|
هل يخدم حقُّ العودة للاجئي
الـ"48" القضية الفلسطينية...؟.
هوشنك أوسي
_ دمشق
للوهلة الأولى، قد يكون في السؤال
المطروح أعلاه، الذي عنونت به
مقالي هذا، شيء من الاستفزاز الذي
قد يثير شبهة وحفيظة الكثير من
الأخوة الفلسطينيين، وربما يُعتبر
لديهم طرح هكذا أسئلة، من
المحاذير والنواهي التي ينبغي
الابتعاد عنها، مخافة التشكيك
باليقينيات والثوابت القومية
والوطنية. على اعتبار أن الجواب
على هذا السؤال بـ"نعم، إن حقَّ
العودة يخدم القضية"، بات من
المسلمات والبديهيات التي اعتاد
الحراك السِّياسي والثقافي
الفلسطينيين تداولها وإشاعتها
وترسيخها في الوعي السِّياسي
والثقافي الفلسطيني. لكن، ما
أعتقده أنه من الأهمية التاريخية
والمصيرية بمكان أن يعيد الجيل
الحالي من النخب السِّياسية
والثقافية الفلسطينية النظر في
الكثير من القطعيات والبديهيات
والمفاهيم، وصولاً إلى إعادة
قراءتها وإنتاجها، بما يتواءم
وراهن القضية الفلسطينية
والتحولات الإقليمية والدولية
المتلاحقة بتواتر متسارع. وذلك،
برؤى جديدة منفتحة على الواقع،
تُخرج الوعي السِّياسي الفلسطيني
الذي مازال حبيس أزمات الماضي، من
مأزقه واختناقاته الداخلية
والخارجية. ولعل أهم القضايا
الإشكالية الشائكة التي تواجه
مستقبل التجربة النضالية
الفلسطينية، وبعد أكثر من نصف قرن
من الدم والمعاناة، هو حق العودة
للاجئي 1948 إلى ديارهم، استناداً
إلى القرار رقم "194" الذي اتخذته
الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة
1949 بهذا الخصوص.
المتاجرة "العربية" بالدِّم
الفلسطيني.
لقد استثمرت النظم العربية قاطبة،
القضية الفلسطينية داخلياً
وخارجياً إلى درجة الاستنزاف.
خارجياً، استُثمِرت كنوع من
المقايضة والابتزاز والتجاذب
السِّياسي مع القوى العالمية
الكبرى، والاصطفافات المحورية مع
القوى الإقليمية. وذلك، لخدمة
وتمرير مصالحها القطرية، على حساب
القضية الفلسطينية التي كانت تزعم
تلك النظم بأنها القضية المركزية
والمحورية للأمة العربية. لكن،
ثبت زيف وبطلان هذا الادِّعاء
والزعم العربي حيال معاناة
الفلسطينيين. أمَّا داخلياً،
استُثمِرت كنوع من التضليل
والتوهيم والتنويم الداخلي، عبر
قمع وسحق الداخل وتكبيله بحالات
الطوارئ والأحكام العرفية، بحجَّة
"شحذ الهمم، وحشد الطاقات
للتأهُّب والاستعداد والاستنفار
لحسم الصراع العربي _ الصهيوني
لصالح الأمة العربية، بتحرير كامل
الأراضي العربية المحتلة، وإزالة
إسرائيل من الوجود...الخ".
وتالياً، فقدت المجتمعات العربية
استحقاقاتها السِّياسية والثقافية
والاجتماعية الوطنية، وتحوَّلت
إلى أنقاض مجتمعات، أو تجمعات
بشرية معينة، تقطن جغرافيا معينة،
فاقدة لإدارة التغيير، تحت تأثير
ضربات النظم العربية، وقياداتها
"الحكيمة والشُّجاعة". أعتقد أنه
لا يوجد تفسير آخر لجرِّ المقاومة
الفلسطينية المسلحة_ وهي في أوج
نشاطها_ إلى الأردن وتغذيتها، ثم
سحقها في مطلع السبعينات. وعقب
ذلك، جرَّها إلى لبنان وتغذيتها،
من ثم سحقها، في مطلع الثمانينات،
إلا الاستثمار العربي الرَّخيص
للدماء والطاقات الفلسطينية.
ومعروف أن من وقف وراء ضرب وحدة
الصَّفِّ الفلسطيني، وتمزيق منظمة
التحرير، وتأليب الفصائل
الفلسطينية على بعضها، كان النظام
العربي الذي يتحمَّل الآن أيضاً
مسؤولية البلبلة والتخبُّط الذي
يشهده الشَّارع الفلسطيني حالياً،
على خلفية معطيات الانتخابات
التشريعية الفلسطينية الأخيرة.
وذلك، استناداً على اختراقاته
للقرار الفلسطيني المتمثِّلة في
بعض الفصائل الفلسطينية،
والاستماتة في تجييرها لخدمة
مصالحه، على حساب قضية ومستقبل
الشعب الفلسطيني. وأعتقد أن النظم
العربية التي تتقاطع مع إيران في
العزلة الدولية المفروضة عليها،
والتخندق، هي ذاتها التي تتحمَّل
مسؤولية العزلة الخانقة التي
يشتدُّ طوقها على السلطة والمجتمع
الفلسطيني.
أعتقد لو أن هذه النظم خُيّرت في
آخر المطاف بين بقاءها على سدَّة
الحكم في بلدانها، وبين استمرار
((دعمها وتأييدها)) للشَّعب
الفلسطيني، فبديهي بأنها ستختار
البقاء على كراسيها، ولتخلَّت عن
القضية الفلسطينية، وضحَّت
بالفلسطينيين، كما جرت العادة.
والمشكل المؤسف في آن، إن مرارة
هذه الحقيقة، تجعل الكثير من
النخب الفلسطينية تتغاضى عنها،
وتدفن رأسها في رماد وهم "التضامن
العربي" كالنعامة. وكأن مقدور
الفلسطيني أن يلدغ من نفس الجحر
عشرات المرَّات، إن لم نقل مئات
المرَّات.
مخيمات لاجئين أم معسكرات
اعتقال...؟.
تحت ذريعة الإبقاء على جذوة
الانتماء للوطن الفلسطيني
متقدِّة، والمحافظة على توجيه أو
تركيز أنظار الأجيال الفلسطينية
نحو الداخل الفلسطيني، تفادياً
لاندماجهم ضمن المجتمعات العربية،
تمَّ حجز الكُتل البشرية
الفلسطينية اللاجئة إلى البلدان
العربية المجاورة، ضمن مخيَّمات
معزولة أشبه بـ"معسكرات اعتقال"
موزَّعة على أطراف العواصم والمدن
العربية الكبرى. ورويداً، بدأت
وطأة المضايقات والقيود تشتدَّ
على تحركات الفلسطيني، جاعلة من
مساحة حريته وحقوقه تنحسر وتتضاءل
باطراد متزايد. ما أدَّى إلى
ولادة معاناة جديدة على كافة
الأصعدة، تنضاف لمعاناته
السَّابقة. والأسئلة التي تطرح
نفسها هنا: ما الدور الذي لعبته
المخيمات في تفريخ الرعيل الأول
والثاني من القيادات والكوادر
الفلسطينية. على اعتبار أن النضال
التحرري الفلسطيني مقسَّم
لمرحلتين، قبل وبعد "نكبة –
هزيمة" 1948، وغالبية مؤسسي حركة
"فتح" التي تعتبر نواة منظمة
التحرير، كانوا من أبناء تلك
المخيمات...؟. فبديهي أن يكون
لنمط الحياة في المخيم تأثيره على
أداء الحراك النضالي الفلسطيني
حتى الآن. لو رضي الفلسطينيون
بالاستقرار في الخارج، ألم يكن
أفضل من البقاء في مخيمات
العروبة...؟. ألا يُعزى فشل
الشتات الفلسطيني في نقل القضية
الفلسطينية ومأساة الفلسطينيين
إلى الغرب، واستقطاب تأييده، كما
فعل اليهود في مسألة المحرقة
"الهولوكوست" إلى النظم العربية
الممسكة بخناق الحراك السَّياسي
الفلسطيني عبر المخيمات، وتحريكها
كحجارة الشطرنج وقت الحاجة...؟.
تُرى، هل كان لإدوارد سعيد أن
يكون إدوادر سعيد، لو كان ابن
المخيمات الفلسطينية المنتشرة في
بلدان الطوق العربي...؟.
عودة حوالي 6 مليون مهجَّر ماذا
يخدم القضية...؟
لو خُيِّرَ الجيل الثاني أو
الثالث من اللاجئين الفلسطينيين
بين البقاء في البلد الذي يقيم
فيه والعودة إلى فلسطين، أعتقد
أنه سيختار البقاء، لجملة من
الأسباب، لعل أهمها: التأقلم
الحاصل مع الواقع الذي عايشه، على
حساب تراجع الشعور بالانتماء
للوطن الأم فلسطين. مآل القول:
حتى لو قبلت إسرائيل بحق عودة
اللاجئين، فإن عودة حوالي 6 مليون
لاجئ فلسطيني إلى فلسطين بات
ضرباً من المستحيل. لأن أراضي
السلطة لن تتحمَّل استيعاب هذه
الكتلة البشرية الهائلة على كافة
الأصعدة السَّياسية والاقتصادية
والاجتماعية، فضلاً عن استحالة
طرد اليهود من الأراضي التي
استولوا عليها، والتي تقع ضمن
حدود إسرائيل. علاوة على أن هذه
الكتلة البشرية لا تشكِّل نسيجاً
ثقافياً اجتماعياً اقتصادياً
متجانساً، نتيجة توزعها على
جغرافية إقليمية وعالمية متباينة
ومتفاوتة المستوى. إذ، كيف للاجئ
الذي تلقَّى تربية وتعليماً
أوروبياً وأمريكياً مع لاجئ تلقى
تربية وتعليماً أفريقياً في مصر
وتونس أو آسيوياً في سوريا
ولبنان...الخ...؟. وعلى ضوء ما
تقدَّم، أعتقد أن الإصرار على حق
العودة، من شأنه عرقلة السعي نحو
الوصول للحل النهائي. وربما يكون
الأجدى أن يوضع هذا الحق على
طاولة التفاوض بغية الحصول على
حقوق أخرى، كأن تكون القدس
الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.
فباعتقادي أن هذا الحق هو أكثر
أهمية ومعقولية وقابلية للتحقق من
حق العودة.
أعتقد أن دور عرب إسرائيل
وفلسطينيي الشتات الأوروأمريكي،
ينبغي أن يتصدَّر واجهة الحراك
النضالي الفلسطيني باستلامهم
دفَّة هذا الحراك من فلسطينيي
مخيمات الداخل الفلسطيني ومحيطه
العربي. لأن عرب إسرائيل أو
الفلسطينيين الحاملين للجنسية
الإسرائيلية يتمتَّعون بحقوق أكبر
من التي تمنحها النظم العربية
للفلسطينيين المتواجدين في
بلدانها. فهل يستطيع الأستاذ عزمي
بشارة أن ينتقد أي زعيم عربي تحت
قبَّة برلمانه، كما انتقد شارون
وسابقه وسينتقد لاحقه "أولمرت"
تحت قبَّة الكنيست...؟!. قطعاً
مستحيل. لذا، ينبغي للشعب
الفلسطيني أن لا يعوَّل على النظم
العربية بقدر ما يعوِّل على
طاقاته وإمكاناته الذَّاتية، لأن
النظم العربية التي تتحدَّث عن حق
العودة أكثر من الفلسطينيين
أنفسهم، ضمناً تتمنى ان ينتهي هذا
الصراع كي تتواصل مع إسرائيل على
المكشوف. فهذه النظم باتت تتململ
من استمرار هذا الصراع، وتحاول
إرضاء إسرائيل أكثر من إرضاء
الفلسطينيين.
|