| |
النظم
الفاسدة
النظام السوري نموذجا .
.غسان المفلح
لن أتحدث عن آليات الفساد فقد أسهب
الكثيرون في الحديث عن الفساد في سوريا
وأهم من كتب عن آليات الفساد أستاذنا
الدكتور طيب تيزيني وسماها ثلاثية الفساد
. ولن أقول أن الفساد في سوريا هو نظاما
وليس ظاهرة , سلطة وليس ممارسة سلطوية
جزئية بل هو : السلطة عينها في كل تفاصيل
الحياة السورية . ويستطيع أي مراقب أو
مواطن أن يتلمس الفساد في كل زاوية من
زاويا المجتمع السوري / المعارضة ربما
تكون أقل فسادا فهي ليست خارج المجتمع ,
والفساد هنا بات ينتج المجتمع فكيف لمجتمع
ينتجه الفساد أو يعيد إنتاجه أن يكون أو
أن يصبح مستقبلا ؟
والمجتمع لم يصبح مجتمعا بعد من الزاوية
المعيارية تاريخيا / كحال بقية المجتمعات
الأخرى , مهدد في وحدته , مهدد في دماء
أبنائه , وكأنه بات عصي عن التغيير ولسان
حاله يقول :
حاضر فاسد أفضل من مستقبل مجهول , كنت قد
كتبت منذ أيام السجن الطويلة وتناقشت مع
رفاقي في المعارضة : أنني أفضل تقسيم
الدولة السورية إلى دويلات صغيرة إذا كان
الخيار الآخر هو أن أرى نقطة دم واحدة من
مواطن سوري , ربما يرى بعضهم أن في كلامي
هذا نوع من المبالغة لكنها حقيقة تعتمل
تحت رماد الفساد : دولة فاسدة لن تنتج إلا
ثقافة فاسدة ومنها ثقافة الخوف وثقافة
الخوف الذي تحدث عنها الدكتور عبد الرزاق
عيد هي نفسها تتحول في غياب الدولة
وأجهزتها إلى ثقافة عنف / خصوصا إذا كنا
في مجتمع لازالت قيمه الطائفية والقومجية
تهدد وحدته دوما , وهي المعيار الأكثر
حضورا في الممارسة اليومية لأنها هي وجه
آخر من وجوه هذا الفساد . والسؤال الذي
حددنا موضوعنا على أساسه هو :
في المجتمعات الحديثة ماهو الرابط بين
السلطة أو النظام وبين الشعب أو المواطنين
؟
من المفترض أنه رابط قانوني ودستوري وطوعي
لهذا تنبث السلطة القانونية والدستورية في
تفاصيل المجتمع , ما الذي بثته السلطة
السورية في تفاصيل المجتمع السوري ؟
سرقة المال العام , الولاء بكل تدرجاته
السياسية والماقبل سياسية قبل القانون
وفوق القانون , بث القيم الطائفية علنا
وسرا , مجتمعا شهد حربا طائفية ضروسا حصدت
من دماء أبنائه عشرات الألآف ومدن فقدت
أحياء بكاملها/ حماه مثالا , ولكن هل تعلم
هذا المجتمع من درسه الخاص الذي عاشه :
منذ عام 1978 وحتى عام 1984 ؟ السلطة أو
سلطة نظام الفساد لم تكن تريده ولا تريده
أن يتعلم , فقيم التسامح لاتعلمها سلطة
غاشمة , تماما كقيم النزاهة في العمل
لاتعلمها سلطة لصوصية !! من مفارقة الجنون
السوري أن الطبقة الجديدة التي يمكن لها
أن تحمي وحدة المجتمع السوري هي طبقة
أبناء الفاسدين من الذين وجدوا أنفسهم في
الحياة وفي فمهم ملعقة من ذهب ودرسوا
وتعلموا في أرقى الجامعات وأصبحوا رجال
أعمال لهم أموال في كل بقاع الأرض ..هؤلاء
ربما نقول ربما مصالحهم تقتضي الحفاظ على
وحدة المجتمع السوري من الانهيار!!! ذنبهم
أم ليس ذنبهم في أنهم وجدوا أنفسهم في هذه
الوضعية هذا ليس موضوع نقاشنا الآن !!!!
رغم أهمية هذه الظاهرة في المجتمع السوري
؟
ومن المفارقات اللطيفة في المجتمع السوري
: أن الفقراء بقدر ما يتوقون للعدالة هم
مادة سهلة للإنخراط فورا في عجلة الفساد
والقيم المتخلفة من طائفية وعشائرية
وحماسة ( وطنية وإسلاموية ) ..الخ
وهذه تذكرني دوما بدفاع بعضهم عن أن
السلطة استخدمت الطائفة من أجل مصالحها
وليس هنالك مشروعا طائفيا ؟! بحجة أن
الفقراء كثر من الطائفة العلوية .. أظن أن
الفقر هو المرتع الأخصب لنمو الولاء
الديني والطائفي والعشائري وصولا إلى
مظاهر الشعوذة ..وهم الأكثر إمكانية
لانتاج ثقافة العنف . وستكون قضية المشروع
الطائفي مادة لدراسة مطولة أعمل عليها
ولكنني أحاول الاستفادة من كل الآراء كلما
كتبت شيئا ما عن هذا الأمر قبل أن تنجز
نهائيا وفي كل مرة نحاول الكتابة أنا
وكثيرون عن هذا الأمر نجد أنفسنا مضطرين
كي نبرر كتابتنا: وأننا لانقصد جماهير
الطائفة !! على الرغم أن هذا الأمر لا يجب
أن يكون عليه كل هذه الغيتوية المقدسة !!
والحديث يدور عن فاعل جماهيري طائفي ديني
وسياسي وليس عن المادة الجماهيرية هذا
أولا وثانيا في كل مرة علينا أن نوقع
توقيعا نتعهد فيه أننا لسنا طائفيين كما
وقعنا على عدم النضال ضد الرئيس الراحل
حافظ الأسد أثناء لحظة خروجنا من السجن
بعد إثني عشر عاما بالتمام والكمال وزيادة
شهرا كي نوقع ووقعنا خوفا من أن يعيدوننا
إلى سجن صيدنايا . لهذا الكتابة عن
الطائفية في سوريا أمر معقد وشائك وله
حساسيات كثيرة , ولكنني أرى أنه علينا
البحث فيه والحوار فيه حتى نعرف بعضنا
جيدا في المجتمع السوري الذي تربى على
ثقافة الخوف . ولكن لايمكن لمشروع طائفي
سواء كان علويا أو سنيا أو درزيا ..الخ في
سوريا إلا وسيكون مشروعا فاسدا .
مثالا صغيرا على الفساد المبرمج :
على مدار خمس وعشرون عاما الرئيس الراحل
يتصرف بمطلق الحرية وسرا بميزانية النفط
السوري ولا أحد من الشعب السوري يحق له أن
يسأل عن النفط مطلقا وأظن أن أستاذي
الدكتور عارف دليلة موجود في السجن لتعرضه
لهذه القضية كسبب من أسباب سجنه , ومكتب
الحبوب في سوريا يتسلمه أيضا بقرار رئاسي
طبعا مسؤول من الطائفة , ومكتب القطن في
سوريا كذلك الحال ..... ماذا بقي من
الاقتصاد السوري أرجو أن يقول لي أحدا
ماذا بقي من هذا الاقتصاد ..؟ لن أتحدث عن
الجيش والمخابرات ..الخ
وبين فساد كلية النظام بكل الفاعلين فيه
ومن كل طوائف المجتمع وبين البؤرة التي
تسيطر على شبكة الفساد والاقتصاد كله :
هنالك فارق مهم / مثال مصطفى طلاس لم يكن
يتسلم أية مهام نوعية سوى أنه واجهة في
وزارة الدفاع على مدار ثلاثة عقود ونيف
ومع ذلك كان سيد من فسد وأفسد ..
ولايعني هذا الأمر أن المشروع الطائفي هو
تخوين للطائفة أو هو تخوين لفقراءها بل هو
إدانة واضحة ومباشرة للنظام الفاسد من جهة
ومعرفة حقيقية للواقع الذي وصل إليه
المجتمع السوري
لكي يجعل صحيفة كا( الفيغاروالفرنسية )
تكتب بالبنط العريض / العلويون يخافون من
ضياع سلطتهم .
هذا بالضبط هو وجها من وجوه هذا النظام
الفاسد وعلى ذلك النموذج السوري في الفساد
هو نموذج خاص وعلينا قراءته متلبسا في
خصوصيته السلطوية والتاريخية , والابتعاد
قدر الإمكان عن المصطلح الجاهز .. كمصطلح
النظام الشمولي مثلا . كما قلت سابقا
لدينا في المجتمع السوري لغمان يجب
التعامل معهما بشفافية وحوار دائم وحذر
وهما :
الملف الطائفي والقضية الكردية ..وللحديث
بقايا ..!
|
|