|
|
|
|
| |
نوبة حراسة
/ من أوراق السجن 3/
جوان يوسف
بعد أن استلمت منه قصاصة ورق
مجلتنه مضى في طريقه دون أن ينبس
بحرف واحد غير كلمتي السلام
والتحية اليتيمتين.اخترق السهل
المترامي الأطراف بسرعة مذهلة شدت
انتباهها للنظر في خطواته الجريئة
والواثقة …. وارتسمت في ذهنها
صورة الوعد المتقاسم بينهما حتى
غاب في الأحراش البعيدة.
عندها فقط فضت الورقة وقرأت ;
النصيرة هيفي.. تحية
رفاقية:وبعد000 إختارك مركز
القيادة لنوبة حراسة ليلية المكان
والزمان سيحددان لاحقاً، كوني
جاهزة.
أتلفت الورقة بلطف وتنفست الصعداء
….اغرورقت عينيها بالدمع وهي ترفع
جبهتها نحو الشمس السائرة نحو
الأفق تضم في روحها ضوء النهار
وتلاحقها جمهرة الغيوم
الداكنة.كان ذلك في بداية شهر
آذار، وقد بدأت الطبيعة تبتسم
للكون بعد تجهم دام شهور..
وآذار هذه الكلمة البسيطة يعني
لها الكثير00.تراجعت عند هذه
الصورة تماماً خطوة واحدة
واستدارت وكأنها تؤدي التحية
العسكرية إلى خيمتها المتربعة على
حافة السهل. تناولت برفق من بين
مجموعة كتيبات دفتر صغير بادية
عليه علامات الشيخوخة والهرم.
وأخذت تقلب صفحات الدفتر بدون أي
اهتمام 0
فجأةً توقفت أناملها عن التقليب.
ولم تجهد نفسها كثيراً ولم تتردد,
قرأت مافي الصفحة واعتلت شفتيها
بسمة شاحبة ثم تلمست كتفها الأيمن
بحنان. وتابعت أناملها اللعب
بأوراق الدفتر حتى استطاعت أن
ترسي بها أخيراً على صفحة فارغة..
تناولت قلمها من جيب سترتها وكتبت
3 آذار .. .. ..0000000
وضعت الدفتر جانباً بعد أن أكملت
تدوين أحداث يومها وتناولت
الراديو وأخذت تقلب بين الأصوات
المختلفة لتستقر أخيرا وتستمع إلى
أخبار عن الوطن والهجرة، عن
الدمار والشتات، عن السيانيد و..
.. يا للهول..؟ . أغلقت الراديو
وتركت ستائر النوم ترخي
سدولها0والرياح تعبث بأطراف
الخيمة المتشبثة بالأرض حتى
الصباح..
أشرقت الشمس، تناولت فطورها،
وخرجت تسير إلى الطريق المؤدي إلى
مركز القيادة0 نظرت إلى ساعة يدها
وتمتمت لماذا هذا التأخير؟!.. كان
يجب أن يكون هنا منذ ساعة، راجعت
ذاكرتها ثانية ً..والتفتت
إلىالشمال..
• صباح الخير يارفيقة صباح الخير
يا00 ..لماذا ؟ لم تكمل سؤالها
حتى قاطعها المراسل ..عذراً
للتأخير حدث طارئ وتم تجاوزه 0
سلمها ورقة كالتي تسلمتها البارحة
, وانصرف . فضت الورقة وتعرفت على
مضمونها وبهدوء عادت إلى الخيمة .
الساعة تقترب من الثانية عشر
ليلاً استلمت الموقع من الحارس ..
وبدأت رحلة الصراع مع الأفكار ..
أخذت تسير ذهاباوإياباً. .. الوقت
يسير يبطئ والجو يزداد قسوة
والسكون يضيف شىء من الرهبة
والخوف إلى قلب هيفي. ازدادت وحشة
الليل بانطفاء آخر قنديل كان
ممكنا أن يكون أنيسا لها إلى أن
ينبلج ضوء النهار.. بقيت وحيدة
تتقاسم البرد مع البندقية..زادت
من سرعة خطاها أملاً بالدفء..مضى
من الليل أكثره واشرف النور على
الانبلاج.. تعبت قدماها من السير
وبصرها من النظر .. أسندت ظهرها
إلى شجرة البلوط الجاثية خلفها
أخذت تراقب الموقع وهي حريصة على
إكمال نوبة الحراسة بأمان لكنها
لم تستطع طرد بعض الصور التي بدأت
تقتحم ذاكرتها بين الفينة والأخرى
.
• شبثت ظهرها بشجرة البلوط بضراوة
أكثر وأقسمت على نسيان الماضي
الغير ضروري في هذه الليلة.ولكن،
بدأ وأنتهي كل شيء بلمح البصر رأت
نفسها على مقاعد الدراسة ثم في
مقصف الجامعة , وتحت شجرة
الاكاسيا مع جانو الذي لم تنساه
أبداً
مرت هذه الصور بتدفق في ذاكرتها
تخللها مشاهد من القصف العشوائي
لمدينتها الجميلة
يومها قررت أن تكون ذات فعل وهاهي
للعام الثالث تتخذ من الجبال
أنيسا وأملا وجانو لم يغب عن
بالها ..انتفضت مذعورة من الوسن
الذي باغتها، وتلمست بندقيتها
المشبسة بصدرها..اقشعر بدنها..
أعادت اللمس ثانية وثالثة ….
أحست بنفسها وهي تتلمس
وليدها..فاضت عينيها بالدمع وبزغت
أشعة الشمس ليشكل على خد هيفي قوس
قزح..
فالتفتت إلى شجرة البلوط وكتبت
على جذعها ناضل يارفيق ليبزغ
الفجر من جديد
أذار 1988
|
|
|
|
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
|
|
|
|
|
|