Wednesday, 27 June 2007 23:36

 


 

 

«نساء بالأبيض»
خالد سليمان

تقوم جمعية «نساء بالأبيض» التي تضم زوجات وأمهات وأخوات سجناء سياسيين في كوبا كل يوم أحد بتظاهرة صامتة، فتلبس كل واحدة منهن ملابس بيضاء وتحمل قرنفلة حمراء في الشارع الخامس في ميرامار غرب هافانا. وجمعية «نساء بالأبيض» التي تشكلت اثر إعتقال 75 معارضاً كوبياً عام 2003، إنما تكافح من أجل حرية المعتقلين الذين يشكلون نخبة من المثقفين والأكاديميين والسياسيين الكوبيين الذين عارضوا نظام الكاستروية.

كان الشاعر والصحافي الكوبي مانويل فاكيز بورتال الذي أُطلق سراحه في حزيران (يونيو) 2004، بعد تدخل منظمات عالمية لحقوق الإنسان بسبب أوضاعه الصحية، واحداً من هؤلاء المعارضين، وقد كتب كثيراً عما تحويه تلك المظاهرة «المُحايثة» لذاتها منذ ربيع 2003 من المعاني السياسية والأخلاقية. وفي رسالة إلى صديق كندي له في مدينة مونتريال، وصف الشاعر بورتال حركة أؤلئك النسوة الممتزجة بحال هافانا وخوف أهلها من عيون البوليس السري في كل يوم من نهاية الاسبوع، بجرأة لم تعرفها البلاد في تاريخها. فهن، أي النساء بالأبيض، يمثلن، لديه، التاريخ والشجاعة إذ يواجهن يد السلطة الممدودة إلى أعماق الروح. وقد سُُمي ذلك الربيع الذي اعتُقلت فيه تلك المجموعة المعارضة لديكتاتور هافانا بالربيع الأسود. لكنه كان ربيعاً أبيض في الوقت ذاته: ذلك انه تحول إلى مشهد إحتجاجي ضد رماديات الحكم الملقاة على عقول الناس وأذواقهم وإحتمالات أية «لاء» قد تلوّن حياتهم.

في البداية، سيطر الخوف على الناس وهم يشاهدون نساء جريئات يكسرن التابو وصمت الشارع ويحتججن ضد حكومة هافانا «الشيوعية» من خلال مظاهرات اسبوعية لا تحمل سوى الصمت والورود والملابس البيضاء. هي بالتالي مظاهرات بيضاء تمخّضت عن ربيع أسود وسياسة سوداء. هذه المظاهرة أسست مقدماتها نساء باحثات عن الحق، وليس الجنون كما ظن بعض الناس ولا زالوا إلى يومنا هذا. وإذ تستمر بالأبيض كما بدأت، فهي تغدو ظاهرة ثقافية سياسية لم تشهد مثلها تلك البلاد في تاريخها الخجول الذي صنعه جيل ما بعد غيفارا.

قال البعض أثناء التظاهرات الأُولى «انهن مجنونات»، وكان المارة في الشارع الخامس في ميرامار غرب هافانا، والجالسون في السيارات المكيّفة والأُوتوبوسات لا ينظرون إليهن في البداية خشيةً، بينما عيون الأمن السياسي الوقحة تحتجز كل واحدة منهن في وقت مستقطع آخر. ذلك ان زمن «نساء بالأبيض» شيء مستقطع من تاريخ الثورة الفضولي. هناك اخبار وصور كثيرة عن « نساء بالأبيض»، لكن رسالة بورتال تحمل معاني أكثر واقعية إذ تحتوي صوراً حية لنساء محتجات على الصمت بالصمت. ولو تغير التاريخ في كوبا وخرج منه الأخ الأكبرر كاسترو، سيتحول الشارع الخامس أمام كنيسة سانتا- ريتا إلى ساحة ثورة أُخرى مختلفة عن الأُولى الكاستروية، وقد تبقي السيدات الكوبيات الحزينات رمزاً لتحطيم التابو. فالخوف الذي زُرع في حياة الناس منذ نصف قرن، ثابت ووقح، يكتسح الروح ويكبّل الشجاعة. لكن إرادة هذه المجموعة في المبارزة مع الحضور الكثيف لرجال الأمن والبوليس حازمة في توقها للحرية. وكما يقول بورتال، لم ينجح أحد بالتظاهر في الشارع قبل تلك النسوة، وهن يولاندا وبيرثا ولورا وباربارا و كارديدا ومارغريتا وأُوسليفي وياميليه وماغالي وألسا ودوليا وأخريات.

كل واحدة من هذه المجموعة التي تقارع الخوف من النظام تحتل موقعاً متميزاً في المجتمع ولم تأت من الفراغ. فغالبيتهن، وكما يذكر بروتال في الرسالة المذكورة، تعمل في الإقتصاد والسياسة والتدريس والطب والبيئة والتضميد والصحافة. هن لا يصرحن للصحافة الكوبية ولا يظهرن في التلفزيون الكوبي ولا يقلن شيئاً للراديو الكوبي، لكن صوتهن وصل الى العالم رغم كل شيء.

أنا زوجة الجرّاح والصحافي ورئيس الحزب الليبرالي المحظور هيكتور ماسيدا، وأنا زوجة المدافع عن حقوق الإنسان أنجيل مويا، وأنا زوجة الإقتصادي وعضو مجلس الوطني للإقتصاد ألفريدو فيليب، وأنا زوجة المترجم الصحافي فرنانديز سيز وأنا وأنا الخ... من التعاريف الشخصية التي تُعرّف بمضمون السجون الكوبية.

«نساء بالأبيض»، قوة مرئية في واقع لامرئي، صمت يحارب ضوضاء الأيديولوجيا الشمولية وأطيافها المزروعة في جميع خلايا الحياة اليومية.


 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE