Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 

تركيا في مهبِّ الكرد
والبحث عن أتاتورك جديد

هوشنك أوسي _ دمشق

عندما رفض المناضل الأفريقي العالمي نيلسون مانديلا استلام جائزة أتاتورك، لخَّص رفضه بجملة مقتضبة، هي :" من أراد أن يعرف حقيقة تركيا، فليكن كردياً، ولو لنصف ساعة". ويمكن أن نعتبر هذه الجملة المقياس الحقيقي الذي ينبغي اعتماده لكل من يودُّ أن يتعرَّف على "الديمقراطية والعلمانية" التي يتشدَّق بها السَّاسة والإعلاميين والجنرالات الأتراك. ففي التعاطي التركي مع الشأن الكردي داخل وخارج تركيا، لا يمكن أن نميّز بين السِّياسي والإعلامي من جهة، والجنرال من جهة أخرى. لا يمكن الفصل بين العلماني اليساري أو القومي من جهة، والإسلامي من جهة أخرى. الكل مُجمِع ومُجتمِع على ذهنية عنصرية إلغائية إقصائية رافضة للحالة الكردية واستحقاقاتها الديمقراطية، ليس وطنياً وحسب، وبل حتى لو كان هذه الحالة في القطبين الشَّمالي والجنوبي. وهذا ما يفسِّر التوجُّه التركي نحو التركيز على استخدام لغة الحديد والنار في معالجة القضية الكردية في تركيا، منذ تأسيس الجمهورية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك سنة 1923 وحتى اللحظة. وابتداءاً من التمرُّد الكردي الأول عقب تأسيس الجمهورية، الذي قاده الشيخ سعيد بيران سنة 1925 ووصولاً للتمرُّد الذي قاده الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، وعلى مدى أكثر من ثمانية عقود، لم تستطع المعالجة الأتاتوركية العنفية الآنفة الذكر أن تأتي أُكُلها في سحق النضال التحرري الكردي، ولجم سعيه الحثيث نحو نيل حقوقه المشروعة. وقد أثبتت حركة أوجلان، عبر حراكها السَّياسي والعسكري والجماهيري مؤخَّراً، وحتى بعد اعتقال زعيمها، فشل وإفلاس المنطق الأتاتوركي والعقلية الطورانية وصياغاتها العسكرية والإنكارية في التعامل مع القضية الكردية.

في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كانت السلطنة الثمانية على شفير الهاوية، نتيجة الظروف والأزمات والتناقضات الداخلية العميقة التي كانت تعصف بها. إلى درجة كانت تسمَّى بـ"الرجل المريض". إلى أن ظهر مصطفى كمال أتاتورك، وأنقذ المتبقي من التَّرِكة الجغرافية والبشرية العثمانية، مؤسِّساً على أنقاضها تركيا الحديثة. مُعيداً بذلك تركيا إلى واجهة الحراك التاريخي، من بوابة العلمانية، عوضاً عن الخلافة الإسلامية من جهة، وممهِّداً لانخراط الدولة الناشئة في الحلف الأوروأمريكي "الناتو" أثناء الحرب الباردة من جهة أخرى. وعليه، فيعود الفضل في إيقاف انحدار تركيا نحو الزوال، تحت تأثير التآكل الداخلي الناجم عن شدَّة وحدَّة الاختناقات والأزمات المتفاقمة، فضلاً عن تكالب القوى الاستعمارية الكبرى آنذاك_بريطانيا وفرنسا_ على اقتسام جغرافيا السلطنة فيما بينها، يعود الفضل إلى مصطفى كمال باشا، ما جعل الأتراك يعبروته أباً روحياً للجمهورية الحديثة، ووضعه في مصاف محمد الفاتح الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للسلطنة عقب فتحه للقستنطينية "الأسيتانة". وبالتالي، فكما أن اليهود والحركة الصهيونية مدينون لـ"تيودور هرتزل" فأن الأتراك مدينون لمصطفى كمال أتاتورك، الذي لولاه لما أمكننا أن نتحدَّث حالياً عن وجود تكوين جغرافي سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي...الخ اسمه تركيا في الشرق الأوسط. كما استطاع أتاتورك أن ينجي تركيا من آخر عملية تقسيم كانت ستتعرض له، غداة الحرب الكونية الأولى، بموجب اتفاقية "سفير" سنة 1920 التي نصَّت على إقامة كيان أرمني في شمال شرق تركيا، وكيان كردي في جنوب شرقها. وذلك، عبر خداعه للكرد، ووعوده للأوروبيين بأنه حليفهم ضدَّ المدّ السيبيري الشيوعي الزاحف نحو أوروبا من الشرق. علماً أن أتاتورك قد أوهم البلاشفة الروس أنه مع ثورتهم، وأنه ضد الرجعية والإقطاع والإمبريالية...الخ. وقد يعتبر البعض، أن المذكور أعلاه مدحاً لأتاتورك، خاصة أن هذا الرأي صادر عن كردي، بيد أن المعطيات والحقائق التاريخية تفضي إلى أن ما سلف من رأي في حق أتاتورك يجانب الموضوعية، حتى ولو كان هذا الزعيم قد خدع الأكراد ونكث بعهوده التي قطعها على نفسه والتي تضمنت أن الدولة التركية هي للكرد والترك مناصفة وشراكة، وسحق التمرُّد الكردي الأول عقب الجمهورية سنة 1925 بمذابح ومجازر وحشية. ما أعتقده أن الحقد والكره الكردي لشخصية اتاتورك إلى درجة المقت الأعمى كان مبرراً، بقدر ما كان الحب التركي لهذه الشخصية إلى درجة العبودية كان مبرراً.

على خلاف عمَّا يُشاع عن التجربة الديمقراطية في تركيا، فأن جزمة العسكر، هي فوق القانون والمؤسسات الدستورية. ومجمل تفاصيل المشهيدين السَّياسي والإعلامي التركيين، هي عبار عن واجهة أو ديكور، العسكر هم الذين يهندسونه وفق مشيئتهم، تحت ذريعة حماية وحدة الدولة والنظام العلماني. حيث يعتبر العسكر أنفسهم التلاميذ الأكثر وفاءاً وإخلاصاً لمصطفى كمال أتاتورك، والأكثر التصاقاً بنهجه. وعليه، فهم حماة الدولة والنظام العلماني في تركيا، دون غيرهم. وبالتالي، عندما فكَّر الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال بحل القضية الكردية، والتفاوض مع أوجلان في مطلع التسعينات، وذلك بجعل جلال الطالبناني وسيطاً بينه وبين اوجلان، تعرض أوزال للتصفية من قبل مؤسسة العسكر التركي. فالتجربة الديمقراطية التي يحاول رجب طيب أردوغان تطويرها_ حسب زعمه_ لا تخوِّله أن يبقي الحجاب على رأس زوجته أثناء دخولها إلى المؤسسات الرسمية. كما أن الأحداث الدامية الأخيرة التي شهدتها المدن الكردية في كردستان تركيا، والتي وصلت نيرانها إلى المدن التركية، على خلفية تشييع جثامين مقاتلين كرد من حزب العمال الكردستاني الذين سقطوا بالأسلحة الكيماوية في منطقة "موش" الكردية، تلك الأحداث أظهرات "الديمراطية التركية" الأتاتوركية_الأردوغانية على حقيقتها. وظهر جلياً إرهاب الدولة في أبشع صوره قمعاً حيال تعاطيه مع المدنيين الكرد العُزَّل. وأتى تصريح أردوغان الذي ساند فيه وحشية الجيش التركي التي حصدت أوراح أكثر من 16 ضحية غالبيتهم من الاطفال في مدينة "ديار بكر _ آمد" فقط، ليصبَّ الزيت على النار، حين قال : " حتى ولو كانوا أطفالاً ونساءاً، فأن جيشنا سيقوم بما يلزم لحماية تركيا". تلك الاحداث، ومن قبلها احتفالات أكراد تركيا بعيدهم القومي "النوروز" أثبت الحضور الكبير والفاعل الذي مازال يتمتع به أوجلان في تركيا، حتى وهو رهن الاعتقال الانفرادي في جزيرة إمرالي، بالرغم من كل اللغط الذي كان يدور_داخل وخارج تركيا_ حول تحجيم وتقويض وترويض حركة أوجلان. تلك الأحداث وتبعاتها التي ألقت بظلالها على عموم المشهد التركي، أماطت اللثام عن زيف المراهنات على اضمحلال تاثير أوجلان على الشارع الكردي في تركيا. ما سيجعل الأخيرة _بكل مؤسساتها_ تعيد حساباتها من جديد.

يبدو أن السَّاسة والإعلاميين الترك على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم الفكرية، يودُّون اقتحام المعترك الأوروبي، بغية نيل العضوية التَّامة في ناديه، ولازالت بقايا الإرث الطوراني والأتاتوركي طاغياً ومسيرطاً على وعيهم السَّياسي والثقافي. فعندما يحاول كاتب وأديب تركي معروف كـ"أورهان باموك" الاعتراف بالمذابح التي ارتكبها الأتراك بحق الأرمن والأكراد إبان الحرب العالمية الأولى، نراه يُتهم بالخيانة والعمالة لصالح جهات معادية للأمة التركية...الخ، فما بالكم لو طالب أحد الأكراد بحقوقه الديمقراطية المشروعة. حينئذ، نجد كافة تفاصيل المشهد السَّياسي والثقافي والإعلامي التركي الرسمي والمدني، تأتمر بإمرة الجنرال، ولا تحاول الشذوذ عن تعاطيه الأمني العسكراتي مع أية محاولة من هذا النوع، بالرغم من الإفلاس والفشل الذريع الذي وصل إليه هذا التعاطي. لكن، المضي في حل المشاكل الداخلية وفق هذه العقلية التي تنتمي للماضي، وبعد أن ثبت فشلها، سوف يبقي تركيا تائهة متخبطة في نفق العنف التركي والعنف الكردي المضاد. وكلما اشتدت موجة العنف في تركيا، من شأن هذا ابعادها عن الحلم الأوروبي الذي تحاول الوصول إلى تحقيقه منذ عقود. وإن فشلت المساعي التركية إلى حجز مقعدها في المنتدى الأوروبي، حينئذ، ستبقى هوية تركيا مفقودة بين الطموح الأوروبي العلماني والأصل الشرق أوسطي الإسلامي. وليس بعيداً أن يوقع هذا الوضع تركيا فريسة لمشروع الشرق الأوسط الكبير. لذا، فالانتماء للاتحاد الأوروبي بالنسبة لتركيا باتت قضية "أكون أو لا أكون". لكن، السير نحو هذا الهدف المصيري، يصطدم بعقبة وجوب وضرورة حل القضية الكردية. وحل هذه الأخيرة يصطدم بالعنجهية والغطرسة والغرور والكبرياء الطوراني الاتاتوركي المسيطر على الوعي السَّياسي التركي، الممانع لأية محاولة رامية لحل القضية الكردية في تركيا. فالسَّاسة الأتراك ومرجعيتهم الأتاتوركية المتمثِّلة في مؤسسة الجيش، يعتبرون أية خطوة نحو حل القضية الكردية هي خطوة للوراء أمام أوجلان وحركته، وسوف تُسجَّل انتصاراً له. إذ، كيف للأتراك الأسياد الحاكمين أن يتقاسموا الدولة مع الأكراد المحكومين..؟!. كيف لتركيا أن تتنازل للجلوس مع حركة أوجلان ((الإرهابية))التي تُعتبر الممثل الأبرز والأهم لأكراد تركيا..؟!. هذا هو لبُّ الهاجس الذي يؤرِّق عسكر تركيا قبل ساستها. وتالياً، لا خيار ثالث أمام الأخيرة. إمَّا الاصرار على البقاء في الماضي، باتباع المسلك التقليدي الحالي المنسجم مع التوجُّه الطوراني الأتاتوركي الدموي في التعاطي مع القضية الكردية، والتضحية بالخيار الاستراتيجي المصيري، المتمثِّل بالرغبة في الانضمام للاتحاد الأوروبي. أو إمَّا التخلي عن أوهام الكبرياء الأتاتوركي، والركون إلى العقل ومنطق العصر. وذلك، بالتحاور مع الأكراد، بغية إيجاد حل القضية الكردية حلاً عادلاً يكون مفتاح الدخول إلى المستقبل الاوروبي لتركيا. فأوروبا لا ولن تقبل تركيا، وليست مجبرة على قبولها ضمن أسرتها، وهي مازلت تنوء تحت ثقل تركة الماضي البوليسي الأتاتوركي.

أعتقد بأنه كما كان الأكراد عوناً لأتاتورك في تأسيس الجمهورية التركية، فلازالوا يتمتعون بهذا الدور في إعادة إنتاج أو تأسيس تركيا جديدة. لأن حل القضية الكردية هي ضريبة أو رسم الدخول للاتحاد الأوروبي بالنسبة لتركيا. لكن، ما يحتاجه هذا البلد حالياً، في مطلع هذا القرن، هو ظهور أتاتورك جديد، يشبه دوره الإنقاذي دور سابقه الذي ظهر في مطلع القرن المنصرم. أتاتورك حضاري مؤمن بقيم العصر والديمقراطية، بإمكانه إنهاء وصاية العسكر على حاضر ومستقبل تركيا. أتاتورك قادر على إعادة إنتاج تركيا بالشراكة مع كافة مكوناتها، وعلى رأسهم الأكراد. أتاتورك على خلاف سابقه الذي أبقى تركيا في مهب الأكراد، باستطاعته أن يوظِّف الهبوب الكردي كقوة دافعة لسفينة تركيا السائرة نحو البر الأوروبي، بدلاً من أن تكون قوة مانعة لها. وإن لم يظهر هكذا أتاتورك جديد، وبقيت تركيا رهينة أتاتورك القديم، ستغرق سفينة تركيا في دماء أبناءها من الأتراك والأكراد معاً.






 

 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE