|
الوفد
العشائري " الكردي " : آخر عروض السيرك
البعثي
شيرزاد عادل اليزيدي
في أخر مسرحية من مسرحياته السخيفة ذات
الإخراج الفاشل الردئ كالعادة بادر النظام
البعثي السوري مؤخرا إلى استدعاء مجموعة
من الذين أسماهم " وجهاء " العشائر
الكردية في سورية إلى دمشق في محاولة
سقيمة جديدة لتجاوز النخب السياسية
المدنية الوطنية في كردستان سورية ولاشك
أن النظام عبر هذه الخطوة الغبية التي تنم
عن قصر نظر سياسي فاضح وعن عجز كامل عن
مواكبة الأحداث الجسام واستيعاب حجم
المتغيرات الهائلة يأبى إلا أن يبرهن مرة
بعد مرة للسوريين عامة وللأكراد خاصة مدى
سخفه وضحالته وعبثيته الكارثية التي يترتب
عليها العبث بمصير شعوب ومجتمعات ودول
بأكملها عبر الرقص على " نغمات " أنين هذه
الشعوب وآهاتها فالنظام السوري يعتقد أنه
بهذه المسرحيات الهزلية سيتمكن من تسطيح
القضية الكردية وتقديمها في هيئة موضوعة
عشائرية تكمن سبل معالجتها تاليا في منح
الامتيازات الوجاهية لبضعة أنفار ممن
ليسوا حتى رؤساء عشائر ولا يحظون بأدنى
احترام حتى في صفوف عشائرهم المفترض أنهم
بزعم السلطة ممثلوها وزعمائها فكأن
الأكراد في سورية والحال هذه مجرد مجموعات
عشائرية وليسوا شعبا قائما بذاته ينتمي
إلى أمة عريقة هي الأمة الكردية ولديه
حركته الوطنية السياسية المعبرة عنه
والممثلة لمصالحه الوطنية العليا بعيدا عن
المصالح العشائرية والفئوية الضيقة .
والمثير للسخرية أن نظام دمشق المتذاكي
يحاول من خلال عشائرييه أولئك طمس وجود
ودور الحركة التحررية الكردية في كردستان
الغربية ( كردستان سورية ) والتي يعود
تاريخها إلى نصف قرن تقريبا فأول حزب كردي
( الحزب الديموقراطي الكردستاني ) في
سورية قد تأسس كما هو معلوم في 1957 ويكفي
هذه الحركة فخرا أنها دشنت وأسست ثقافة
ووعيا وطنيين ديموقراطيين عاليين في
المجتمع الكردي في سورية وكرست حراكا
سياسيا ديناميا نشطا رغم كل أشكال القمع
والقهر الممارسة بحقها ما أكسبها شرعية
ومصداقية في صفوف شعبها الكردي وعليه فهي
حركة وطنية متجذرة في أعماق بيئتها
الكردستانية وهي أسمى وأصلب من أن تهزها
ناهيك من أن تحل محلها مجموعة أشخاص
هامشيين وعديمي الوزن والتأثير في
المعادلة الوطنية الكردية السورية ممن لا
يملكون مطلقا أي مصداقية لدى الرأي العام
الكردي لا بل أن هؤلاء السادة الموفدين من
دمشق إلى دمشق هم بالمعنيين الوطني
والسياسي نكرات بعيدة كل البعد عن المعترك
النضالي والحراك السياسي الكردي والسوري
عامة وهم لا يعدون كونهم مجرد أدوات
معطوبة لا يستخدمها إلا نظام معطوب على
شاكلتها .
ولعل هذا التعاطي الساذج مع القضية
الكردية والذي تبدى في اختراع هذا الوفد
العشائري " العرمرم " يكشف كنه توجهات
وسياسات النظام السوري في المرحلة القريبة
القادمة الحبلى بالتطورات الدراماتيكية
العاصفة والاستحقاقات الداهمة الواجب
تنفيذها لاسيما لجهة الاستجابة لطلبات
لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال
رفيق الحريري والتعاون الكامل وغير
المشروط معها وواقع الحال أن لجوء النظام
السوري مجددا إلى إجراء تجارب مختبرية على
عيناته العشائرية المستهلكة إنما يشير
بجلاء إلى مدى تفاهة هذا النظام وتهافته
وعجزه وتاليا انسداد الآفاق تماما أمامه
ما يشي بهول الكارثة التي سيجرها نظام هذا
ديدنه على سورية والسوريين .
والمفارقة أن البعث السوري الذي ظل لعقود
يتشدق ليل نهار بالاشتراكية والتقدمية
ومحاربة الرجعية ... الخ ما تعج به
الترسانة الشعاراتية اللفظية للبعث ها هو
يكشف مرة أخرى عن وجهه الحقيقي فقد تقزمت
سلطة البعث " الاشتراكية التقدمية "
السائرة قدما في توحيد الأمة العربية
الواحدة ذات الرسالة الخالدة إلى سلطة
انفصامية فاقدة البوصلة تتوخى العزف على
الوتر الاسلاموي تارة وعلى الوتر العشائري
القبلي تارة أخرى في محاولة يائسة لوأد
إرهاصات التغيير الديموقراطي والحراك
المدني الشعبي المعارض في سورية بفعل
استهلاك النظام التسلطي كل ممكنات
الديمومة والبقاء ناهيك عن ممكنات الإصلاح
والتحديث وبفعل التحولات الديموقراطية
الكونية الضاغطة بعد الحرب الباردة وزلزال
جريمة الحادي عشر من سبتمبر ( آيلول )
2001 والواضح أن نظام دمشق إزاء كل ذلك
أخذ يعول على نفخ الروح في القيم
والمفاهيم والسلوكيات البالية وتكريس
الانتماءات والولاءات الماقبل مدنية
والماقبل وطنية من جهوية وقبلية وعشائرية
وفي هذا السياق تحديدا تندرج مهزلة هذا
الوفد العشائري العتيد الذي لا يعدو كونه
محاولة هزيلة ومثيرة للاشمئزاز لإعادة
إنتاج وتسويق البنى الكلاسيكية المهترئة
المتكلسة وتحديدا العشائرية منها بغية
إجهاض الحراك الشعبي السياسي المتصاعد في
كردستان سورية ( لاسيما بعد الانتفاضة
التاريخية في القامشلي وأخواتها من المدن
الكردية الصامدة في وجه ميليشيات وعصابات
الرعاع البعثي الاستيطاني المجرم ) والذي
هو بلا شك قاطرة الحراك المدني
الديموقراطي في عموم سورية .
صحيح أن اعتماد مقاربة سلمية سياسية لحل
القضية الكردية في سورية ربما يشكل عاملا
مساعدا على إخراج دمشق من ورطتها المزمنة
التي تتخبط فيها لكن الصحيح أيضا أن
الحركة السياسية الكردية استنادا إلى
شرعيتها الوطنية النضالية هي المخولة حصرا
( وليس أشباه زعماء العشائر إياهم )
بالتحدث باسم شعبها الكردي والتعاطي تاليا
مع السلطة السورية والتحاور معها إذ أن
القضية القومية للشعب الكردي هي قضية
سياسية ديموقراطية من الطراز الأول وهي
ليست بأي حال من الأحوال قضية تنازع
عشائري أو تنافس قبلي وهي قضية شعب وأرض
وحقوق قومية ووطنية مشروعة ومتسقة مع قيم
ومناخات العصر والحداثة والديموقراطية
وبالتالي لا يحق لشرذمة من الانتهازيين
والوصوليين ادعاء شرف النطق باسمها
وتمثيلها وعليه فالمطلوب من السلطة
السورية الكف فورا عن هذه الألاعيب
المخابراتية الرخيصة التي لا طائل منها
وعدم تضييع الوقت في هكذا عروض سيركية
مكرورة ومملة ستكون عواقبها وخيمة في
المحصلة على هذه السلطة وأذنابها فالحل
يكمن في التحاور مع الشعب الكردي ممثلا في
حركته الوطنية السياسية ومنظماته المدنية
وشخصياته الوطنية المستقلة لا أن تتحاور
السلطة مع نفسها عبر جلب هذا الوفد
العشائري الذي يضم في مجمله أشخاص مرتبطين
بأجهزة مخابرات السلطة ومعروفين لدى
القاصي والداني بعلاقاتهم المشبوهة مع
الجهات الأمنية المختلفة حتى أنهم لا
يخفون هذه الحقيقة بل ويتفاخرون بها على
رؤوس الأشهاد .
وختاما فان هكذا فبركات ومناورات
مخابراتية بلهاء لا تجدي نفعا في تشويه
عدالة القضية الكردية ومشروعيتها وهي لن
تزيد الشعب الكردي ممثلا في حركته الوطنية
السياسية سوى المزيد من العزيمة والإصرار
على المضي في نضاله السلمي الديموقراطي
وصولا إلى إحقاق حقوقه القومية المشروعة
في إطار سورية ديموقراطية اتحادية تعددية
وبما يسهم في خلق دولة ومجتمع مدنيين
حداثيين على أنقاض سلطة البعث الساعية إلى
إحياء العصبيات والعنصريات العشائرية
القبلية والدينية والاثنية و... واللعب
على تناقضاتها بما يتيح لها المضي في لعب
دور ضابط الإيقاع والراهن أن ما يفوت هذا
الأخير إدراكه وملاحظته أن إيقاعه الصاخب
والصارخ بدمويته وعنفه المتمادي قد بات
مصدر قلق وإزعاج وتهديد جدي للعالم بأسره
ولا ريب أن المجتمع الدولي جعل يدرك أكثر
فأكثر أن وقف هذا الإيقاع الشاذ يقتضي
بداهة وبداية الإيقاع بضابط الإيقاع إياه
.
|