|
ملاحظات
أولية
في العلاقة بين السياسي والمثقف
برزو محمود
في الحقيقة أن تناول موضوع
العلاقة بين السياسي والمثقف ليس
بالأمر الجديد، إلا أنه يأخذ
أشكال مختلفة ومتعددة حسب التجربة
الخاصة لكل مجتمع في جغرافية
معينة وسياسة معينة. وما اريد
الكتابة فيه هو موضوع العلاقة بين
السياسي الكوردي والمثقف الكوردي
في سوريا على وجه التحديد.
لا يزال المجتمع الكردي محكوم من
قبل ثلاث سلطات: الدينية السياسية
(الحزبية) الحكومية بالاضافة الى
سلطة أخرى بين المد والجذر هي
السلطة العشائرية الى جانب النظرة
الاجتماعية لمسألة التفاوت الطبقي
الحاصل في المجتمع الكوردي. كل
هذه العوامل تتحكم في مقدرات
وحركية المجتمع الكوردي بصرف
النظر عن الجانب الرئيسي المباشر
في هذا التحكم، الأمر الذي همش
دور المثقفين الى حد كبير في
التأثير على القيم والمقاييس التي
يتحرك الناس على هديها، مما يحول
دون امكانية تدخل المثقف في شؤون
المجتمع .
مما لا شك فيه أن الحركة السياسية
و الحركة الثقافية تحمل الكثير من
الهموم والأهداف المشتركة، وخاصة
بالنسبة للحركة الكوردية و
المثقفين الكورد. لأن القضية
الكوردية بإبعادها السياسية
والاجتماعية والثقافية هي قضية
شعب مضطهد، محروم من كافة حقوقه
القومية المشروعة. فطبيعة القضية
الكوردية في هذه المرحلة بالذات
تفرض نفسها بقوة على المثقف
والسياسي (الحزبي) للعمل على رص
صفوفهم وزج طاقاتهم في النضال من
أجل تحقيق الأهداف المشتركة بين
الطرفين. هذا من الجانب المبدئي،
أما من الجانب الميداني، ثمة
عوامل كثيرة تزيد من الهوة
بينهما، تفرق ولا تقرب، وسببها في
كثير من الأحيان هيمنة العناصر
الانتهازية في الحركة الكوردية
على وسائل الاعلام التي لا تأبه
بالاهداف السامية ولا تهمها مسألة
تطور الابداع المعرفي، بل همها
التركيز على محور البروزة ودورها
في ترقية موقعه الحزبي من جانب.
وفي أحيان أخرى، وفي حالات أخرى ،
نلاحظ أن العنصر السياسي الذي
يشكل الجسر الذي يربط العلاقة بين
السياسي والمثقف لا يفهم من
الثقافة بشيء، لذا لا يمكن أن
نعقد أمالنا على هكذا شخص مع كل
التقدير والاحترام له. هذا الخلخل
في العلاقة بين السياسي والمثقف
تضر بالقضية الكوردية لأنها تشتت
الطاقات الثقافية والابداعية
والتي من المفروض أن تسخر بطريقة
منظمة وأكثر فاعلية لصالح القضية،
وليس لصالح هذا الحزب أو ذاك. ثمة
عوامل وأسباب عدة تلعب دورها في
وجود عناصر فاسدة ومفسدة في
الهيئات القيادية للأحزاب
الكوردية همها الرئيسي ابقاء
الحالة الثقافية للحزب وفق رؤيتهم
المتخلفة والانتهازية المقيتة
التي ترصد القضايا بما تتفق مع
مصالحهم الذاتية.
وعلى الجانب الأخر يمكن رصد
نموذجين من المثقف، وهما:
النموذج الأولً: المثقف الذي يهمه
مصلحة قضيته، المثقف الذي يقدم
نفسه كأنسان يحمل رسالة، يسخر
معظم أوقاته في سبيل تطوير جانب
من جوانب المجتمع الكوردي سواء في
المستوى العلمي أو المعرفي أو
الوعي أو اللغوي أو أي جانب
ابداعي في الحياة الكوردية، ويقف
على بعد واحد من كل الأحزاب
الكوردية، بصرف النظر عن بعض
العلاقات الشخصية والعائلية بينه
وبين أفراد من هذا الحزب أو ذاك،
لذا فأن موقف المثقف من هذه
المسألة أو تلك ينبغي أن ينبع من
زاوية واحدة هي زاوية المصلحة
الكوردية، سواء اتفق ذلك مع موقف
هذا الحزب أو لم يتفق، فالمسألة
لا تحتمل المسايرة أوالمجاملة
أوالمغازلة.
النموذج الثانيً: هو المثقف الذي
يحمل تصورات خاصة به، دون أن يعي
بحقيقية دوره كمثقف كوردي يحمل
قضية تفرض على المثقف توجه معين
ودور معرفي وثقافي ذات تأثير كبير
على الحياة الاجتماعية. بل همه
خلق اليات متنوعة وأساليب مختلفة
من أجل تأمين أكبر كمية من الشهرة
الزائفة. لذا لا يهمه من أنت،
المهم هو من أنا!! لا شك أن هذا
النموذج بالاضافة الى افتقاره
للثقافة المعرفية، تنقصه الثقافة
الاخلاقية أيضاً. هذا النموذج من
المثقف الانتهازي يلتقي في كثير
من النقاط مع السياسي الوصولي في
صعود السلم (......).
لقد باتت الممارسة الديقراطية
أمراً لا يقبل النقاش كأفضل طريقة
في تنظيم العلاقة بين أعضاء
التنظيم الحزبي الواحد، وهي
السبيل الضامن لصيرورة العلاقة
التي تغمرها الاحترام المتبادل
والفهم المشترك ، وهي العامل
الفاعل في ترتيب البيت الكوردي،
والوصول به الى بر الامان. إلا أن
الواقع واليات العمل الموجودة
تعكس صورة سلبية لا تدفع بعملية
تطوير العلاقة بين السياسي
والثقافي إلى الأفضل والأرقى، بل
تأخذ بعملية التفاعل السلبي، وهذا
ما يؤدي على تكوين عوامل ذاتية
هدامة أكثر من أن تكون بناءة وفي
كل المستويات الفكرية والاجتماعية
والسياسية والثقافية. وعلى هذا
الاساس تحاول بعض العناصر المنفذة
في الحركة الكوردية أن تسخر
المثقف الكوردي في خدمة مصالحها
الحزبية الضيقة التي لا تمت بأية
علاقة مع الأهداف السامية التي من
أجلها تكونت الأحزاب الكوردية،
ومن المفروض أن تتحلى القيادة
الحزبية بوعي نابع من مصلحة
القضية الكوردية وليس نابعا من
المصالح الحزبية الضيقة، كما لو
أن الحزب شركة أوعقد تجاري أتفق
عليها الفرقاء الموقعين مع
الأعضاء المنتسبين اليها.
لو دققنا في سلوك وأعمال قيادة
الحزب في الحركة الكوردية في
سورية ، نلاحظ أنها تسخر الحزب
وامكانياته المادية والمعنوية في
خدمة مصلحة عدد من الافراد
القياديين على رأسهم الزعيم
الآوحد والذي لا يمكن تغييره أو
تبديله.
هناك ذهنية حزبية سلبية تعمل بكل
الوسائل المشروعة والغير مشروعة
أن تفرض هيمنتها الحزبية ورأيها
النابع من مصالح ذاتية مكسوة
بلباس المصلحة الحزبية على
اعتبارها سلطة سياسية وكتلة
اجتماعية تصدر قرارات على المثقف
. الحزبي الذي ينتمي الى المواقع
القيادية يعمل جاهداً على تلوين
صورته أمام الأخرين، وخاصة رفاقه
الحزبين، على أنه يحمل هوية
المثقف الذي لا يضاهيه أحداً، وهو
المفكر الأول في الكثير من
القضايا، فإذا تحدثت معه حول
اللغة الكوردية، ما توانى لحظة
واحدة، وإذ به سيبويه هذا الزمان،
وحجته العلمية في ذلك قواعد
بدرخان ليس إلا . أما أن تاتي
وتطالب علناً بالحقوق المشروعة
للشعب الكوردي، هذه المسيرة أو
هذا الاعتصام أو هذا الشكل من
النضال فهي لسيت إلا من باب
الدعاية والمكاسب الحزبية، حسب
وجهة نظرهم، أما توزيع كتاب مدون
بالكوردية في قواعد اللغة
الكوردية يدخل في باب التجارة
ومصالح ذاتية لا يعنيهم هذا
الأمر. واللغة الكوردية أمر من
الماضي، لم تعد لها قيمة خاصة إذا
كانت هذه المدونة أو هذا الكتاب
غير مختوم بختم الحزب بغرض
الدعاية والإعلان لحزبهم، فالحزب
هو الأول والأخير أما اللغة
الكوردية أو أية ثقافة كوردية
اخرى لا تحتل على أية أهمية في
برامجهم (النضالية). هم يبحثون عن
ثقافة تصفق لعقولهم البالية ووجهة
نظرهم المتخلفة. الاعتراف بهوية
هذا الشخص ككاتب أو كمبدع أمر
يقره الحزب الذي يعد المخول
الوحيد في منح المثقف الكوردي
شهادة الابداع. مما لا شك فيه أن
هناك فئة مخصصة من الكتاب
المزورين في كتاباتهم، ومشوهين في
تفكيرهم، ومصابين بالأنانية
المفرطة، ذوي النفوس المريضة،
يعملون قي هذا الإتجاه من أجل
اثبات هويتهم المزورة. في الحقيقة
أن مبدأ كل شيء من أجل الحزب يعد
من أخطر الأمراض التي تصيب
الأحزاب الكوردية وبدرجات متفاوتة
من حزب الى أخر، سببه يعود إلى
قلة الكفاءات العالية وتفشي
الأمية الثقافية والسياسية لدى
أغلبية أعصاء الحزب، لذا نلحظ
جلياً هيمنة شخصية قيادية واحدة
أو شخصين قياديين يتقاسمان
الغنائم، ويعملون على خطوط غير
متعارضة طالما أن المصلحة
الذاتية، والزعامة الفردية تتحقق
بشكل متساو يرضي الجميع. ومن
الملاحظ أن الكثير من قيادات
الحركة الكوردية في سورية بكل
فصائلها تعاني من عوامل الترهل
الذهني الذي بات سمة لا تنفصل
عنه، بل تلازمه في كل مكان. أما
المثقف الكوردي فهو الأخر يعاني
من أمراض عديدة، كالنرجسية لدى
البعض، الاحساس بالعظمة ينقد ولا
ينقد (بضم أوله وفتح ما قبل
أخره)، التطفل، الشللية والتكتل،
الانعزالية.
وكل صوت معارض أو صوت ناقد يظهر
في الهيئات الحزبية يتم اسكاته
اما بالتلويح بعصا التجميد أو
الفصل أو الطرد وذلك عن طريق
عملاء القيادة الموجدين في كل
الهيئات الحزبية، أما في حال تفهم
الصوت المعارض بفحوى الرسالة
الموجهة اليه ورضخ للأوامر
الموجهة اليه، ولم يعد يلعب
(بذيله) حسب تعبيرهم، سيبقى في
منصبه عبداً مأموراً و بس.
ومن الملاحظ أن السبب في ازدياد
العناصر الانتهازية، وازدياد مرض
الانتهازية وتفشيها في الهيئات
القيادية يعود تحديداً إلى حالة
التشرزم والانقسامات الحاصلة في
الحركة الكردية نتيجة لغياب
الديمقراطية، وتدني مستوى الوعي
السياسي، وسيطرة الفكر العشائري
على العناصر القيادية التي تنخر
في المفاصل الحركية في الحزب.
ويمكن القول أن الكثير من الخصائص
والسمات السلبية يتصف بها السياسي
والمثقف بأن واحد باعتبار أن
الاثنان يعيشان على أرضية واحدة
ومناخ اجتماعي واحد.
|