاعة روح ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) سواء بين بني القوم او مع الآخرين، ومن ثم تأسيس العلاقات الدبلوماسية لبناء المنطقة بمساهمة الجميع ولفائدة الكل..

 

 

 

 



 

 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE