Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 

جائزة جكر خوين … دمية يلعب بها الصغار

عبدو خليل

لم أكن أرغب الخوض في هكذا مساجلة، لسببين رئيسيين الأول هو أنني ما من سجال ألجه إلا وأخرج منه بالنهاية منهكاً ومتخماً باللا جدوى، وذلك ربما لانني صرت خاو وفقدت الشعور بالأبعاد والاتجاهات، وربما لأن هذا الآخر راح يسمح لنفسه بتجاوز حقول أقحوانك والدوس بحذاء أفكاره على جغرافية ألوانك وأحلامك وأشعارك لا بل تمادى أكثر ليصل إلى أسمال ذكرياتك ويلطخها حيثما عبر بسواد نتانته، في الوقت الذي تحترم أنت فيه، حظائر تخلفه وتتجنب ما أمكن تخطي حقول ألغامه الصدئة بأمان، علك تصل به إلى رقي الحوار.
أما السبب الثاني لعدم رغبتي في خوض هكذا سجال، هو أننا في وقت أحوج ما نكون فيه إلى إعادة ترتيب وتشذيب البيت الكردي الداخلي، الذي نهشته مخالب البعض من قادة أحزابنا الكردية، لينال منه القاصي والداني، ولينوء يوماً بعد اخر تحت هزاله الفكري.
أما ما دفعني للكتابة، وضغط أوانيًّ المستطرقة ليطفو نزقي إلى السطح وجعلني أعدل عن فكرة اللا جدوى، هو ديمومة استهتار البعض من هذه الأحزاب بين الفينة والأخرى بالشأن الثقافي الكردي وتمييعه من خلال صبغه ببعض المحاليل السياسية الكاسدة المتأكسدة، والغير قادرة على التفاعل لا مع الشارع ولا مع المثقف الذي هو أصلاً مقصى من الحياة السياسية الكردية، بعدما أستشرس أغلب قادة هذه الأحزاب في التمسك بكراسي الخيزران المهشمة الأرجل وراحوا من فوقها يقودون أحزاباً و بوضوح أكثر عشائر تكر وتفر على عشائر تماثلها نمطيات التفكير وسلوكياته.
وهي لم تكتف بإقصاء المثقف فقط بل راحت تستخدم المشهور منهم كعامل من عوامل الترويج وكسب الزبائن، وكيف لا والسوق شطارة، ولا بد من شخصية معروفة ولها كاريزما جماهيرية لتخلق مصداقية لدى المتلقي عن مدى فاعلية المسحوق أو المعجون سائلاً كان أم مانعاً حزباً كان أم عشيرة ما زالت تؤمن بالفدية أو بالثأر لا يهم، المهم أن تكون الشخصية الإعلانية لها حضورها الفاعل لدى الضحية. فالمهم هو التخطيط الجيد للوصول إلى أسواق واسعة.
إلا أن الكارثة تكون مؤلمة عندما يتمادى البعض في استغلال شخصيات لها وقعها في الوجدان الجمعي وتكون مؤلمة أكثر إذا ظهرت السلعة المعلن عنها بعد طول تجربة عن عدم استيفائها لأدنى الشروط الواجب توافرها، سلعة كانت أم فكراً.
ولأننا هنا نتحدث عن الثقافة فكراً وفناً وأدباً، فنحن معنيون بالدعاية وبالترويج الثقافي وبجائزة جكرخوين تحديداً،و بمدى استغلال هذا الاسم الرائع الذي ما من شك بمدى حضوره في ذاكرة أي كردي فلاحاً كان أم مثقفاً لابل حتى لدى الكثيرمن المهتمين بالشأن الثقافي السوري عرباً كانوا أم غيرهم من الطيف السوري الملون.
ومن هنا وقعت أنظار البعض على كاريزما ـ جكرخوين ـ وعلى فكرة إيجاد جائزة تحمل اسمه، ولكن أيما جائزة هذه التي بدأت تسيء بشكل أو بآخر إلى حضور هذا الرجل، وأؤكد على كلمة ) تسيء) لأن الجائزة التي لا تحترم اسم حاملها تعمل على تقزيمه بعدما تقتات على إرثه، وتستولي على تاريخه وتحوله إلى مطية، تعبر من خلالها بالجماهير إلى أزقتها الضيقة والمعتمة.إنه لمن المعيب أن يتم استغلال هذا الرجل العَلَم حتى بعد مماته، وأن تفرض الجزية على اسمه من قبل أحد ما حزباً كان أم شخصاً بعينه، وأن يستوفى منه ديناً قديماً لم يتجاوز حدود قوته اليومي، لأننا كلنا مدينون لهذا الرجل الذي تعلمنا منه الكثير الكثير من أبجديات العيش والثقافة والسياسة.
لقد حان الوقت لتحرير ـ جكرخوين ـ من ربقة العبودية التي ألحقت به من خلال المتاجرة باسمه، وحان الوقت لإيجاد صياغة جديدة للجائزة المقامة باسمه، والتي أصبحت أضحوكة بين أيدي الصغار وأشباه المثقفين. فلا لجنة التحكيم التي استولت على هذا المقعد واستحوذت عليه وتقاتل بأيديها وأسنانها من أجل الحفاظ عليه قادرة على فرض مصداقيتها ونزاهتها، بعدما تبين للكثيرين عن البون الشاسع بين اسم الجائزة وبين هؤلاء العراة من الثقافة والفن، والمتزلفين أبداً والباحثين بشتى السبل والطرق عن منبر جديد يشبع هوس الشهرة والمجد لديهم، ولا القائمين على الجائزة كجهة حزبية همها الأول حشد الناس كقطعان الخرفان ونقلها إلى البراري، ظناً منهم أن الحياة تستمر بوجود الكلأ والماء فقط، ناسين أو متناسين أن الثقافة وحدها هي القادرة على وضعنا على تخوم الطرق الصحيحة.
وحتى لا يتهمني ويجترني البعض بالمبالغة، سأورد لقطة صغيرة مما يحدث خلف الستائر الداكنة للجائزة، وهي وشلاً من بحر آسن. اللقطة تبدأ من أن أحد القائمين على هذه الجائزة طلب رأيي بالمسابقة، لسبب بسيط وهو أن الرجل لديه الرغبة الحقيقية بإخراج هذه التظاهرة الثقافية في أبهى وأرقى حللها، ويهمه رأي المستقلين، لا بل طلب من أن أكون أحد أعضاء لجنة التحكيم التي علاها الغبار وتكلست مفاصل وآليات تفكيرها، اعتذرت وقلت له بالحرف الواحد: ضعوا الشخص المناسب في المكان المناسب. هناك من هو أجدى مني ليأخذ هذا المكان واقترحت عليه ثلاثة أسماء أحدهم صحفي، وناقد وباحث تشكيلي، له باع طويل في النقد، وعاصر الكثير من الأسماء الفنية الهامة على الساحة السورية بشكل عام، والآخر فنان تشكيلي له حضوره وهدوءه اللذيذ الذي ينم عن خبرة عميقة في سبر أغواره الفنية، أما الثالث فشاعر وفنان وله صولاته وجولاته التي أكلت من حياته أرقاً وتعبا،وعندما تستعصي قصائده في بيت روحه تستحيل الى لوحات تشكيلية،ويعرفه الجميع من عامودا إلى عفرين.
والمهم بعد دنو موعد المسابقة تفاجئت بأن اللجنة التحضيرية رفضت هؤلاء تحت حجة أنها أسماء غير معروفة وأن لا علاقة لها بالفن والثقافة. لتبقى اللجنة القديمة المستشرسة في بقائها على رئاسة التحكيم، والذي تبين لي فيما بعد ان موضة الاستحواذ امتدت حتى لفنانينا ومثقفينا، أسوةً بقادة أحزابنا الكردية اما المثير للضحك. إن هذه اللجنة كثيراً ما تفلت على هؤلاء القادة وسخرت من شيخوختهم التي امتد إليها التلف الدماغي، والسؤال الذي اود طرحه على هذه اللجنة, هل ننتظر حتى يشيخوا لنتفل عليهم بدورنا حتى يعاد الاعتبار والنظر بجائزة جكرخوين ولجنتها العصماء والقائمين عليها؟ سؤال برسم المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي الكردي.

 

 

 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE