|
الشاعرزبير مخصو في ديوانه،
الموسوم بـ (من رحيق الحياة)
دراسة نقدية تحليلية
خالص مسور
يتصف إسلوب الشاعر الكردي زبير
مخصو بالبساطة والشفافية والوضوح،
مبتعداً في ذلك عن الغموض
والإبهام والترميزالمعقد، ولكن
لاتخلو سطوره من الرمزالشفاف
المفهوم من القاريء دونما بذل جهد
كبير، وهو يختلف في هذا كل
الإختلاف عن الشاعرعماد الحسن،
الذي يوشي سطوره الشعرية بالكثير
من الرمزية، وبتقنية الإبهام
والغموض والكلمات القاموسية
الغريبة غير الدارجة بعض الشيء.
ولكن معظم شعراء الكرد في سوريا -
إن لم نقل كلهم- تنقصهم في الغالب
الدرامية في الشعر، وتقنية
الإنزياح وقصيدة القناع، التي
كانت غائبة عن الساحة الشعرية
العربية أيضاً، ولكنها أدخلت على
أيدي شعراء الحداثة مؤخراً، كصلاح
عبد الصبور، وأدونيس، وخالد محيى
الدين البرادعي، وفايز خضور،
وممدوح عدوان وآخرين غيرهم.
وهؤلاء اقتبسوا قصيدة القناع من
الغرب، حيث لم يعرفها الشعر
العربي فيما مضى من تاريخه
المديد.
على ضفاف الروح
حين التقينا
على ضفاف الروح
كانت تلهث
من شدة الظمأ
التنقينا على وجنتي القمر
حيث القبل في:
سرسنك
وصفاء السماء
في(كرمنشاه)
رحيق المسك في(وان)
والجدائل الملونة في
(جوار جرا)
وردة حمراء في (بوطان)
ومملكة جميلة
على قمة (سيبان)
أجل،
أجل...
التقينا في صميم الليل
بين أحضان الدهر
المشؤم
وعلى ضفاف الروح
العنوان في قصيدة - على ضفاف
الروح- يحلق في فضاءات القصيدة
الرومانسية بكثير من الشاعرية
المعبرة، حيث جرى من خلال كلمتيه
الأساسيتين تجسيد الروح، التي
تحولت في ذهن الشاعر إلى ضفاف نهر
معطاء، تسري مياهه روحاً هادئة
حالقة في فضاءات الحياة والأمل
المنشود. ليبدأ الشاعر قصيدته
بالظرف الزمان- حين- والزمن له
دوماً أحكامه وميراثه في خطاب
السيكولوجية الكردية العاطفية
والمرهفة الإحساس، فكانت حبيبة
الشاعر - والتي هي وطنه دون شك-
تلهث من شدة العطش، وهي كناية عن
عن الحب المتبادل بين العاشقين
فكلاهما به رغبة وشوق للقاء
الآخر، وكان اللقاء في المتخيل
الشعري حميمياً، جرى في مكان
آسرجميل، وهو وجنة القمر الذي تم
أنسنته بلوحة إسطورية جميلة،
فتماهت - بذلك- المحبوبة مع
جغرافية وطن الشاعركردستان،
مبرزاً مفاتنه الحغرافية، ومدى
اشتياقه ومحبته لهذا الوطن
المعطاء.
فالمكان لدى الشاعريجسد معنى له
شبيهه في جسد محبوبته، فبدآى
يختلسان القبلات الحارة، حيث
اكتسب المكان في المتخيل الشعري،
امتداده الدلالي مع نسيج التراثي
الكردي العريق، فليس بين الحب
والوطن سوى مسافة ترميزية تشير
إلى اللهفة وحميمية الوصال. وقد
رأينا الشاعرهنا يسلط عدسته
التصويرية على الحدث بلقطات
تصويرية متنوعة المناظر، حيث يصفو
السماء في ربوع كردستان وتزهر
فيها الورود والرياحين،
وينتشرالمسك الفواح في كل مكان،
ولكن اللقاء كان في صميم الليل
الكردي البهيم، وفي زمن سوداوي
مرير، دلتنا على ذلك كلمة- مشؤم-
وهو كناية عن استباحة وطنه من قبل
الغاصبين والطامعين في أرضه
وخيراته، ممن لايعرفون للآخرين
حقوقاً وهم على أضهم وديارهم،
بينما يتباكى هؤلاء ويذرفون دوع
التماسيح على مقولات الشعوب وحق
تقرير المصير، وهنا يتجلى النفاق
البشري بأجلى مظاهره، حيث يفضح
زبير مخصو كل الغاصبين الذين
أسدلوا ستاراً من الليل الأسود،
على ربوع وطنه الرائع والجميل،
فهم وأشباح الليل سواء في الغدر،
هؤلاء ديدنهم – على الدوام-
اختلاس ثروات الشعوب ومصادرة
حرياتها والتلاعب بمصائرها
وأقدارها.
.......................................................................
صراخ عبر قنوات الموت
أصرخ..
عبر قنوات الموت
حيث صدى الجبال.
أصرخ..
كولادة طفل حائر
يحن إلى صدر أمه
على صوت هدير
الطائرات
هنا وهناك
أرجوحة أخي خالية
وألعابه مبعثرة
إمبراطورية ميديا نائمة
عبر لآلاف السنين
صراخ
وصراع
نار ودخان
رغم كل شيء
لا أزال أصرخ
عبر قنوات الموت
...............................................................................
يشي العنوان – صراخ عبر قنوات
الموت- بمرارة ما تلاقيه كردستان
على أيدي الناهبين والغاصبين، وقد
بدا الألم والمرارة يعتصران قلب
الشاعر العاشق لوطنه، حيث تمكن من
إعطاء لوجة مؤثرة عن مأساة
إنسانية حدثت ولاتزال تحدث، على
أيدي الجلادين وسفاحي الشعوب،
فجاءت اللوحة حية، فاجعة، نابضة
بالحيوية والحركة، تعبر بجلاء
ووضوح عما آلت إليه وضع موطن
الشاعر حيث الموت، والخراب،
والدمار، وقنوات الموت المتعددة
التي يتفنن بها أعداء البشرية
ونيرونات العصر، معبراً عن ذلك
بكلمات-أصرخ- الموت- الطائرات-
نار- دخان- هكذا انتهك الغاصبون
حرمة كل شيء ولم يوفروا امراة
ولاشيخاً كبيراً، ولاطفلاً
مرضعاً، إلا وقتلوه بأسلحتهم
الفتاكة. فالشاعرهنا يحلق في فضاء
متخيله الشعري ليعطي متلقي النص،
صورة سمعية وبصرية مؤلمة يحز في
القلب لوعة وأسى، وخاصة حينما
يتخيل المرء معه هديرالطائرات
وحمم قنابلها وهي تقتل الأطفال،
والنساء، والشيوخ والأبرياء، من
الشعب الكردي بدون شفقة أورحمة،
وما تتركه تلك المجازرالرهيبة على
أرض المعركة من آثار قتل ودماء.
فالطفل البريء حائرلايدري مايجري
حوله، من وحشية الطغاة الذين
حولوا بهجة الحياة إلى مجازر
ومآس، وهنا يلجأ الشاعر إلى
التاريخ الكردي العريق، فيبدو
حائراً يسأل: لماذا بعد كل هذه
السنين تبقى دولة ميديا نائمة لم
تحرك ساكناً؟ أي أن الشاعر ينتابه
الحيرة والألم حينما لايرى جواباً
لسؤاله: لماذا لم ينشيء الكرد حتى
اليوم دولة لهم، تحميهم وترد عنهم
غائلة الطغاة من حكام الشعوب
المجاورة؟ ولماذا لم يعيد الكرد
مجد /ميديا/ تلك الإمبراطورية
الكردية العظيمة..؟ فهذه وتلك
أسئلة حائرة لم يحرلها الشاعر
جواباً. ثم أنهى الشاعر قصيدته
بنفس العبارة التي ابتدأ بها مما
يدل على تاكيده على مضمونها،
وليؤكد أن مابينه وبين وطنه هو
الروح ولاشيء غير الروح.
........................................................................................
مازلت أحبك
هاتي يدك
واتبعيني
ضاق صدري من صراخ
وأنين
كيف أنجو من حبك..؟
أنقذيني
مازلت تاجاً مرصعاً
بالعشق
فوق قلبي
فداويني
ها أنا قابع
في معتقلات
عينيك
أقسم بصمت
الليل
بخرير شعرك المجدول
بحرف الميم بين نهديك:
أحبك
................................................................................
كلمة /مازلت/ في عنوان القصيدة
تدل على الإستمرارية والتواصل،
وتشير إلى أن الشاعر مايزال متيم
بمحبوبته الأثيرة كردستان، وأن
حبه لها لاتشوبه شوائب الدهر مهما
طال الزمن أوقصر، فهو شاعر عاشق
يريد أن يخطف حبيبته الجميلة،
وتخليصها من أيدي الغاصبين
والدخلاء، حيث ضاق صدر الشاعرمما
آلت إليه أوضاع حبيبته، فكفاه
شكوى وصراخاً وأنين، تحت وطأة
الحقد والإنكار ومصادرة قيمه
وحريته ومبادئه في ثراه وعلى أرضه
السليبة، وهي دعوة واضحة
للإستنهاض والثورة والتمرد. ومن
بين السطور الشعرية نلحظ إنسيابية
اللحن الرهيف والعذوبة ورقة
الإحساس، كما نلحظ من جانب
آخرالحركية وسيماءات القلق
والتوترالباديتين في صوره السمعية
والبصرية معاً، مثل- ضاق- أنين-
كيف أنجو- أنقذيني- معتقلات-
الليل- فالشاعر - والحال هذه-
مغرم بحبيبته حتى الجنون، فهو
يدعوها أن ينقذه من هذا الحب
العذري القاتل، ولتسر معه على حيث
لارجال أمن، ولاأصفاد، أو معتقلات
وسجون.
وقد لجأ الشاعر هنا إلى تقنية
تجسيد المعنويات، وتجسيم
المجردات، كنوع من المشاركة
الوجدانية في قضايا الوطن ومسائله
الملحة، عن طريق الإيحاء والصور
الرامزة، التي التحمت مع
المحاورالفكرية للنص، حيث تشكل
محطات لحالات من اللاوعي السعيد
أحياناً، والمأساوي في أحليين
اخرى. وسنرى في شعرزبير
مخصوالكثير من الصورالشاعرية
الأخرى الجميلة كما في- معتقلات
عينيك- حيث لجأ الشاعر إلى
الإستعارة، ليشبه لواحظ عيني
حبيبته الآسرة، بمعتقلات
تأسرالناظر إليها وتضعه في زنازين
عينيها اللتين ليس لجمالهما قيود
ولا حدود. وكان قسمه بشعرها وبحرف
الميم بين نهديها ككاريزمات مقدسة
للشاعر، أي أنه يريد القول أنه في
حالة من التماهي في حبها..
ومازال، وسيبقى يحبها إلى الأبد.
كما نلحظ صورة شاعرية جميلة هي-
خرير شعرك المجدول- حيث جرى تشبيه
شعرالحبيبة بخرير ساقية ماء جار،
وهو صورة معبرة رامزة، وتشبيه
موفق لجدائل محبوبة الشاعر
الأثيرة دوماً.
..............................................................................
ميديا
نبيذ جرحي
المعتق
أسطورة الصمت
الأبدي
بصمة من العشق
لاتنتهي
برعمة تنبت
على كف يدي
كأس نبيذ
تقَبل فمي
ميديا هي رمز التاريخ الكردي
العريق، وقيثارة اللحن الكردي
الأبدي، يتغنى الكرد باسمها
ويمجدون تاريخها العظيم، ونلاحظ
مدى الغنائية المحببة والإنسيابية
في قافية الفصيدة التي تنتهي بياء
المتكلم، حيث يمزج الشاعر بين
الحسي والمعنوي في سطوره الشعرية
في المستويات الدلالية،
والتركيبية، والصوتية، ويرسم
صوراً بصرية وسمعية معاً، في
عملية تناغم موسيقي جميل.
مستخدماً كلمات - نبيذ- اسطورة-
بصمة- برعمة- كأس نبيذ... وجاء
تكرار الكلمة الأولى /النبيذ/ في
أول القصيدة وآخرها للتأكيد على
مقدار حب الشاعر لميديا، تلك
الدولة التي أقامها الكرد منذ
آلاف من السنين ولكن لم تقم لها
قائمة بعد. وميديا في متخيل
المفهوم الدلالي للنص، تسبب
للشاعر حالة من النشوة والسكر،
بحب الدولة العظيمة ومجدها
الغابر. وعبارة - أسطورة الصمت
الأبدي- تدل على رقود هذه الدولة
ونومها العميق على أمجاد مضت
لازال الشاعر ينتظرعودتها بفارغ
الصبر، وهي جملة استنكارية تعبر
عن الإنفعال وقلق الذات
الشاعرة،حينما يبدي الشاعر تعجبه
متسائلاً: لماذا لاتستعيد /ميديا/
تلك الدولة الكردية العريقة،
أمجادها الغابرة من جديد، وتحاول
النهوض من رقدة العدم...؟
.................................................................................
الشهيد
رحل..
مع بقايا أوراق الربيع
في نوروز
عى موجات الصمت
رحل الشهيد
فتنهدت أشلاء الجسد
بين طيات الأرض
والسماء
ومات الحقد بعيداً
في العراء
في هذه القصيدة يرحل الشهيد في
يوم مشهود، هو يوم نيروزالعيد
الكردي التاريخي الأثير، وأكفانه
منسوجة من أوراق الربيع العطرة،
حيث الشهيد - ولا غيره- من سيمزق
أستار الصمت الأبدي، ويعيد الحق
الكردي المهدورإلى أصحابه، وهو
الذي سيرسم بهذا الدم الصارخ بين
السماء والأرض، خارطة الأمجاد،
وبه ستعود الحقوق إلى أصحابها
الكرد المسحوقين، الذين لازالوا
يعيشون في متاهة الحياة وعلى هامش
صفحات التاريخ. فدم الشهيد دوماً
هوالبلسم الشافي لجراحات الشعب
الكردي، الذي لابد وأن يعاد له
اعتباره - عاجلاً أو آجلاً- بين
أمم الأرض وشعوبها. فالشهيد حي
دوماً لايموت، بل من سيموت هو
الضغائن وأحقاد السنين. وفي هذا
المشهد الجنائزي المقدس، تم تجسيد
الحقد، وماهو معنوي إلى حسي، مما
أضفى مزيداً من الحيوية والحركية
في مفاصل جسد النص ودلالاته
الشعرية. وأن تكرار كلمة /رحل/ مع
اللام اللينة الساكنة وتنغيمية
صوت الحاء الحلقي اللهيف، الذي
يبقي اللسان معلقاً في سقف الفم،
هو ما يرسم للشهيد صورة مثيرة،
ومشهداً لرحيل مؤثر، حيث الرحلة
والشهيد أمران متلازمان، مع
ماتنطوي عليه هذه الكلمة من حزن
يتوهج جسارة وقوة في دخائل النفس
البشرية، ذكرى لإنسان جاد بدمه
البريء على مذبح فجركردي، لابد
أنه آت فوق الدروب الحمراء، ومع
دقات أياد مضرجة على أبواب الحرية
وتقريرالمصير.
........................................................................
أحلام البنفسج
هنا.. نتقاسم الحب
على حافة السرير
بين أحضان الليل.
ومباهج القمر.
نرسم الأحلام.
على حدود العمر
يشي العنوان بثراء الدلالة في
المتخيل الشعري لدى الذات
الشاعرة، وتستدعي حالات من
اللاوعي التواصلي في بنية المفهوم
النصي -أحلام وبنفسج - وقد أجاد
الشاعر في المزج بين المساحة
اللونية وخياله المحلق، وكلمة -
هنا- وبعدها نقطتان تدل على
التركيز والتأمل في المساحة
المكانية التي لها دور ذاكراتي في
المتخيل الذهني للشاعر، حيث
يتماهى المكان مع الزمان في وحدة
لاتنفصم عراها، وفي عبارة- أحضان
الليل- تشخيص لليل في جسد بشري
يحتضن عاشقين، يرسمان أحلامهما
الوردية على مسرح حياة مؤدلج
الزوايا والمفاصل، مما مكن الشاعر
من رسم صورة أو لوحة طبيعية للعشق
وذاك الغرام الأبدي، بين الشاعر
ووطنه الجميل، في جو شاعري
ساحررهيف، وفي فضاءات قصيدة
يزينها- الليل - والقمر - وحافة
السرير- وحدود العمر البهيج- مع
مالذلك من وقع مؤثرعلى النفس،
بالتضافربين قافية السطر الرابع
والأخير، وتنغيمية وهسيس حرف
الراء المجهور، وقد زادت الأفعال
المضارعة - نتقاسم- ونرسم – زادت
من حركية السطورالشعرية وشفافيتها
الجميلة والمعبرة في آن.
............................................................................
نوروز
1
هاتي كأس الربيع من
شفتيك
فالمسافة بيننا ثملة
وثمة يهتف بيرق اللقاء:
نوروز تغني للشهداء.
2
الليل قادم لامحال
في يقظة الشهداء
ويلبس العشاق مواسم
الفرح
في حضور الشهداء
ورحيل..
3
ورحيل العظماء ينير
الدروب
ويقطع المسافات الطويلة
احتفاء بالخلاص
نيروز يوم الربيع والعيد
الكرديالقادم من أعماق التاريخ
الكردي، فقد عبر الشاعرعن هيامه
بهذا العيد الأثير، في سطور تعبر
عن التماهي الرؤيوي للشاعر مع
الحدث بصورة مثيرة، حيث المسافة
بين المحبوبين ثملة مطوية، توشيها
عبق السكروالإنتشاء، أي - والحال
هذه - فالمسافة غيرموجودة بين
عاشقين متوحدان في جسد واحد وروح
واحدة، فهو سكران بكأس من شفاه
نيروز، ذاك اليوم الربيعي الخالد
في رياض التراث الكردي العريق،
وببهجة عبق اللقاء الآسر الشفاف،
فالشاعردوماً في حالة من النشوة
والتماهي الروحي مع عيده التاريخي
الأثير.
وفي السطورتمجيد للشهداء الذين
يفوح عبق دمائهم الزكية من تراب
هذا الوطن ورياحينه، تراب وطن
الشاعرالمقدس، حيث يزهو في
نيروزالربيع، وتتفتح البراعم
وتبتهج الورود والرياحين، احتفاء
بقدوم شهرالحرية والتجديد، في
تناغم سيمفوني عذب، وقصيدة تعزف
لحن الخلود الأبدي في صفحة الزمن
الكردي المضيء. ولكني أعتقد أن
هناك خطأ في التعبير، وربما خطأ
كومبيوتري لم ينتبه الشاعر إليه
وهو يكتب قصيدته الثملة هذه،
والخطأ يكمن في عبارة- الليل قادم
لامحال- فربط قدوم الليل بيقظة
الشهداء هو توظيف خاطيء وليس في
محله لرمز الليل، الذي يدل دوماً
على السوداوية وسوء المصير،
ولايمكن أن يأتي الليل بيقظة
الشهداء وتضحياتهم. وأعتقد أن
هناك إشكالية ما في الكتابة، لأن
الشاعر يعقب تلك العبارة بسطره-
ويلبس العشاق مواسم الفرح -
فالفرح لايأتي مع الليل بل مع
النهار ولهذا أرى أن توضع كلمة -
النهار- محل كلمة- الليل- في
السطرالأول من الفقرة الثانية.
فلابد أنه يعني بقوله : وسينجلي
الليل الأبدي وسيسطع شمس الحرية
على ذرى جبال كردستان مزهوة
وضاءة. وأن يوم الخلاص لامحالة
آت، وسترتدي - عندها- كردستان حلة
قشيبة بيضاء، وستنتشرالزينات
والأفراح، ورايات الحرية المضمخة
بدماء الشهداء في كل مكان، تلك
الدماء التي أراقها شهداء الوطن
على مذابح الحرية والتحرير، ونرى
هنا تأثراً واضحاً بالشاعرالتونسي
أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
وبأمير الشعراء أمحد شوقي:
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة
يدق
.........................................................................
حلبجة
أنا وأنت
توأمان
نحن من حررنا
الصمت في الآذان
وأصبحنا...
حجراً....
رماداً....
في حلبجة
حلبجة ذاك الجرح الكردي
الغائرالذي لايندمل أبداً، وستبقى
حلبجة تلك البلدة الكردية الوادعة
التي نكبتها الأقداربأعتى طغاة
الأرض، هذا السفاح الذي أحرق فيها
الأخضرواليابس، بغازات الخردل
والسيانيد المحرمة دولياً،
واستباح الدم الكردي على مرآى
ومشهد من العالم المتحضر
والإسلامي معاً، فلم يحرك أحد
منهم ساكناً إلا بعد أن هدد
الطاغي نفسه مصالحهم المادية،
وبعد أن اهتزت عروشهم وقروشهم،
هكذا ستبقى حلبجة الشهيدة، جرحاً
غائراً في خاصرة الشعب الكردي،
مادام في جسد هذا الشعب عرق ينبض
ودماء تجري في شرايينه. ويرى
الشاعرأن الصمت والتعتيم
المفروضان على المجازرالتي ارتكبت
بحق هذا الشعب الكردي المسالم،
تحت ستار المصالح الدولية، قد
مزقهما الآن صرخات دماء الشهداء
المدوية في أزقة وشوارع حلبجة
الدامية، تلك البلدة الكردية
الوادعة، التي فجع الطغاة سكانها
الآمنين بالأسلحة الكيمياوية في
ليلة سوداء من عمرالزمن الكردي
الرديء.
والشاعر يتقنع بلسان سكان حلبجة
الذين أصبحوا رماداُ تحت الحجارة،
كناية عن الموت والدمار، وعن
صلابة الشعب الكردي ونضاله
المريرعلى مرالتاريخ. وفي ابتداء
السطور بضمير المتكلم ثم المخاطب،
يدل على التوتر وقلق التأثر
وسيكولوجية الذات المضطربة إزاء
الحدث الجلل، راسماً في النهاية
لوحة مأساوية تعبرعما آلت إليه
المدينة المنكوبة على أيدي الذئاب
البشرية، حيث تحولت المدينة -
وكما قلنا- إلى أنقاض ورماد، ينعق
في خرائبها البوم والغربان،
لتختلط أصواتها المنكرة بأهازيج
طغاة التاريخ والحاقدين على
الحياة والقيم الإنسانية النبيلة.
..........................................................................
خورمال
توأمان أنا وأنت
للمحن والمصاعب
لن نفترق
سوية في كردستان
لن نفترق
لأجل القصيدة
وأغنية السلام
ليس في حلبجة فقط بل الشاعر
يتماهى مع البلدة الكردية
/خورمال/ التي نكبت بذات الداء،
داء الطغاة وأعداء الإنسانية،
وهكذا فالشاعر لديه إحساس قومي
مرهف، فكل جزء من كردستان هو
وطنه، وكل ذ |