|
العراق : من أين يأتي الخطر؟
زيور العمر
ما تزال ,
تداعيات تفجير الأماكن الشيعية
المقدسة في سامراء , تجر العراق
الى المزيد من الفصول الدامية ,
إن لم نقل الى المربع الأول و
الأخطر في تاريخ هذا البلد , خاصة
و أن إستهداف المواطنين الأبرياء
و الأماكن المقدسة لدى كل من
السنة و الشيعة , سجلت أرقاماً
مخيفة غير مسبوقة , تنذر بحرب
أهلية تحرق الأخضر و اليابس , في
وقت تمر فيه العملية السياسية
الجارية بمرحلة صعبة و مصيرية.
و بعد أن
تراجعت المخاوف بصدد إنفصال إقليم
كوردستان عن العراق إثر المشاركة
الكوردية , النشطة و الفعالة , في
العملية السياسية و مجمل الجهود
الهادفة الى ترتيب البيت العراقي
الجديد , بما يحقق مشاركة جميع
أطياف و مفردات المجتمع العراقي ,
الإثنية و الدينية و المذهبية ,
في رسم مستقبل العراق و مصيره , و
بما يؤمن حياة كريمة لجميع أبناء
الشعب العراقي , طفت على السطح
أزمات جديدة تتمثل جلها في
إشكالية العلاقة التاريخية بين
الشيعة و السنة. و بالرغم من حالة
التفائل التي سادت الشارع العراقي
بعد المشاركة الواسعة للسنة في
الإنتخابات الأخيرة , و بعد اصرار
العديد من القوى السياسية
العراقية على ضرورة تشكيل حكومة
وحدة وطنية توافقية , بغية وضع
العراق على سكة و طريق البناء و
الإستقرار , إلا أن الرياح تجري
بما لا تشتهي السفن , في ظل وجود
مؤشرات تشير الى أيادي خفية و
شريرة تأبى أن تدع الشعب العراقي
يهنأ بمرحلة ما بعد الديكتاتورية
و الظلم و الإستبداد. ففي الوقت
الذي كانت الجهود تسير على قدم و
ساق صوب بدء مفاوضات و حوارات
تشكيل الحكومة الجديدة بين
القوائم الفائزة بالإنتخابات ,
إرتكبت الأيادي الآثمة جريمة
تدمير مقامي الهادي و العسكري في
سامراء , الأمر الذي ساهم في
تأجيج المشاعر المذهبية و
الطائفية في العراق و أدى الى سفك
دماء العديد من الأبرياء. و من
هنا كان من الضروري طرح التساؤل
التالي : من المستفيد من إستمرار
الفوضى و عدم الإستقرار في العراق
؟ رسم الإيجابة على هذا التساؤل
مرهون بقراءة و تحليل الحالة
العراقية و متعلقاتها الإقليمية و
الدولية بشكل صائب و صحيح.
و لعل من
المفيد التذكير هنا ان الخطر كمن
منذ أبريل 2003 في نزوع بعض
الأطراف العراقية الى الإنتقام من
أطراف أخرى إستفادت من الحكم
السابق , و المقصود هنا إنتقام
الشيعة من السنة , و إنتقام
الكورد من العرب , و غيرها من
تداعيات الإنقسامات العرقية و
المذهبية التي جسدها النظام
السابق , إلا أن إصرار جميع
الأطراف و القوى السياسية
العراقية على ترك الماضي خلف
الظهور , و التطلع الى عراق جديد
و مشرق بالإعتماد على الإمكانات
الهائلة التي يملكها العراق , فوت
الفرصة على المتربصين و الخاسرين
من كل صوب و حدب. و على ضوء
اللجوء الى الصناديق الإنتخابية و
رأي الشارع العراقي رسم العراقيون
مستقبل بلادهم , و وجدوا في
النظام الديمقراطي التعددي و
الفيدرالي السبيل الوحيد لدرء خطر
التقسيم و عودة الديكتاتورية الى
بلادهم.
إلا أن قوى
و أطراف إقليمية في الجوار
العراقي , لم ترق لهم الحالة
العراقية الجديدة , و وجدوا فيها
خطرا محدقاً على مستقبل نظمها و
حكوماتها الإستبدادية و القمعية ,
فعمدت الى توظيف حالة عدم
الإستقرار في العراق من أجل
التهرب من إستحقاقات التغيير و
الإنسجام مع العالم الجديد.
فأنظمة الجوار العراقي و ما
تملكها من تقاطعات مع العراق
سواءاً أكانت مذهبياً أو عرقياً
تجد في تمكين كل أطياف و شرائح
المجتمع العراقي من رسم سياسة
بلدهم , سابقة في تاريخ المنطقة ,
و تشكل مصدر قلق لهم , على إعتبار
أن ذلك من شأنه أن يثير
الإضطرابات و القلاقل في بلدانهم
, فإيران , مثلا , متهم من كل قبل
أكثر من جهة بالضلوع في تفجيرات
سامراء و أصابع الإتهام الى إيران
تعززها معطيات متعددة تتعلق
بملفها النووي و الضغوط الأمريكية
عبر مجلس الأمن لفرض عقوبات عليها
و تالياً عزلها دولياً و
إقليمياً. فهي – أي إيران - تحاول
إشغال الأمريكيين في المستنقع
العراقي عبر إثارة القلاقل و
الإضطراب من خلال دعم عصابات
إجرامية بهدف إرتكاب أكبر عدد
ممكن من الجرائم مستهدفة بالدرجة
الأولى السلم الأهلي , بالمراهنة
على الحزازيات المذهبية بين
الشيعة و السنة .
لهذا لا
بد من الحذر إزاء التدخل الإيراني
السافر في العراق و محاولة إفشال
مخططها الرامي الى جعل العراق
مطية للهروب من آزمتها و الضغوط
المتزايدة عليها , و الطريق
الوحيد يكمن في بدء الحوارات
الجدية حول تشكيل الحكومة
العراقية الجديدة بأسرع وقت ممكن
بمشاركة جميع القوى و الكيانات
الفائزة في الإنتخابات و جعل
مصلحة الشعب العراقي الإستحقاق
الأهم و الأعلى في سلم رسم سياسة
العراق الداخلية و الدولية على
السواء , فحذاري من البعبع
الإيراني المزعزع للأمن و
الإستقرار في المنطقة برمتها و
على رأسها العراق.
|