Wednesday, 27 June 2007 23:36

 



مسرح الأطفال وتجارب كردية

 


هيزل إبراهيم


يعدُّ المسرح من أعرق الفنون التي أبدعها الإنسان خلال رحلة الحضارة التي بدأ بها منذ بداياته الموغلة في القدم , ( وارتبط هذا الفن بالكثير من مظاهر الطقوس الدينية لدى العديد من الشعوب القديمة)(1) ويمثّل قيمة فنية وتربوية كبيرة لدى شعوب اليوم, ويشكّل جزءاً مهماً في معادلاتها الثقافية ومنبراً إبداعياً يدل على غناها الإنساني وموروثها الأصيل.
ولم يكن المسرح يوماً امتداداً للحياة فحسب, وإنما ارتقى ليشمل الحياة بذاتها وأما فيما يخصّ مسرح الأطفال فيمكن أن نقول أن التجربة الأولى في هذا المنحى كانت لسيدة باريسية تدعى "ستيفاني دوغينيلي" فقد كانت تكتب وتقدم المسرحيات لأطفال طبقتها الراقية فحسب, إلا أن الولادة الحقيقة فكانت في روسيا الاشتراكية عام 1918 حيث تم وضع القواعد له بإشراف المختصين, ثم بدأت الشعوب الأخرى تُقبل عليه بشكل كبير(2) ومسرح الطفل كما يعرّفه الأستاذ علي حمد الله فإنه :
( منظومة انضباطية اللفظ والوقت, وبتنسيق فني وعاطفي وفكري موحّد, يتعلّم العاملين فيه النظام والانضباط والجرأة والروح الاجتماعية)(3)
وتكمن أهمية المسرح بأنه يخاطب الطفل أثناء عملية نموه وتطوّر شخصيته انفعالياً واجتماعياً كما أنه يجسّد بحقّ مراحل التعلّم الحسّية منها والمجردة في آن واحد, ويأتي كوسيلة لتزويده بالمعارف والخبرات وإيضاح المفاهيم والأفكار, و (تبسيط الحوادث التاريخية والنظريات الأخلاقية والاجتماعية والنفسية )(4), وغرس
القيم النبيلة, والعادات السلوكية الإيجابية كالانضباط واحترام قيمة الوقت كل ذلك ضمن قالب ممتع وجذاب, وبطريقة شائقة لا تسمح للملل بالتسرب إلى نفس الطفل كما أنه يشرك أكثر حواس الطفل إثارة له ويُذكي جواً من المتعة والتسلية عندما يُوضع تحت تأثير ذلك الجو الغريب نوعاً ما عن حياة الطفل
فيحقّق بذلك غايتين في آن واحد هما المتعة والفائدة معاً والمتعة أولاً لأن ( التمثيل ترفيه وتوجيه, ولعب منظّم, وشكل من أشكال التدريب على التعبير الذي يُحدثه التعليم في السلوك )(5) كما أن هذا اللون الإبداعي المتميز يهدف إلى تربية وجدان الطفل, وتهذيب عواطفه وإلى السمو بذائقته الجمالية
( ويُكسب ميزة الجرأة والثقة بالنفس بالنسبة للممثلين باعتلائهم خشبة المسرح, وفضيلة الإصغاء والاستمتاع بالنسبة للمتلقين )(6) عندما ترتبط مختلف حواسهم مع أجواء المسرحية
بالإضافة إلى أن العمل المسرحي يساهم في تفريغ الانفعالات المكبوتة, والارتقاء بها .

يقول مارك توين في دور مسرح الطفل:
( إن مسرح الأطفال من أعظم اختراعات القرن العشرين, إنّه أقوى معلم للأخلاق, لأن دروسه لا تُلقن بطريقة مرهقة ومملة؛ بل بالحركة المتطوّرة التي تبعث على الحماسة فتصل مباشرةً إلى قلوب الأطفال, كما أن كتب الأخلاق ولا يتعدى تأثيرها العقل ولكن حين تبدأ الدروس رحلتها مع مسرح الأطفال فإنها لا تتوقف في منتصف الطريق بل تمضي إلى غايتها ) (7)
أما أشكال مسرح الطفل فهي إما أن يكون ممثلوها من الكبار تُوجه للصغار وإما أن يقتصر الأداء فقط عليهم , وأحياناً يكون كتابة أو إعداد النص أو الإخراج؛ إضافة إلى التمثيل من عمل الأطفال وحدهم وهناك أشكالاً أخرى مرتبطة بالمسرح تنضوي تحت لوائه كمسرح الدمى وخيال الظل, أما أنواعه فهناك المسرحية الشعرية والمسرحية النثرية والمسرحية الحوارية(8) ولا ضير في الاعتماد على بعض الحكايات الفلكلورية الهادفة لتكون مادةً خام للنصوص المسرحية؛ وما أكثرها في التراث الكردي, كما ويمكن للكاتب المسرحي تحوّيل قصيدة أو مَثل شعبي أو حدث تاريخي إلى نص مسرحي
أما عن أهم خصائص العرض في مسرح الأطفال فهي وكما يوضحها الأستاذ أحمد إسماعيل إسماعيل في كتابه "مسرحنا المأمول" فهي ( الحركية التي تعني للطفل اللعب, وهي التي تثير الطفل وتحقق له المتعة) (9)
أما شروط مسرحية الطفل وميّزات النص المسرحي الجيد فلا تكاد تبتعد عن الشروط العامة لأدب الأطفال إلا ضمن الخصوصية المسرحية فمن الواجب في البداية (أن تتناسب المسرحية مع المراحل العمرية للأطفال وأن تنسجم لغتها مع قدراتهم العقلية)(10)وأن تتلاءم فكرتها مع بيئتهم وتكون مُشبعة لحاجاتهم المختلفة ومحرّضة لملكاتهم التعبيرية كما يجب أن تكون أحداثها منطقية وأن لا تكون حواراتها طويلة حتى لا تسبب
الملل للأطفال وتشتت أفكارهم ولا يبقى سوى تأمين مقومات المسرحية الأخرى من (ديكور وإكسسوار وملابس)(11) بعد أن ضمنّا جودة السيناريو والحوار والإخراج. ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا بإلحاح أين نحن ككرد من المسرح؟ وأين المسرح من أدبنا؟ وهل تكفي تلك العروض المتواضعة التي نشاهدها في احتفالاتنا وعلى وجه الخصوص في أعياد النوروز حتى نقول بأن لدينا مسرح؟ ثم لنسال عن موقع الطفل من هذا المسرح! وهكذا يتساءل الكاتب أحمد إسماعيل موحياً في إجابته بقدر أكبر من التفاؤل (هل يمكننا أن نجعل من عروضنا هذه لبِنات لتأسيس هذا الفن الجميل؟ وكيف لنا أن نستنبته في تربتنا الخاصة ونُلبسه ثوبنا الزاهي الفضفاض ونجعله يعبق برائحة نسريننا وجبالنا) (12)
أسئلة كثيرة تبحث عن الإجابة وأمنيات متواضعة تبحث عن موطئ قدم .



وأخيراً جميل أن نستشهد بما قاله ستانسلافسكي (من الضروري أن نمثّل للأطفال كما هو ضروري أن نمثّل للكبار ولكن تمثيلنا للأطفال ينبغي أن يكون افضل ولعل المقولة الشهيرة "أعطني مسرحاً أعطيك شعباً" تُعبّر بشيء من البساطة وكثير من العمق دور هذا الفن الراقي في حياتنا ومدى تأثيره في عقول وعواطف أطفالنا ويحثّنا على الوقوف بجدية لدراسته وإيصاله إلى المستوى المطلوب وبالتالي تحقيق رفعة وتقدم وسعادة مجتمعاتنا.

الهوامش:

1) مسرحنا المأمول أ : أحمد إسماعيل إسماعيل ـ دار عشتروت ـ دمشق سنة 1997 ص/7/
2) المصدر نفسه ص/22/
3) أدب الأطفال : علي حمد الله ص/107/
4) المصدر نفسه ص/109/
5) المصدر نفسه ص/170 ـ 109/
6) مسرحنا المأمول : أحمد إسماعيل إسماعيل
7) المصدر نفسه ص /24/
8) المصدر نفسه ص /29 ـ 30/
9) المصدر نفسه ص /40/
10) المصدر نفسه ص /34/
11) أدب الأطفال : علي حمد الله ص/109/
12) مسرحنا المأمول ص /12/








 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE