|
غسان
المفلح
منذ أن حطت السلطة العربية رحالها على
بادية المجتمع العربي وهي التي تتحكم
بكل المنابع السياسية والثقافية
والاقتصادية عند الجماهير العربية في
عملية ضبط حديدي لهذه المجتمعات ,
لهذا باستثناء التجربة اللبنانية
والمصرية نجد أن الفاعل الجماهيري هو
فاعل سلطوي بامتياز . منذ أن رفع
الغرب غطائه عن السلطات العربية وهي
في حالة ( حيص بيص ) لا تعرف ماذا
تفعل كي تعيد هذا الغطاء إلى سابق
عهده يوم كانت تقتحم مدنا وتنسف
أجيالا وتنهب بلا حسيب وبلا رقيب .
لكن الغرب لم يعد يحتاج لهذا النوع من
السلطات وليس الموضوع خيارا من هذه
الإدارة الغربية أو تلك بل هو مجمل
تغييرات أصابت البنية العامة للنظام
الرأسمالي في تحولاته الكونية . فحتى
لو هذه الإدارة الغربية أو تلك أرادت
تغطية هذا النظام أو ذاك , فإنها لا
تستطيع ذلك لفترة طويلة ودون أن يقدم
هذا النظام أو ذاك تغيرا ما في مجمل
بنيته السياسية والاقتصادية والثقافية
.
التعارض مع هذا الشكل من الأنظمة
العربية وهذه البنية العامة بت لا حل
له أبدا إلا بتغير هذه الأنظمة
وانفتاحها على كافة المستويات
الخارجية والداخلية . هذا بالطبع
لايغير بأن هنالك تمايزات بين نظام
وآخر , وبين سلطة عربية وأخرى , دول
الخليج المرتاحة شعوبها اقتصاديا نسبة
لبقية الدول العربية , يختلف التعاطي
العام معها , ليس لأن النفط وحده هو
العامل فقط بل لأن النفط جعل الأسر
الحاكمة في الخليج مرتاحة أكثر في
التقدم بالتغيير من دول وصل حد
النهب فيها إلى مستويات لاتوصف / صدام
سابقا / سوريا حاليا وفسادا خلق بنية
لم تعد صالحة لأدارة شركة فمابالك
لإدارة دول يمكن أن تتحول بين ليلة
وضحاها إلى معمل لتصدير الإرهاب .
وإذا كانت لا تقبل بمفهوم الشفافية في
العلاقات الداخلية لأنظمتها فهل تقبله
بالتعاطي مع الخارج وبنى العولمة التي
باتت أكثر من أي وقت مضى تحتاج لهذه
الشفافية / في سياق إعادة أنتاج موسعة
لهيمنة هذا الشكل المعولم من العلاقات
الرأسمالية التي وصلت إليها البشرية
بكل ما تحمله هذه العلاقات من مظاهر
سلبية وإيجابية ..الخ
فهي تفتقد لشرعية المؤسسات حتى تلك
التي يراد لها الحوار مع الغرب من أجل
إعادة سيطرة هذه السلطات على مقدرات
الشعوب العربية كما كانت تفعل ولازالت
/ نسبيا / وتفتقد حتى لشرعية الأسواق
الجديدة التي وصلت إليها العولمة في
هذه المنطقة من العالم .
لهذا إن افتعال هذه الأزمة في قضية
الرسوم وإلى هذا الحد المخيف بين ليلة
وضحاها تحولت فيها هذه السلطات إلى
سلطات ليست حامية للإسلام وحسب بل إلى
سلطات إسلامية !!
فهي قد اختارت هذا الشكل الأخير /
تيمنا بالتجربة الإيرانية / لتحاور
العالم , وتحاور النظام العولمي
الجديد والذي لم يعد إرادة أمريكية أو
فرنسية أو بريطانية ..الخ إنه اجتياح
موضوعي لمجمل ما تبقى من أنساق معرفية
وأيديولوجية وسياسية واقتصادية
وثقافية تعيق هذا الشكل من الانفتاح
والذي لم يأت من فراغ أو بقرار أمريكي
: بل جاء نتيجة لتغيرات موضوعية شتى
لسنا بصددها هنا وأولها : من كان يظن
أن النظام السوفييتي سيسقط بهذه
السرعة ويحول العالم ؟ من منظومتين
إلى منظومة واحدة يجري الصراع
/التنافس داخلها .
لم يبق متكئ للسلطات العربية سوى
الشارع الإسلامي !!
وأي شارع ليس الشارع الإسلامي ذو
الثقافة ( المعتدلة ) بل الشارع
الإسلامي الذي ربته هي بسلوكها ذاتيا
وموضوعيا بثقافته الإقصائية /
والتقليدية / وهذا هو المتراس الأخير
لتي تحاول السلطات العربية التمترس
خلفه من أجل حماية نفسها والحوار مع
العالم من خلاله ولأنها تدرك أن
التغيير ليس سوى قرارا موضوعيا تحاول
معاندته بشتى السبل حتى لو افتعلت
أزمات وحروب أهلية وماشابه وخلقت ربما
تنظيمات إرهابية . فهل يستطيع هذا
المتكئ الأخير أن يحاور العالم كله ؟
النتيجة باتت واضحة الآن من خلال
النتائج التي ستكون مدمرة على أحداث
الرسوم الكاريكاتورية , مدمرة على
العالم الإسلامي برمته وعلى شعوبه
خصوصا التي باتت بحاجة لكي تنهي هذه
المسيرة من القمع والفساد والنهب
وتتحول إلى شعوب طبيعية بأوطان طبيعية
وسلطات مؤسسية قادرة على الحوار مع
العالم والتواصل معه .
|