Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 

اللوحة..

ريزان علي عيسى

نهضَِ متثائباً، توجَّهَ صوبَ النَّافذةِ المطلِّةِ على فيضٍ من الشجرِ الكثيف. إيماءةٌ باهتةٌ في الفراغِ الكثِّ، تنفي المقدرة على التواصل. جلسَ على حافةِ سريرهِ، أشعلَ لفافة التبغ، متأمِّلاً تيه اللحظةِ. اللفافة ُويده اليتيمة، حميميةٌ تخففُ بعضاً ًمن غربةِ الروح. شاردةٌ تلك النظرة، في عتمةِ دخَّانِ التبغ، تكوَّر على نفسهِ والدخانُ يتسلَّقُ الجسد الهشَّ. تبدَّى سراباً، مرئيٌ وغائبٌ في اللحظةِ عينها، جسدٌ يؤكِّد المكان، ورحٌ تنفي كينونة َالزمن. اعتلى ناصيةَ الذهول. أربعةُ جدران من الطينِ العتيق، تسوِّرُ الفراغَ ، تكسيهِ سريراً صريرياً، ومكتبة ًمن الخشبِ النَخِر، تضمُّ كتباً قديمةَ، بدى أن بعضها غير مكتمل. خزانةٌ من الصفيحِ الصدئ ، داخلها سرابيلُ رثَّة ، بألوانٍ باهتة. قمصانٌ بأكمامٍ طويلة، كُمٌّ كاملٌ، وآخرَ مطويٌ من الوسط، ثلاثة من المرايا المقعرة وظفت هندسياً فيِ الفراغِ الكثّ، والخزانةُ الصفيحُ فقدت باباً من أبوابها. ثرثرةُ من الصمتِ الكليم. أثاثٌ تواطأ، ليُريَ الجسد مهانةَ الفقد.
خرجت الصورة عن صمتها، تقاطعت الخطوط الهندسية. المرآةُ الخِدعةُ، لم تعد تعكس اليد اليمنى في ركنها الأيسر، حِراكُ السَّاعد الأيمن كشف زيف المرئي، لتضعه شبحيةٌ الصُّورةِ وجهاً لوجه أمام سطوة الفقد. محاكمةُ النظرِ للأصلِ الغائبِ عن وعيِ المكان، وظاهرُ الشَّكلِ المسكونِ في المرايا. المرآةُ، موئلُ الظاهر، ومكاشفاتهِ لأسرارَ المرئي. حيلةُ استنباطِ وعيٍ مخادع. هربُ الشَّكلِِ من ظلِّ باطنهِ، صوبَ مخادعِ التوريةِ الخِدعة، ليتماها بوجودهِِ المحكومِِ بمقدرةِ الخطوطِ الهندسيةِ على ترويضهِ. التحمت نهاياتُ المرايا. بصيرة الرؤية، منحته المقدرة على سبر عوالم الخطوط، واكتشاف موروثها من فقه التورية الحيلة. أسمالُ الباطن كست الظاهرَ بوشمها، لتغدو اليدَ الظلّ، أكثرَ شبحيةً. حِراكٌ، أخذ منحى المواجهة، قبضةٌ حوَّلت مُُلتَحَدَ الشَّكلِ هشيماً، تذروهُ، رياحُ السَّمومِ الكامنِ مغاورَ الباطن، أرجاءَ المكانِ المسكونِ بمريديهِ. بات المكانُ قفراً، موحشاً. أسوارُ الطينِ الأحمرِ، المنضودِ بالحجر، تتراءى أصفاداً تكبِّلُ الروح. شَرَّع النافذة على حدود المتاهة، ليسمحَ بدخول الهواء الوله، حيرة اكتشافِ المرصودِ من الجهات. الهواءُ، صفيرُ الرَّبِ في استحضارِ حصيدِ الفناء. استنشق ملئ صدره. أحضر إحدى اللوحاتِ القديمة، كساها طلاءِ الأساسِ الأبيضِ. البياضُ غواية. حفَّز اللونُ الجامحُ خيالَ فكره المحمومِ بالشهوة. لم يكن قد ألِِفَ النقش َ بيدٍ واحدةٍ، انقطع تواصله مع اللون منذ أن فقد يدهُ اليسرى، شعرَ ببعضِ الحرج في مزجهِ وانتقائه. بدأت اللوحة تأخذُ مسارَ الشَّكل. الصورةُ باكورةُ الفكرِ في استنطاقِ ذاتهِ، وملاذُ الروحِ الهاربةِ من غلِّ الجسد.
بدت ألوانه صاخبةً متمرِّدة، تتحدَّثُ لغةً ألِفَ سماعها. تناغمٌ يحرر النقش من طوقِ العُزلة. أخذت الألوان دفةَ الفُلك لتَمخُرَ عُبابَ اليمِ وحدها. فقدَ المقدرةَ على كبحِ جماحِها، لم تسعفهُ أصابعُ اليدِ الوحيدة، تركها لنزوتها، ربما ترسو في برٍّ آمنٍ. الإبحارُ في فضاءِ اللوحةِ يحتاجُ يدين اثنتين. التوازنُ، شرطُ الرسوٍِ الآمن. يدهُ تخونه. تركَ الدفَّةَ منهاراً. انكبَّ على سريرهِ باكياً، الكلُ تواطأ على الخيانة، لم يعد قادراً على الصمودِ أكثر. أخرج تبغهُ، وأخذَ يرمِقُ اللوحةَ الجريحةَ بخوفٍ وخجل، صورةٌ مضرجةً بالأحمرِ القاني، بردٌ تسرب إلى أطرافه، كأنما يفقدُ دماً، نظرَ إلى يدهِ المبتورة، لم يكنِ الدمُ ينزُ منها. تدثَّرَ برداءٍ التقطهُ من على سريرهِ. أصدرَ السريرُ صريراً متقطعاً، الحُمى مِن جديد. نهضَ مترنحاً، أسندَ اللوحةَ إلى الجدارِ الطيني، ليواجهها بعينين باكيتين. لونٌ مُشكِلٌ، هو الأكثر عمقاً، والأغنى ذاكرةً. لونٌ تفرَّد باقتداره على تهييج مكامنِ النفسِِ واغوائها. الأحمر ظِلُّ الغاشيةِ السليطةِ على الخلقِ العاقِ. لونُ زَبدِ السعير. لوحة تتكلمُ بلسانِ حالِ الأحمر. نظرَ إليها ملياً، كأنما يهبِطُ جبَّاً لا قرارَ له. لوحةٌ مرآةِ ذاتٍ جريحة. نظرَ إليها مستبصراً نفسهُ للمرَّة الأولىَ.
الأحمرُ متمرِّدٌ بطبعهِ، لابدَّ له من ترويضهِ. هذا ما استنبطه من محاكمتهِ العقلية لطباعِ اللون. العملُ يصنفُ تجريداً، التحررُ من سطوةِ اللون يدرك بأسلوب النقش المِطواع. الطبيعة وحدها القادرة على منحهِ هامشاً من الحياد. أخذَ أدواته وتوجه صوبَ الدَّغل، يقطنُ في قريةٍ عُرِفت بجمالِ طبيعتها. أرادَ إيجاد موقعٍ مناسب، حقلُ الرؤية أكثرُ أهميةً من المرئي، تجوَّلَ مطولاً بين الشَّجر. ليختارَ موقعاً اِعتبره الأفضل. بدى المشهدُ خلاباً، أشجارٌ تنحدرُ صوبه، مياهٌ منسابةٌٌ بين الصخرِ والشجر. نَصَّبَ اللوحةَ، ليعاود محاكماتِه العقلية. غايته ترويض اللون وإذلاله، سَيُدَوِّنُ ظاهر الشَّكل، فالوعي قادرٌ على التعاطي مع الحالةِ دون تورط ٍعاطفي، دون حبٍّ أو كرهٍ أو تفضيل. نسخُ اللحظة بتجرُّدٍ عن الماضي، لتبدو حقيقيةَ وصادقةَ، بعيداً عن دلالةِ الموروث. بدأ صراعه مع الخط، لعلها آخرُ معارِكهِ. انسلَّ الزمن سريعاً بين ريشتهِ وألوانهِ.
ألوانٌ مختلفةٌ وظِفت بعنايةٍ، والأحمرُ شحيح ٌفيها، تواطأ الخريف ليفرشَ الأرضَ ببقايا أوراقِ الشجر. نسخٌ تمرَّدَ على المنسوخ. لحظةٌ، غَفِي النقشُ عن إدراكِ عُريه، لتنسلَ الأُنَيةُ، مسربلةً بأسمالِ وسمِها.
شجرةٌ أخذت مِحورَ الشَّكل، بدت شبه منتصبة، مهشمةُ الأغصان، تعرَّت من أوراقها ومن أحدِ أكبرِ أغصانها. غصنٌ استقر في أسفلِ اللوحةِ الشجرةَ، كأنما يناجيه معاتباً.

 




 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE