الـلون هــو الوسيلة القادرة على
طــرح الـرغبة
حـوار مـع الفنان التشكيلي
كــولـوز سليمـان
أجرى
الحوار: فـراس محمّـد
البداية هي ممارسة طـقوس لغة
العشق الأولى .. البداية طائر
يُمارس التّحليق
في الذاكرة . ماذا تُحدثنا عـن
فضاء اللهفة : البدايـة ؟
.. كانت البداية مع الذات .. حيث
كنت أعيش ساعات طويلة مع نفسي ،
أتحدث فيها
مع شخص آخر ، ربما كان امتدادي في
ذاتي .. وكانت العُزلة " الوحشة "
تفرض عليّ
أن أخاطب هذه الذات باستمرار ،
وأن أتصور عوالم كثيرة ، كنت أجد
نفسي ملكاً ،
أو لصِاً ، أو مُحارباً ، أو أي
شيء آخر ؛ كل هذه التصورات قادتني
للبحث
والتمعن فيما أُريد أن أكونه .
ومنذ الطفولة كنت انظر إلى ما
حولي ، وأسوق نفسي
إلى تساؤلات غريبة ، حتى أنني
أتذكّر تفاصيل كثيراً لتلك
الطفولة ، كنت أنظر
إلى السماء بافتتان كبير ، وخوف
أكبر ، كانت السماء عالمي الواسع
، فضاء لهفتي
الأولى .. كانت السماء تمنحني
مساحة للهرب من قسوة أبي ، وكثرة
البطون الجائعة
في عائلة ضخمة ، وأستطيع أن
أتذكّر باستغراب قدرتي على خلق
حالة من الألفة مع
الأمكنة الضيقة ، والمعتمة الرطبة
.
.. وهكذا وجدتُ نفسي في وقت واحد
في عالمين متناقضين : السّعة
والضّيق .. كانت
بدايتي مع واقع لا يتقبّل الفن ،
لذا قطـفت لهفتي من السماء ،
وتغيُّر لون
الجبل المطل على عامودا باستمرار
، وعلى مدار يوم من التشرّد
والألم .. وانطبعت
في ذاكرتي جمال الصّحن الوحيد على
مائدة الطعام ، والسرير المُشترك
للعائلة ،
وطقوس النسوة في الصباحات الباكرة
، إظافة إلى طقوس الأعياد القلية
" لم نكن
نجيد الفرح على كل حال " .. بعد
هذا لم يكن لي سوى الرسم ، الرسم
على الطين ،
والورق ، أمّا اللوحة فكانت فيما
بعد .
. اللون بكثافته الدافئة ،
وبعبثيته فوق مسـاحة اللوحة ،
تدفعنا للغوص إلى
قــاع الدّهشة، ألوانـك بانوراما
جهات تفقد أبعادها ، ماذا يمكـن
أن تحدثنا عن
علاقـتك باللون ، وماذا عن حوارية
الألوان ؟
.. برأيي اللون هو الوسيلة
القادرة على طرح الرغبة . وقد كنت
أدرك منذ البداية
بأن اللون هو سرير اللوحة ،
راحتها وتعبها . كانت علاقتي به
مميزة . تقمّصت
اللون بتلذذ كبير .. كان ثقيلاً
تارة ، وخفيفاً تارة أُخرى ، لقد
جعلته سلاحاً
سحرياً للتحوّل من الظلمة إلى
النور ، وشعرت بكابوسهِ الكامن
خلف مظهره المُغري
.. أدركت فيما بعد صعوبة التعامل
معه ، وأدركت بأنّه ليس مطواعاً
كما يتصوره
البعض ، فهو قادر على منحك الكثير
من الألم ، والكثير من النشوة ،
وهذا من
أسراره التي لا يمنحها إلاّ لمن
يُـقدِّم إليه لجوئاً عاطفياً .
في البداية كان
اللون إغواءً لا يوحي إلاّ
بالطمأنينة ، والتمتع ، رغم هياجه
الداخلي العنيف ،
الذي يشبه تماماً بركاناً داخل
الماء .. فأقمت مع اللون علاقة
حُـبّ ، رغم
إدراكي لخطورة هذه العلاقة . لكن
يمكن أن أقول ببساطة بأنني أحببت
اللون في
علبته ، وأحببته على المزّاجة ،
وأحببته وهو مفترش على مساحة
اللوحة ، وأحببته
أيضاً وهو يفترش صفحة يدي . عندما
كنت أبدأ الّرسم ، كنت أتذكّر كل
ما قاله "
ماتيس " أو " مونييه " أو " فان
كوخ عن اللون ، لكن سرعان ما كنت
أنسى كل ما
قرأته ، وأدخل الصراع وحدي دون
معين ، فيتحوّل اللون الجميل الذي
يشبه وجه
حسناء إلى وجه ساخر فظيع ، وأكتشف
- ربما مُتأخراً - أنني تورّطت
عاطفياً ،
وأكتشف بأن هذه المحبة لم تـفدني
بشيء ، سوى جرّي إلى اللعبة ..
لعبة الرغبة ،
وخيبة الأمل ، لأن معرفتي لم
تُـسعف شغفي باللون .. لا
بعلاقاته المتجانسة، ولا
والمتناقضة . كان الارتقاء هاوية
، وكان اللون محاولة يائسة لظهوري
، لذا لم
يـقدني اللون إلاّ للتيه ، ولم
أخرج من لعبته إلاّ برائحة "
التربنتين " ( سائل
تمزج به الألوان لتتمدد ) . ومع
التقادم ، وهبني اللون رائحته
الخاصة ، كتعويض
عن وهني ، واستسلامي لقوانينه
المُجحفة .
. الأجساد في فوضويتها ، تحاول أن
تؤسس جغرافيا خاصة بها . وجوه
يسكنها
الانكسار .. أطراف ملتوية بطريقة
مُـؤلمة ، ثمة من يحتفي بالخراب
الجميل ..
بالـهزائم ، والقيامة القـادمة ..
هل لك أن تترجم لنا لغة الجسد على
اللوحـة ؟
.. لقد قرأت مرّة بأن " الفنان لا
يرسم جسداً ، بل يرسم حياة هذا
الجسد " ، ثم
تساءلت : ماذا سيحدث لو خرجت
الأجساد من جغرافيتها وأصبحت
متطاولة ( إذاً ماذا
سنفعل بالسلالم ) ، ما أريد قوله
هنا ، هوأنني لا أريد أن أحقق
رغبة بالتطاول
، فطولي لا بأس به ، وكما قلت أنت
هو الألم ،ولاشيء غير ذلك ، أو
إذا شئت
فالأجساد في اللوحة تروي قصة
ألمها وخرابها . ما أريد قوله
باختصار هو أن الجسد
مثل اللون ، يُغري بمفاتنه ، ولا
تستطيع أن تواجهه إلا بالسُّخرية
المـُعبّرة .
لا أريد أن أبتعد عن الواقع ،
فهناك من يحرس حياتي ! كما لا
أستطيع أن أدّعي
بأنني أرسم أجساداً ، لكنني
أستطيع أن أدّعي بأنني أرسم هذه
العلاقات
المتشابكة للإنسان ، وأساهم بدوري
في هذه الفوضى ، وهذا الألم ،
لأنني نفسي لا
أستطيع أن أتخلّص من هذا الاضطراب
، وهذه الحركة التي تمنع الجسد من
أن
يستقرعلى وضع مثالي ، ففي حرارة
الشّعور ، وبرودة الذوق يتقلّص كل
شيء ،
ويتمدد على حساب كل شيء .
o المكان.. ضـفة الـنزيف والنشيد
، نكهة الحلم المتاخم للذاكرة ،
ومرثية
المواعيد على ضفاف الخابور .
عامودا امرأة ، تمــنحك السقوط
نحو قلبك . هل لك
أن تزيح الغبار عن نوافذ الذاكرة
، لتحدثنا عن المكان ؟
.. عامودا حالة سريالية .. حالة
تشبه الخُرافة . لقد أحببتها كما
لم أحب مدينة
أخرى ، وإذا كانت جميع مدن العالم
تتغير ، وتتحوّل باستمرار ، فأنّ
مدينة
عامودا لاتتغير. لا تزال عامودا
سيدة الرغبة ، والرهبة ، لا زالت
شواهد قبورها
على التل تحتفي بالزائرين .
وأستطيع أن أتذكر قول أحدهم عن
عامودا : " سوبارتو
تراتيلهم المُـقدّسة .. ما زالت
إلى الآن مدينة الحرائق والمتاهات
، والضياع .
.. عشت في عامودا سنوات ، لم
يغريني فيها التراب ، ولا الساحات
الشاسعة الممتدة
إلى تخوم الصمت . لقد أنفقت فيها
الكثير من السنوات ، وضحيت بها
مرغماً .. لم
تمسح على شعري ( لقد فقدت الكثير
من شعري مُـؤخراً ) ، ولم تقدِّم
لي سوى النوم
جوعاً . كانت علاقتي جيدة
بخباياها ، بزواياها .. بالعشب
الذي ينبت في بدايته
.. بالفصول المتعاقبة عليها ،
بالمطر والبرد ، والحر الشديد ،
وبحكايات جدّتي
الخُـرافية ، التي افترست مُخيلتي
، وجعلتني أخاف الليل والأماكن
المظلمة ،
والأشباح التي تتسكع في الليل ..
هكذا كانت عامودا دائماً وطناً
لأكثر من منفى
، وأكثر من جنون .
.الفكـرة نيغاتيف لوحة لم تكـتمل
، أو هي هاجـس الجنون في لحظة
هروب مـن
الذات .. هـي حالة بدائية لممارسة
طقـوس الصلاة أو الرقـص ، ما هي
الفكرة برأيك
، ومتى تمنحها جواز سفـر إلى
اللوحـة ؟
.. نعم ، قد تكون الفكرة حالة
بدائية .. غريزة إنسانية ، أو
رغبة لا شعورية .
الفكرة لدي محاولة جادة لمحاصرة
حالة الوهم والعبث ، وفوضى الحياة
، لذلك عندما
أرسم ، أواجه اللوحة بالخفة .
برأيي اللوحة ليست مخططاً لمنزل
يُراد بنائه ..
ما أقصده هنا أنّ الفكرة مُتأخّرة
، ولا تسبق انجاز اللوحة ، كما لا
نستطيع أن
نُـفضّلها على العمل الفني .. فلو
أجهدت نفسي في البحث عن الفكرة ،
فأنه لا
يعود ثمّة داعٍ للرسم ، ما أعنيه
إنّ الرغبات اللاشعورية ، التي
تظهر على
اللوحة ، ليست سوى رغبات لم تتحقق
، فلو تحققت الرغبة في العمل
الفني ، بمعنى
آخر إذا نظرنا إلى الواقع الذي
ستكون عليه اللوحة ، أو
التصورالذي يسبق إنجاز
اللوحة يجعل اللوحة كائناً
مُشوّهاً ، أو أنّه سيولد ميتاً .
التركية ، وهي أيضاً مدينة الفنان
.
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع