Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 

المجتمع الدولي ومحور طهران - دمشق : المواجهة أو المواجهة

شيرزاد عادل اليزيدي

دأب النظامان المتحالفان في إيران وسورية على ترسيخ علاقتهما الإستراتيجية أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة ولعل الزيارات المكوكية المتبادلة لمسؤولي البلدين في الأشهر القليلة الماضية خير دليل على عمق هذه العلاقة المميزة التي تربط طهران بدمشق والتي تنطوي في جانب أساسي ومركزي منها على أبعاد وخلفيات مذهبية واضحة بيد أن أكثر ما يجمعهما ويوحدهما هو صدورهما عن عقلية انقلابية استبدادية وذهنية ثورجية تسلطية .
والواقع أن هذه العلاقة العضوية الإيرانية - السورية كانت قد خفتت جذوتها مع وصول سيد محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة في إيران في 1997 والذي كان يمثل التيار الإصلاحي المعتدل على علاته في النظام الإيراني الذي حاز على عشرين مليون صوت انتخابي حينها وحسبنا هنا عقد مقارنة سريعة ومفاضلة بسيطة بين محمد خاتمي والرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد حتى ولو اقتصرت هذه المقارنة على الهيئة الخارجية للرجلين فإنها تظهر بلا ريب مدى اعتدال ورزانة وحكمة خاتمي وعقلانيته قياسا إلى خلفه الذي يتحفنا بين الفينة والأخرى بنظرياته الطريفة وفتوحاته " الفكرية " الكبرى وكشوفاته التاريخية الخارقة المذهلة وهو قد زف إلينا مؤخرا بشرى تحول إيران إلى قوة عظمى ( على غرار الجماهيرية العظمى في ليبيا ) نقول أن علاقة إيران بسورية قد فقدت شيئا من زخمها مع انتخاب خاتمي وهذا تجلى أكثر ما تجلى في عودة المياه إلى مجاريها البعثية بين العراق وسورية في 1997 وهو العام عينه الذي وصل فيه خاتمي إلى الرئاسة حتى أن العلاقات بين دمشق وبغداد سرعان ما تطورت إلى تخوم التحالف والتنسيق في السنوات الأخيرة قبيل سقوط الفاشية البعثية في العراق فقد غدت دمشق في غمرة الحصار والنبذ الدوليين لنظام بغداد نافذة مفتوحة للإطلالات البهية لأركان ذلك النظام أمثال علي الكيماوي وغيره من رموز العهد البعثي البائد ممن تتوالى الآن فصول محاكماتهم على جرائمهم القذرة وارتكاباتهم الفظيعة .
على أن انفتاح وتقارب دمشق والى حد ما طهران من نظام صدام كان يهدف بالدرجة الأولى إلى توفير متنفس لذاك النظام المعزول والمتهالك بما يتيح بقاءه على قيد السلطة كنظام ضعيف ومهزوز يشكل حليفا موضوعيا لملالي طهران وبعثيي دمشق بل ويستجدي تحالف الطرفين معه ويخطب ودهما ما يجعل العراق ورقة لمساوماتهما ومقايضاتهما مع المجتمع الدولي ومشاكساتهما له وبما يتيح ابتزاز دول الإقليم بالبعبع الصدامي وتحديدا دول الخليج العربية منها .
والواقع أن سقوط نظام صدام وتحول الولايات المتحدة الأميركية إلى جار لصيق لكلا الحليفين العتيدين معطوفا على إخراج الجيش السوري وطرده من لبنان اثر جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وتزايد الضغط الدولي على إيران بعد وصول أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة خلفا لخاتمي ومضي طهران قدما في برنامجها النووي بما يوصلها إلى امتلاك الفنبلة النووية الأمر الذي يشكل كارثة ما بعدها كارثة ولتلمس كنه هذه الكارثة يكفينا أن نتخيل للحظة أن أحمدي نجاد يتوفر على قنبلة نووية فالواقع أن كل هذه العوامل والتطورات مجتمعة تدفع النظامين الحاكمين في سورية وإيران واللذين يديران ويرعيان شبكة من المنظمات والجماعات الإرهابية مباشرة ومداورة ويعتاشان على تعميم أجواء التوتر والاضطراب والقلاقل وإشاعة مناخات البؤس والفوضى وعدم الاستقرار تدفعمها وتحت وطأة الضغوط الدولية والإقليمية والداخلية المتراكمة والمتصاعدة إلى اعتماد خيار المواجهة الشاملة مع الأسرة الدولية ففي هذا السياق وفي تحرك استباقي قررت إيران إشعال جبهتها مع العالم عبر إعلانها المضي في تخصيب اليورانيوم ضاربة كل القواعد والقوانين الدولية الخاصة بمنع الانتشار النووي عرض الحائط متبجحة بحقها في ذلك في محاولة لتخفيف الضغوط على الجبهة الأخرى السورية فطهران تدرك أن سقوط النظام البعثي السوري الذي هو أداة متقدمة في يد نظام الملالي الكهنوتي في إيران أكثر منه ندا وشريكا لذاك النظام سيكون ضربة قاصمة لمشاريعها التوسعية وأحلامها الإمبراطورية في المنطقة وسيحرمها بالتالي من حليفها الوحيد بين دول المنطقة ما يضعفها بالضرورة ويقلص هامش حركتها ومناوراتها الإقليمية ويعزز تاليا من احتمالات ومحفزات التغيير في إيران نفسها وللحؤول دون ذلك فان طهران ودمشق تدفعان الأمور في اتجاهات خطرة ومدمرة وهذا ما تجلى واضحا في استغلالهما الانتهازي المنافق لقضية الرسوم الكاريكاتورية في الدانمارك عبر تورط الأجهزة المخابراتية السورية في إحراق سفارتي الدانمارك والنرويج في دمشق وضلوع الأجهزة إياها في الاعتداءات على السفارة الدانماركية وكنيسة مار مارون في الأشرفية في بيروت حتى أن المتندرين حينها أشاروا إلى " تلازم الحريقين" على غرار أسطوانة "تلازم المسارين" المبتذلة .
فنظاما دمشق وطهران لا يتورعان والحال هذه عن الدفع في اتجاه افتعال وتسعير أزمات إقليمية بل وعالمية في هيئة صراع حضارات وحرب ديانات بما يوفر لهما طوق نجاة من نهايتهما الحتمية البائسة كنظامين استبداديين معرقلين لآمال وطموحات شعبيهما وشعوب منطقة الشرق الأوسط برمتها في الاستقرار والسلام والازدهار وبناء دول ديموقراطية ومجتمعات مدنية حديثة وفاعلة وهما إذ " خسرا " لبنان كساحة مستباحة لهما طيلة فترة الاحتلال السوري المديد المدعوم والمسنود إيرانيا وإذ تستمر الجهود على قدم وساق في العراق بعد تنحية إبراهيم الجعفري بارتباطاته الإقليمية المعروفة عن رئاسة الوزراء تحو تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة التمثيل بما يحقق الاستقرار والتوازن بين الشيعة والسنة والأكراد وبما يقطع دابر الإرهاب المستشري مع ما يترتب على ذلك من تقليص وتحجيم فرص تدخل دول الجوار ولعبها على التناقضات العراقية وإذكاءها وهنا ليس سرا أن إيران هي اللاعب الإقليمي الأبرز في الوضع العراقي لاعتبارات عديدة لعل أهمها غياب الدور والحضور العربيين في المشهد العراقي وتقاعس العرب وعزوفهم عن دعم ومؤازرة تجربة العراق الجديد في البناء الوطني الديموقراطي والحق أن إيران وان بدت آنيا من أكثر المستفيدين والرابحين من سقوط طاغية بغداد إلا أن المرء بنظرة إستراتيجية متمعنة يمكنه الجزم بلا تردد أن إيران في واقع الأمر من أكبر المتضررين والخاسرين من تجربة التحول الديموقراطي في العراق شأنها في ذلك شأن باقي الأنظمة الاستبدادية التوتاليتارية الجاثمة على صدور شعوب هذه المنطقة منذ عقود وعقود وفي ظل الارتباك والمأزق الحاد الذي تتخبط فيه حماس في إدارتها للحكومة الفلسطينية فممارسة الحكم السديد والسلطة الرشيدة والتعاطي المسؤول مع العالم ومخاطبته بلغة عصرية والتفاعل الايجابي البناء مع المجتمع الدولي والتقيد بضوابطه وقوانينه وتأمين حيوات المواطنين وتسيير شؤون المجتمع وضبط تفاعلاته وتناقضاته في أطر سلمية وقانونية هي كلها مهام زمنية واقعية وسياسية بالتعريف لا تمت بصلة إلى المهام الميتافيزيقية الغيبية والأحلام الطوباوية الخيالية ولا إلى المشاريع والأوهام الآيديولوجية الكبرى وهي تشترط في الاضطلاع بها قوى مدنية حداثية وعقلانية تتوخى السياسة بما هي فن الممكن والمتاح وتجيد بالتالي قراءة الواقع واستيعاب آليات اشتغال النظام الدولي وطرائق الاندراج في متنه عبر تعقل استراتيجياته وتوازناته واشتراطاته وصولا إلى تحقيق المصالح الحقيقية والملموسة ( وليس المصالح الوهمية والمزيفة المرتبطة بمعارك التحرير والتوحيد الأبدية الخالدة ) لأي شعب ولأي وطن وهذا ما لا يتوفر بتاتا في حماس العاجزة عن الاضطلاع بهذه المهام المذكورة أعلاه والتي تستوجب لانجازها وتحقيقها ما هو أكثر من عدة حماس "الجهادية" المتمثلة في طوابير الانتحاريين اليائسين وفي بضعة محفوظات شعاراتية ساذجة تقسم العالم بكل أحداثه وقضاياه المعقدة والمتشابكة والمتداخلة إلى فسطاطي الإيمان والكفر .
يمكن القول والحال هذه أن طهران وتاليا دمشق إذ تتعرضان للانتكاسات والخسائر الفادحة السالفة الذكر فإنهما تعتمدان حيال ذلك سياسة الهجوم خير وسيلة للدفاع إزاء التصدعات التي أصابت وتصيب دورهما الإقليمي ذاك الدور الذي يشكل بالنسبة لهما شريانا حياتيا ومتنفسا وجوديا يتيح لهما تصريف احتقاناتهما الداخلية المتراكمة وتصدير أزماتهما المزمنة إلى الخارج .
وفي ضوء تضييق الخناق الدولي عليهما على خلفية البرنامج النووي بالنسبة لطهران وعلى خلفية جريمة اغتيال الحريري والعبث باستقرار لبنان بالنسبة لدمشق فضلا عن تصاعد التذمر المجتمعي من والرفض الشعبي لنظامي الحكم في سورية وإيران وفي هذا السياق فان للشعب الكردي في كلا البلدين ( عشرة ملايين في إيران وثلاثة ملايين في سورية ) دورا تأسيسيا ومفصليا في أي عملية تحول ديموقراطي مرتقب سواء في إيران أو في سورية وليس من غير دلالة في هذا المضمار قيام طهران مؤخرا بقصف قرى حدودية آمنة في كردستان العراق فضلا عن توغل جنودها في بعض هذه المناطق الحدودية وفي المقلب الآخر فان دمشق تواصل تعزيز وجودها العسكري في كردستان سورية مع تصعيدها وتيرة القمع السلطوي بحق الأكراد في سورية
ففي ضوء ذلك كله لا يسعنا القول إلا أننا أمام سياسة إيرانية - سورية قوامها إشعال الحرائق وتفجير البؤر المتوترة وإثارة البراكين الخامدة في هذه المنطقة المضطربة أبدا وهذه السياسة الصادرة عن عقلية "شبابية" ( نسبة إلى القيادتين "الشابتين" في طهران ودمشق ) طائشة وموتورة والمعززة بعدة بيادق في طول المنطقة وعرضها كالحزب الخميني وجبهة أحمد جبريل في لبنان وحركتي حماس والجهاد في فلسطين وأخيرا وليس آخرا " قاعدة بلاد الرافدين" وميليشيا "المهدي" في العراق هي سياسة انتحارية بامتياز وعليه فالأجدى بالمجتمع الدولي المبادرة فورا وحالا إلى كبح جماح هذه السياسة ( ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل في هذا الاتجاه هي التحضيرات في أروقة مجلس الأمن الدولي لقرارين دوليين أحدهما يلزم إيران بوقف نشاطاتها النووية تحت طائلة العقوبات وفق الفصل السابع والأخر يلزم سورية بترسيم حدودها مع لبنان بما فيها مزارع شبعا ) ووأدها في مهدها مهما كانت الأكلاف والتضحيات إذ أن التلكؤ والتردد في الحزم حيال هذه السياسة الكارثية المرعبة سيفضي إلى ما هو أنكى وأدهى : تفجير المنطقة الهشة أصلا بكل ما تحمله الكلمة من معنى وليس خافيا بطبيعة الحال أن الشظايا القاتلة للانفجار الشرق أوسطي الكبير ستطال العالم بأسره .






 




 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE