Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 

في الذكرى المئوية السادسة لرحيل العلامة والمؤرخ ابن خلدون

بقلم صبحي درويش

يعد عبد الرحمن ابن خلدون (1332–1406م) صاحب كتاب«المقدمة» الشهير أحد ابرز الأعلام الفكرية في العالم العربي والإسلامي. يصفه المؤرخ البريطاني (ارنولد توينبي) بأنه أعظم عمل من نوعه أنتجه أي عقل في أي زمان أو مكان

IT IS THE BEST WORK OF ITS KIND THAT IS CREATED BY ANY MIND IN ANY TIME OR PLAC

كان ابن خلدون واسع الاطلاع، غزير العلم، عميق الاستقراء والاستنتاج،وكان قوي الحدس في التحليل والمقارنة، موفقاً في ضبط العلل والعوامل، وإقرار الأصول والأحكام والقواعد والأسس. ولم يتابع عمل ابن خلدون أحد . أو كما يذكر الفيلسوف (محمد إقبال) في كتابه (تجديد التفكير الديني) أنه لم يقترب منه أوغسطينوس، أو أوجست كونت في تحليقه العبقري عبر القرون. لقد جاءت شهرة ابن خلدون من كونه أول من درس المجتمع البشري بطريقة واقعية. ومن المعلوم انه كان ثائرا على الفلسفة القديمة بشكل عام وعلى المنطق الأرسطي بوجه خاص. استعمل في مقدمته كثيرا من المصطلحات الفلسفية والأقيسة المنطقية التي كان الفلاسفة القدامى يستعملونها ولكن ذلك لايعني انه كان يتبع الأسس والمبادئ الفلسفية القديمة في دراسته الاجتماعية و يعترف ابن خلدون بأن المنطق القديم له فائدة للمفكر إذ يجعله بارعا في ترتيب الأدلة والحجج. يقول (الدكتور على الوردي)"إن ابن خلدون استطاع أن يبدع لنا علما جديدا لأنه استطاع أن يتحرر من المنطق القديم ويتخذ لنفسه منطقا جديدا، والواقع أن العلوم الحديثة كلها، الطبيعية منها والاجتماعية لم تستطع أن تنمو هذا النمو العجيب إلا بعد أن بدأ فرنسيس بيكون ثورته المعروفة على المنطق الأرسطي والتراث الفلسفي القديم".إن كتاب منطق ابن خلدون لعالم لاجتماع العراقي علي الوردي هو من أجمل ما كتب عن المقدمة. أفضل من تمثّل نظرية ابن خلدون ودرسها بعمق واستفاد من المنهج الخلدوني في الدراسة هو عالم الاجتماع المرموق علي الوردي ،وكتابه عن نظرية ابن خلدون هو من أفضل الأعمال التي شرحت ابن خلدون ويسّرت فهم نظريته، وأحاطت بالظروف التاريخية التي وضع فيها العلامة ابن خلدون نظريته الشهيرة، فالكتب والدراسات والمقالات التي ظهرت حول ابن خلدون إلى يومنا هذا عقدت مقارنات بينه وبين رواد علم الاجتماع في العصر الحديث من أمثال مكيافلي وفيكو ومونتسكيو وهيجل وماركس وكونت وسبنسر ودركاهايم وتارد لإظهار وتبيان ما كان لابن خلدون من فضل وأسبقية على أولئك الرواد في تأسيس علم الاجتماع بينما منهج الوردي وبحثه يدور حول ناحيتين من نظرية ابن خلدون الأولى دراسة المنطق الذي جرى عليه تفكير ابن خلدون عند إنشاء نظريته والثانية دراسة العوامل الفكرية واللافكرية التي ساعدته على إنشائه.يعتبر الوردي أهم ما قام به ابن خلدون في تاريخ الفكر الاجتماعي انه قام بأول محاولة جدية للنزول بالفلسفة من عليائها وللدخول بها في معترك الحياة الواقعي. ومما يجدر بنا ذكره هنا البعد الإيماني والديني الأصيل في نظرية ابن خلدون في النشاط المعرفي، والرؤية التربوية، وحركة التاريخ على سبيل المثال لا الحصر. يتحدث ابن خلدون في مقدمة له بعنوان (الإنسان جاهل بالذات عالم بالكسب) عن الفكر و ثلاثة أنماط من النشاط العقلي الذي يمارسه الإنسان ويطرح جوانب عديدة من تصوره لنظرية المعرفة، ولا يكاد وهو يتوغل في الموضوع أن يفارق طريقته التي اعتادها: الإحساس الدائم بالحضور الإلهي المستمر في التاريخ، والاستشهاد بآيات من كتاب الله وهما أمران لهما دلالتهما على عمق المعنى والرؤية الدينية لدى ابن خلدون (قد بينا أن الإنسان من جنس الحيوانات وأن الله تعالى ميزه عنها بالفكر الذي جعل له، يوقع به أفعاله على انتظام وهو العقل التمييزي، أو يقتنص به العلم بالآراء، والمصالح والمفاسد من أبناء جنسه وهو العقل التجريبي، أو يحصل به في تصور الموجودات غائبا وشاهدا على ما هي عليه وهو العقل النظري. وهذا الفكر إنما يحصل له بعد كمال الحيوانية فيه. ويبدأ من التمييز، فهو قبل التمييز من النطفة والعلقة والمضغة، وما حصل له بعد ذلك فهو بما جعل له الله في مدارك الحس والأفئدة التي هي الفكر. قال تعالى في الامتنان علينا (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)، فهو في الحالة الأولى قبل التمييز فقط لجهله بجميع المعارف، ثم تستكمل صورته بالعلم الذي يكتسبه بآلاته فتكمل ذاته الإنسانية في وجوده. وانظر إلى قوله تعالى مبدأ الوحي إلى نبيه (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم)»، أي اكسبه من العلم ما لم يكن حاصلا له، بعد أن كان علقة ومضغة فقد كشفت لنا طبيعته وذاته ما هو عليه من الجهل الذاتي والعلم الكسبي، وأشارت إليه الآية الكريمة تقرر فيه الامتنان عليه بأول مراتب وجوده وهي الإنسانية وحالتاها الفطرية والكسبية في أول التنزيل ومبدأ الوحي وكان الله عليما حكيما). إن رؤيته الدينية لا تفارق منهجه في الاستقرار والتحليل وهو يطرح مقولاته ويبرهن عليها في مقدمته عن مسائل مختلفة تتعلق بصيرورة الواقعة التاريخية، ونشاط الجماعات البشرية وعوامل تكوينها ومؤثرات سلوكها التاريخي إننا نلتقي في تمهيده للمقدمة بهذا المقطع (اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. و الأنبياء في سيرهم. و الملوك في دولهم و سياستهم. حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة و معارف متنوعة و حسن نظر و تثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق و ينكبان به عن المزلات و المغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل و لم تحكم أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و لا قيس الغائب منها بالشاهد و الحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور و مزلة القدم و الحيد عن جادة الصدق و كثيراً ما وقع للمؤرخين و المفسرين و أئمة النقل من المغالط في الحكايات و الوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً و لم يعرضوها على أصولها و لا قاسوها بأشباهها و لا سبروها بمعيار الحكمة و الوقوف على طبائع الكائنات و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق و تاهوا في بيداء الوهم و الغلط و لا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال و العساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب و مطية الهذر و لا بد من ردها إلى الأصول و عرضها على القواعد.)

 

لقد مزج ابن خلدون الإيمان بقوانين علم الاجتماع. ورسخ المنهج الاستقرائي أي دراسة الأشياء على الواقع كما هي وليس بموجب خيالات أو افتراضات ذهنية كما جاء في مدينة أفلاطون أو الفارابي المثالية. والمنهج (الاستقرائي) قرآني كما أشار إليه محمد إقبال في كتابه (تجديد التفكير الديني) ولو لم يشق المسلمون الطريق إلى المنهج)الاستقرائي) لانحبس الفكر الإنساني عند فلسفة أرسطو ومنهجه (الاستنباطي) وهو الذي حرر أوروبا حينما نادى فرانسيس بيكون بالتخلص من منهج العقل الأعظم ويعني أرسطو ومنهجه. وهذا لا يعني إلغاء منهج أرسطو الكامل بل تكامله مع المنهج الاستقرائي. فنحن يجب أن نتعامل مع الواقع وفق قوانين عمله وليس افتراض أشياء من عندنا نتصور أن الكون يعمل بموجبها وما هو بفاعله حسب تعبير الدكتور خالص جلبي. لذا كان التفكير بهذا الاتجاه حكيم وعملي واقتصادي. ولم تكن كشوفاته في علم الاجتماع من الطابع الاسترسالي الإنشائي الطويل.

 

ولقد قال عنه بعض الباحثين في آثاره ومواقفه الأدبية، بأنه يعتَبر في طليعة أدباء القرن الثامن الهجري، الذي حرر الأدب العربي من تحكّم البيان اللفظي، وأعتقه من أغلال السجع. لقد تمكن ابن خلدون بقلمه السيال وقوته المفكرة من النهوض بالأدب، وجعله حراً يضطلع برسالته في روية وإبداع وجمال الألفاظ، وبراعة  التراكيب، وسبك المعاني المتوخاة التي يدور حملها على محور الإفادة ودقة التصوير، وفي كل أدب حي واقعي يساير الحياة ويندمج فيها ويتفاعل مع معطياتها.

وما زالت الكثير من الأفكار الخلدونية تتمتع بالصمود حتى اليوم مثل(آلية السوق) و(آلية الحكم) وأثر (العدل) في ديمومته، وهو الذي حدد عمر الدولة بثلاثة أجيال في 120 سنة وهو الذي تحدث عن (نظرية التطور).

 

وخلاصة القول إن الفكر الخلدوني، أثر ممتد في الفكر الإنساني،وهو فكر إصلاحي بامتياز، مؤسس على خبرة حياتية ثرية وثقافة فكرية عميقة.إن راهنية خطاب الإصلاح، وضرورة تقدمنا نحو مواقع فعالة ومؤثرة في المشهد العالمي، تتطلب منا العكوف على تقصى إمكانيات الإفادة من الطروحات الخلدونية، واستثمارها في التعامل مع الإشكاليات التي نواجهها ونحن نسعى إلى تجديد فكرنا وحياتنا ومجتمعاتنا. ما أحوجنا اليوم إلى الرجوع إلى الأساس الذي وضعه ابن خلدون لعلم الاجتماع ونزيل عنه التراب ونلقحه بمفاهيم ونظريات اجتماعية جديدة من اجل بناء علم اجتماع خاص بنا ويلائم المجتمع الذي نعيش فيه.

 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE