Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 
الـلون هــو الوسيلة القادرة على طــرح الـرغبة
حـوار مـع الفنان التشكيلي كــولـوز سليمـان



أجرى الحوار: فـراس محمّـد


البداية هي ممارسة طـقوس لغة العشق الأولى .. البداية طائر يُمارس التّحليق
في الذاكرة . ماذا تُحدثنا عـن فضاء اللهفة : البدايـة ؟

.. كانت البداية مع الذات .. حيث كنت أعيش ساعات طويلة مع نفسي ، أتحدث فيها
مع شخص آخر ، ربما كان امتدادي في ذاتي .. وكانت العُزلة " الوحشة " تفرض عليّ
أن أخاطب هذه الذات باستمرار ، وأن أتصور عوالم كثيرة ، كنت أجد نفسي ملكاً ،
أو لصِاً ، أو مُحارباً ، أو أي شيء آخر ؛ كل هذه التصورات قادتني للبحث
والتمعن فيما أُريد أن أكونه . ومنذ الطفولة كنت انظر إلى ما حولي ، وأسوق نفسي
إلى تساؤلات غريبة ، حتى أنني أتذكّر تفاصيل كثيراً لتلك الطفولة ، كنت أنظر
إلى السماء بافتتان كبير ، وخوف أكبر ، كانت السماء عالمي الواسع ، فضاء لهفتي
الأولى .. كانت السماء تمنحني مساحة للهرب من قسوة أبي ، وكثرة البطون الجائعة
في عائلة ضخمة ، وأستطيع أن أتذكّر باستغراب قدرتي على خلق حالة من الألفة مع
الأمكنة الضيقة ، والمعتمة الرطبة .
.. وهكذا وجدتُ نفسي في وقت واحد في عالمين متناقضين : السّعة والضّيق .. كانت
بدايتي مع واقع لا يتقبّل الفن ، لذا قطـفت لهفتي من السماء ، وتغيُّر لون
الجبل المطل على عامودا باستمرار ، وعلى مدار يوم من التشرّد والألم .. وانطبعت
في ذاكرتي جمال الصّحن الوحيد على مائدة الطعام ، والسرير المُشترك للعائلة ،
وطقوس النسوة في الصباحات الباكرة ، إظافة إلى طقوس الأعياد القلية " لم نكن
نجيد الفرح على كل حال " .. بعد هذا لم يكن لي سوى الرسم ، الرسم على الطين ،
والورق ، أمّا اللوحة فكانت فيما بعد .

. اللون بكثافته الدافئة ، وبعبثيته فوق مسـاحة اللوحة ، تدفعنا للغوص إلى
قــاع الدّهشة، ألوانـك بانوراما جهات تفقد أبعادها ، ماذا يمكـن أن تحدثنا عن
علاقـتك باللون ، وماذا عن حوارية الألوان ؟

.. برأيي اللون هو الوسيلة القادرة على طرح الرغبة . وقد كنت أدرك منذ البداية
بأن اللون هو سرير اللوحة ، راحتها وتعبها . كانت علاقتي به مميزة . تقمّصت
اللون بتلذذ كبير .. كان ثقيلاً تارة ، وخفيفاً تارة أُخرى ، لقد جعلته سلاحاً
سحرياً للتحوّل من الظلمة إلى النور ، وشعرت بكابوسهِ الكامن خلف مظهره المُغري
.. أدركت فيما بعد صعوبة التعامل معه ، وأدركت بأنّه ليس مطواعاً كما يتصوره
البعض ، فهو قادر على منحك الكثير من الألم ، والكثير من النشوة ، وهذا من
أسراره التي لا يمنحها إلاّ لمن يُـقدِّم إليه لجوئاً عاطفياً . في البداية كان
اللون إغواءً لا يوحي إلاّ بالطمأنينة ، والتمتع ، رغم هياجه الداخلي العنيف ،
الذي يشبه تماماً بركاناً داخل الماء .. فأقمت مع اللون علاقة حُـبّ ، رغم
إدراكي لخطورة هذه العلاقة . لكن يمكن أن أقول ببساطة بأنني أحببت اللون في
علبته ، وأحببته على المزّاجة ، وأحببته وهو مفترش على مساحة اللوحة ، وأحببته
أيضاً وهو يفترش صفحة يدي . عندما كنت أبدأ الّرسم ، كنت أتذكّر كل ما قاله "
ماتيس " أو " مونييه " أو " فان كوخ عن اللون ، لكن سرعان ما كنت أنسى كل ما
قرأته ، وأدخل الصراع وحدي دون معين ، فيتحوّل اللون الجميل الذي يشبه وجه
حسناء إلى وجه ساخر فظيع ، وأكتشف - ربما مُتأخراً - أنني تورّطت عاطفياً ،
وأكتشف بأن هذه المحبة لم تـفدني بشيء ، سوى جرّي إلى اللعبة .. لعبة الرغبة ،
وخيبة الأمل ، لأن معرفتي لم تُـسعف شغفي باللون .. لا بعلاقاته المتجانسة، ولا
والمتناقضة . كان الارتقاء هاوية ، وكان اللون محاولة يائسة لظهوري ، لذا لم
يـقدني اللون إلاّ للتيه ، ولم أخرج من لعبته إلاّ برائحة " التربنتين " ( سائل
تمزج به الألوان لتتمدد ) . ومع التقادم ، وهبني اللون رائحته الخاصة ، كتعويض
عن وهني ، واستسلامي لقوانينه المُجحفة .

. الأجساد في فوضويتها ، تحاول أن تؤسس جغرافيا خاصة بها . وجوه يسكنها
الانكسار .. أطراف ملتوية بطريقة مُـؤلمة ، ثمة من يحتفي بالخراب الجميل ..
بالـهزائم ، والقيامة القـادمة .. هل لك أن تترجم لنا لغة الجسد على اللوحـة ؟

.. لقد قرأت مرّة بأن " الفنان لا يرسم جسداً ، بل يرسم حياة هذا الجسد " ، ثم
تساءلت : ماذا سيحدث لو خرجت الأجساد من جغرافيتها وأصبحت متطاولة ( إذاً ماذا
سنفعل بالسلالم ) ، ما أريد قوله هنا ، هوأنني لا أريد أن أحقق رغبة بالتطاول
، فطولي لا بأس به ، وكما قلت أنت هو الألم ،ولاشيء غير ذلك ، أو إذا شئت
فالأجساد في اللوحة تروي قصة ألمها وخرابها . ما أريد قوله باختصار هو أن الجسد
مثل اللون ، يُغري بمفاتنه ، ولا تستطيع أن تواجهه إلا بالسُّخرية المـُعبّرة .
لا أريد أن أبتعد عن الواقع ، فهناك من يحرس حياتي ! كما لا أستطيع أن أدّعي
بأنني أرسم أجساداً ، لكنني أستطيع أن أدّعي بأنني أرسم هذه العلاقات
المتشابكة للإنسان ، وأساهم بدوري في هذه الفوضى ، وهذا الألم ، لأنني نفسي لا
أستطيع أن أتخلّص من هذا الاضطراب ، وهذه الحركة التي تمنع الجسد من أن
يستقرعلى وضع مثالي ، ففي حرارة الشّعور ، وبرودة الذوق يتقلّص كل شيء ،
ويتمدد على حساب كل شيء .

o المكان.. ضـفة الـنزيف والنشيد ، نكهة الحلم المتاخم للذاكرة ، ومرثية
المواعيد على ضفاف الخابور . عامودا امرأة ، تمــنحك السقوط نحو قلبك . هل لك
أن تزيح الغبار عن نوافذ الذاكرة ، لتحدثنا عن المكان ؟

.. عامودا حالة سريالية .. حالة تشبه الخُرافة . لقد أحببتها كما لم أحب مدينة
أخرى ، وإذا كانت جميع مدن العالم تتغير ، وتتحوّل باستمرار ، فأنّ مدينة
عامودا لاتتغير. لا تزال عامودا سيدة الرغبة ، والرهبة ، لا زالت شواهد قبورها
على التل تحتفي بالزائرين . وأستطيع أن أتذكر قول أحدهم عن عامودا : " سوبارتو
تراتيلهم المُـقدّسة .. ما زالت إلى الآن مدينة الحرائق والمتاهات ، والضياع .
.. عشت في عامودا سنوات ، لم يغريني فيها التراب ، ولا الساحات الشاسعة الممتدة
إلى تخوم الصمت . لقد أنفقت فيها الكثير من السنوات ، وضحيت بها مرغماً .. لم
تمسح على شعري ( لقد فقدت الكثير من شعري مُـؤخراً ) ، ولم تقدِّم لي سوى النوم
جوعاً . كانت علاقتي جيدة بخباياها ، بزواياها .. بالعشب الذي ينبت في بدايته
.. بالفصول المتعاقبة عليها ، بالمطر والبرد ، والحر الشديد ، وبحكايات جدّتي
الخُـرافية ، التي افترست مُخيلتي ، وجعلتني أخاف الليل والأماكن المظلمة ،
والأشباح التي تتسكع في الليل .. هكذا كانت عامودا دائماً وطناً لأكثر من منفى
، وأكثر من جنون .

.الفكـرة نيغاتيف لوحة لم تكـتمل ، أو هي هاجـس الجنون في لحظة هروب مـن
الذات .. هـي حالة بدائية لممارسة طقـوس الصلاة أو الرقـص ، ما هي الفكرة برأيك
، ومتى تمنحها جواز سفـر إلى اللوحـة ؟

.. نعم ، قد تكون الفكرة حالة بدائية .. غريزة إنسانية ، أو رغبة لا شعورية .
الفكرة لدي محاولة جادة لمحاصرة حالة الوهم والعبث ، وفوضى الحياة ، لذلك عندما
أرسم ، أواجه اللوحة بالخفة . برأيي اللوحة ليست مخططاً لمنزل يُراد بنائه ..
ما أقصده هنا أنّ الفكرة مُتأخّرة ، ولا تسبق انجاز اللوحة ، كما لا نستطيع أن
نُـفضّلها على العمل الفني .. فلو أجهدت نفسي في البحث عن الفكرة ، فأنه لا
يعود ثمّة داعٍ للرسم ، ما أعنيه إنّ الرغبات اللاشعورية ، التي تظهر على
اللوحة ، ليست سوى رغبات لم تتحقق ، فلو تحققت الرغبة في العمل الفني ، بمعنى
آخر إذا نظرنا إلى الواقع الذي ستكون عليه اللوحة ، أو التصورالذي يسبق إنجاز
اللوحة يجعل اللوحة كائناً مُشوّهاً ، أو أنّه سيولد ميتاً .



التركية ، وهي أيضاً مدينة الفنان .
 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE