Wednesday, 16. May 2007        

 

 

 
هوية الكرد في سوريا والمواطنة المشروعة

زردشت صابر


الهوية فلسفيا تشكل احدى خصائص الشخصية الاساسية , تعبر عن الذات الممثلة للشخص طيلة كل المراحل , وتؤمن للشخص استمرارية وديمومة الشعور بذاته , او بأناه العميقة , التي تشكل العنصر المتواصل في الشخص رغم تغير الزمان والمكان , ولكل شيء هويته لكن هوية الانسان تختلف بالتاكيد عن عن هويات الاشياء بعدم مطلقيتها , بل تغيرها , بمعنى التطور والتجديد بتاثير الزمان والمكان , ذاتيا وموضوعيا .
الهوية تحددها خصائص وشروط ذاتية نابعة من داخل ذات الشخصية , بالاضافة الى الوسط المحيط والزمان والمكان , وان كانت النظريات متعددة في تحديد العامل الحاسم الذي يمنح الهوية , لكن من المؤكد ان مجموعة كبيرة من العوامل هي التي تمنح الانسان , ومن ثم المجموعة البشرية كون الانسان كائنا اجتماعيا , هويته الخاصة . هذه الخصائص تبدا من الوراثة وتستمر الى الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتاريخية , مع الانتباه الى فرق ما بين الهوية الشخصية للفرد , والهوية الخاصة للجماعات التي تنتمي اليها الافراد , دون ان تكونا متعاكتسين طبعا .
الانسان الذي ينتمي الى جماعة معينة ,له شخصيته وهويته المتكونة من مجموع العناصر المساهمة في بنائه , فيختلف عن الاخرين مثلما يشاركهم في الكثير من الامور التي تمنحه الخصوصية التي تمكنه من ان يكون نموذجا معبرا عن الجماعة ولو بالخطوط الاساسية , وهنا يجب الاشارة الى ان نوع الرابطة الموجودة بين الافراد في الجماعة , وابعادها الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية , ترسم ملامح الهوية الاساسية للجماعة , وهذه تختلف بين الجماعات تبعا للعامل الاهم والحاسم في تشكيلها , ومن هنا يجب التاكيد الى ان دور الحسم لكل عامل في الهوية قد تغير تبعا لتغيرات زمنية ومكانية , فكانت رابطة القربى اساسا ,لتتحول فيما بعد الروابط الاقتصادية الى عامل اهم , لكن رغم كل شيء , فانه يمكن التاكيد ان الحياة هي التي فرضت متطلباتها في رسم الحياة المشتركة للجماعات , وافرزت الحياة المشتركة هذه جملة العوامل التي تحدد هويات الافراد والجماعة نفسها ,اي ان الهوية تتشكل مع الزمن وفقا لمتطلبات حياة الجماعة , وثقافتها ولغتها وارتباطاتها ,ولا يشترط هنا ان تتمتع الجماعة او الافراد المتمين لها بهوية او انتماء واحد فقط , بل ان ذلك يتناقض مع طبيعة البشر , اي بمعنى اخر ليس صحيحا ان يختصر الفرد اوالجماعة انتماءهما في عنصر او هوية واحدة - اذا اعتبرنا ان كل عنصر هام يمنح هوية معينة - فذلك سيعني التنكر او انكار الاجزاء الاخرى المكونة له او لها , مما سيحول الهوية الظاهرة الى هوية مسيطرة على الفرد او الجماعة , لن تتوانى عن السيطرة والتسلط على الاخرين مما يخلق في النهاية " هوية قاتلة " حسب تعريف امين معلوف لها .
والكرد , كاحد شعوب الشرق الاوسط الاصلية , وعبر الزمن الممتد من عمق التاريخ الى يومنا هذا تمكن من الاستمرار , وتمتع رغم كل شيء باشياء تخصه منحته هويته التي ظل يتمتع بها كجماعة لها خصوصياتها , كل المتغيرات والظروف والمعاناة والمصائب التي تعرض لها , منعت عنه التطور الحر الذي كان سيمنحه الان هوية من نوع اخر , لكنها لم تتمكن من سلخ هويته الخاصة , فكان هوية جريحة ناقصة او مشوهة احيانا وغير مكتملة النمو بالنسبة لاقرانه , لكنها كانت هوية خاصة , تشكل اساسا يمكنه بها الدخول في منتدى الشعوب المعاصرة , وهو يفتخر بهذه القدرة على المقاومة والاستمرار , لدرجة ان المقاومة باتت احدى هويات هذا الشعب الخاصة , مع الاشارة الى ان الكرد كان دائما متفاعلا بايجابية مع كل شعوب المنطقة التي تداخل معها .
لست هنا بصدد البحث عن المقومات التاريخية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للهوية القومية او الوطنية للشعب الكردستاني , لانها ليست قضية للنقاش بعدما حققه الكرد من تطورات اكدت للعالم وللجوار ما كانت تخفيها وتتنكر لها من حقائق ساطعة لاسباب معروفة , لكن اريد ان اعرج على تمازج وتعدد هويات الشعب الكردي في سوريا , حيث لا تزال النقاشات التي تتنكر للواقع الكردستاني الشامل مستمرة , مما يعقد الحل ايضا .
الكردي في سوريا كونه يعيش على ارضه التاريخية كما تؤكده كل المعطيات كشعب دون الانجرار الى النظريات العرقية يمتلك كفرد وكجماعة بشرية مجموعة من الخصائص الاساسية التي تمنحه هويات مختلفة , يمكن تحقيق الانسجام بينها وفق ما تتطلبه معايير العصر ,فهو بانتمائه الى الشعب الكردستاني يمتلك هوية كردستانية تؤمن له وتفرض عليه التواصل الكردستاني , ليس على اساس عرقي انما وفق المعايير الديمقراطية , لكنه ونتيجة لعملية تاريخية عفوية احيانا وقسرية احيانا اخرى ,ونتيجة لعوامل جغرافية وحضارية , يمتلك هوية سورية ترسخت عبر حياة مشتركة الاف السنين , فتمازجت تقافات مختلف الشعوب في هذا البلد وحققت نوعا من التجانس على اكثر من صعيد , شكلت ما يسمى في الكثير من الكتب بالموزاييك السوري الغني ,هذه الهوية تحدد حقوقا وواجبات , في اطار الحياة المشتركة الحرة التي تسودها العدالة والمسؤولية , ويشعر فيها الشعب افرادا وجماعات بكرامتهم التي ستدفعهم الى احترام هذه الهوية والدفاع عنها وحمايتها , دون الانغلاق والغرق في الدوغمائية والقوموية الضيقة التي تختصر حق الشعوب في تقرير مصيرها ببناء الدولة المستقلة , لا بل حتى دون الغرق في مفهوم الدولة كونها باتت الية لا يجوز استهدافها من قبل الشعوب لبناء الديمقراطية باعتبار الدولة اداة قمع لا تشكل الحالة المثالية للديمقراطية , كما ان الفئات التي تبنت الدين الاسلامي تمتلك هوية اسلامية بغض النظر عما اذا كان دخولها قسريا او اختياريا , هذا ناهيك عن هويته الشرق اوسطية الموغلة في جذور التاريخ كاحد بناة هذا الشرق بقوة ,والهوية الديمقراطية التي بات يملكها ويتبناها رغم الشوائب والنواقص , بالاضافة الى تاثيرات الثقافة العربية ولغتها , واساليب الحياة الاجتماعية التي لا تزال مسيطرة , لكن الحقيقة والواقع والمستقبل تفرض علينا ان ننبه الى ان الشعب الكردي في سوريا , باستثناء الكرد الذين سكنوا المدن الكبرى والقادمين مع صلاح الدين او في المراحل التي سبقتها او تلتها بقليل واندمجت في بنية المجتمع العربي , لم يكتسب هوية قومية عربية , بل حافظ على مكوناته القومية الكردية كشعب له تاريخ وارض , لم ينحل ولم ينصهر رغم كل السياسات والاجراءات والممارسات والمشاريع التعسفية اللاانسانية الاستثنائية ضد الكرد كشعب , لطمس وقتل حقيقتة الكردية , رغم ان البعض من ابواق النظام ممن يسمون انفسهم بالمثقفين زورا من الشموليين والقومجيين ,لا يتورعون احيانا عن خلط المصطلحات فيقولون العرب الاكراد , ليس هذا فحسب بل يصرخون من اماكنهم منددين بالحقيقة والاوضاع حتى في العراق , رغم ان الكثيرين من المثقفين العرب العراقيين والمسؤولين يعلنون هذه الحقيقة ومنهم من يدافعون عنها , وهو ما يمكن مصادفته بكثرة على شاشات الفضائيات العربية التي تعزف باغلبها على هذا الوتر بلسان العروبيون , يتنادون للوقوف ضد ما حققه الكرد , رغم ان كرد العراق اكدوا عمليا انهم صمام امان وحدة العراق .
بهذه الهويات يمكن للكرد ان يشاركوا في بناء المستقبل السوري , وفق اصول المواطنة المشروعة , اي ان يشارك الكردي في بناء وادارة وحياة وحماية وتطور وطنه السوري , بهوياته الخاصة به , ككردي وسوري وشرق اوسطي وديمقراطي , وما عدا ذلك من تفسيرات لا يمكن القبول بها لانها تعني الانكار , اي ان المواطنة المشروعة لا تعني ان يتحول الكردي في سوريا الى عربي ويشارك في الحياة قطعا , بل تعني ان الكردي سيشارك ككردي بهويته الكردية المضمونة دستوريا , كمواطن اصيل يتمتع بنفس الحقوق وعليه نفس الواجبات , وهذا ما سيتحقق عبر الاعتراف المتبادل بين كل مكونات الشعب السوري بعيدا عن الاملاء والتسلط من اي طرف كان , وللتاكيد اكرر ان المواطنية تعني ان الكردي سيشارك في بناء وتطور وحماية وطنه السوري كعنصر اصيل وكفرد من ابناء الشعب الكردي الذي يعيش على جزء من ارضه التاريخية كردستان دون ان يعني ذلك تخليه عن هويته الكردية الديمقراطية مع الابتعاد عن المفاهيم العنصرية والعرقية لهذه الهوية , وعدم الرضوخ لفرض اية هوية قومية اخرى , هذا بالاضافة الى عدم تجاهله لمهامه تجاه هوياته الاخرى الكردستانية والشرق اوسطية وغيرها .
انه كردي سوري وليس عربي سوري .
هذا يعني بالطبع ان تشارك كل مكونات الشعب السوري بشعوبه واقلياته واديانه ومذاهبه وغيرها بهوياتها الخاصة التي تشبع رغباتها الاصيلة التي لا تسيء الى الحياة المتداخلة المشتركة لهذه المكونات , وبشكل حر على اسس ديمقراطية تحترم الحقائق والحريات الاساسية و تلتزم بالقيم الكونية التي تشكل ضمانة العيش المشترك بسلام في وطن تحكمه القيم الديمقراطية , والا فان انكار احد مكونات المجتمع السوري او اكثر , سيخل بحقيقة الموازييك السوري الشرق اوسطي , وسيكون ان لم يكن اليوم فغدا كارثة حقيقية على الوطن وشعبه ككل , مع الاشارة الى ان محاولة فرض اية هوية من هذه الهويات سواء اكانت القومية او الدينية او الثقافية او المذهبية او اللغوية , من قبل مكون ما من مكونات المجتمع السوري كبيرا كان ام صغيرا , لن تنجح وستؤدي في النهاية لنسف اسس الوطن السوري المشترك والموحد لكل ابنائه , واعتقد ان ارادة السوريين ستكون - كما يتضح من الواقع المنظور - الى جانب الحياة المشتركة الديمقراطية على اساس المواطنة المشروعة , وستفشل كل ما عداها من محاولات قومية او عرقية او دينية للتسلط من اية جهة كانت .
فالمواطنة المشروعة المكفولة والمضمونة دستوريا لكل عناصر ومكونات الشعب السوري في هذا الاطار هي التي تشكل حل كل المعضلات الاساسية في بنية المجتمع السوري , تخلق الطمانية وتحقق المساواة والعدالة والحرية , مما يمكن الشعب بكل فصائله من الابداع والانتاج , والا فان الاستمرار في الانكار والتفرد سيخلق مشاكل لا تعد ولا تحصى , خصوصا ان التجربة المريرة الطويلة في سوريا والشرق الاوسط والعاملة اكدت استحالة السيطرة على هذه القضايا المجتمعية بالعنف السافر والانكار والابادة .






 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE