كأنَّ على رأسهم الطِّير، أم وراء الأكمة ما وراءها...!!؟.

هوشنك أوسي _ دمشق

دائماً، وكثيراً ما نتحدَّث عن أهمية الثقافة في صناعة ماضي وحاضر ومستقبل الأمم، وإدارة دفَّة التاريخ. وكثيراً ما نتحدَّث عن دور المثقف في تقويم الفعل المجتمعي_ الفردي والجماعي_ سياسياً، اقتصادياً اجتماعياً...الخ، في مجتمعنا الكردي. وإن المثقفون هم قناديل الأمة ودروعها. وإنهم "دينمو" الوعي التاريخي للمجتمعات، خاصة، في المراحل العصيبة والحسَّاسة والمصيرية التي تمرُّ بها. فضلاً عن أوصاف وأدوار كثيرة نعوِّلها على المثقف. بيد أنَّ لو تتبعنا أحداث وتطورات التاريخ الكردي المعاصر، وخاصة في العقود الأخيرة من القرن المنصرم، بغية الوصول لأسماء أو كتل ثقافية، كان لها دور ما في حلِّ مشكل داخلي_وما أكثرها_ من مشاكل في المجتمع الكردي، فلا نجد شيئاً يذكر، مع الأسف...!!؟. على العكس من ذلك، كان المثقف الكردي يزيد من حجم تعقيدات المشاكل الكردية الداخلية، فضلاً عن عجزه عن حل مشاكله الخارجية مع الآخر.

المثقف الكردي يعي حقيقة عجزه عن القيام بمهامه المناط به، ويعزو ذلك، إلى الظلم والقمع والاستبداد الذي يتعرَّض له الكرد من جهة، وجهة أخرى، إلى الممانعة الحزبية "الأيديولوجية" والسَّياسية للتيارات والكيانات الكردية، التي تفرض أطواقها على حراكه، معيقة وخانقة دوره، وحائلة دون قيامه بمهامه المرجوَّة منه. وهنالك قسط معقول في هذا المبرِّر. لكن، مثقفنا، بقدر ما يشتكي من الحالة السَّياسة الضاغطة عليه، والمحجِّمة والمقوِّضة لحركة فكره، بقدر ما نجده متهافتاً على كسب ودِّ بعض، أو كل ألوان الطيف السَّياسي الكردي، إن أمكنه. طبعاً، ليس بداعي الحيادية أو خلق حالة من التوافق والتواصل، بقدر ما يكون بداعي استثمار هذه الجهة أو تلك، بغية الترويج لبضاعته "الثقافية"، مستفيداً من منابرها. حينئذ، تطفو الانتقائية والمراءاة، وصنوف الدَّجل والشعوذة "الثقافية" في التعاطي مع المبادئ العامة وأخلاقيات الفعل الثقافي، على سطح التعاطي الثقافي، حيال هذه الجهة أو تلك، وهذا الحدث أو ذاك، من قبل مثقفينا.

الكثير من مثقفينا الأفاضل، هم فصحاءٌ طُلقاء، وضليعون في التَّنظير لـ"حرية الرأي والتعبير، الاستقلالية، الحيادية، الموضوعية، والحرص على المصلحة العليا للأمة...الخ"، لكن، مسلكه مناقض تماماً لِمَ يدعو إليه. وبالتالي، فكل ما يذكره حيال المظاهر والظواهر السَّياسية والثقافية السَّلبية والشَّاذَّة من نقد، يتحوَّل إلى "نقّ ونقض ونميمة...الخ" لا ولن يجدي نفعاً. والأمثلة على ذلك، أكثر من أن تحصى. فالصمت المطبق من قبل مثقفينا تجاه مجازر النظام الفارسي الشوفيني الرَّجعي التي ارتكبها مؤخراً في مدينة "ماكو" على خلفية التظاهرات السِّلمية لشعبنا الكردي هناك، في الذكرى السَّابعة لاعتقال الزَّعيم الكردي عبد الله أوجلان، والتي راح ضحيتها أكثر من12 شهيد، وعشرات الجرحى، ومئات المعتقلين. بالإضافة إلى ما تلا هذا القمع الفظيع والمشين من إرهاب واعتقالات وتمشيط. والصمت المطبق على ما يجري في كردستان تركيا من حراك جماهيري سلمي عارم، وردَّة فعل آلة القمع الأتاتوركية للشعب، فضلاً عن الضَّحايا من الشهداء الكرد في الاشتباكات المسلحة بين الثوار الأكراد والجيش التركي؛ شهداء منطقة "كربوران" السبع مؤخراً_ علاوة على الصمت الثقافي "القومي والوطني" الكرديين على العزلة المشدَّدة على أوجلان، وتبعاتها. ما هو مبرر كل هذا الصمت المشبوه، إلا يقظة ضمائر مثقفينا الكرام، الذين لا يخشون على حياديتهم وموضوعيتهم واستقلالهم، لومة لائم...؟.

من الضروري، والضروري جداً، أن يبقى مثقفونا صامتين على ما جرى في "ماكو"، لأن المظاهرة السلمية كانت لأجل تأييد أوجلان. وبل كان ينبغي لطغاة طهران أن يسحقوا المتظاهرين أكثر، لمجرَّد مطالبتهم بالإفراج عن أوجلان، كي يشفى غليل الناقمين على الأخير. ومن الضروري جداً أن يبقى مثقفونا محافظين على صمتهم على النضال السلمي الديمقراطي المتصاعد للشعب الكردي في كردستان تركيا، لأن حركة أوجلان من تقود هذا النضال. ومن الضروري جداً أن يستمرَّ صمت مثقفينا الكرام على شهداء وضحايا المقاومة الكردية المسلحة في كردستان تركيا، لمجرَّد أن حركة أوجلان من تقودها. ومن الضروري جداً ان يبقى صمت مثقفينا وساستنا الأفاضل على ما يتعرَّض له أوجلان من عزلة وتجريد شديدين في معتقله، لمجرَّد أن أوجلان هو أوجلان...؟. وليس هذا وحسب، بل نجد بعض الجهات الإعلامية الكردستانية، تتعمَّد التعتيم الإعلامي على كل ما سلف ذكره، وبل إفساح المجال للتهجم والتطاول على أوجلان وحركته، في هذه الأوقات الحسَّاسة والعصيبة بالذات، كفضائية "KURDISTAN TV" التي تقوم بإعداد برنامج أسبوعي يستضيف بعض الأشخاص من ممثلي بعض التيارات السَّياسية الكردية الناقمة والمعادية لأوجلان وحركته، لينبروا ويطرحوا ما تجود بهم قرائحهم السَّياسية القومية والوطنية من دُرر الشتائم والاستهتار والاستهزاء بما جرى ويجري في كردستان تركيا من كفاح مسلَّح، ونضال سلمي ديمقراطي جماهيري، لا ناقة لهم فيه، ولا جمل. ولا تكلَّف هذه الفضائية الكريمة مشقَّة وعناء استضافة ممثل أو مقرَّب من فصيل أوجلان، من باب الالتزام بالحيادية وتوخِّي الموضوعية وإفساح المجال للرأي والرأي الآخر...؟.

أعتقد أن التضامن مع شهداء "ماكو" وكربوران"، وحتى مع السيّد أوجلان، ثقافياً وإعلامياً، وحتى سياسياً، هو استحقاق إنساني أخلاقي، قبل أن يكون قومي ووطني "كُردواري". ليس حبَّاً في أوجلان، وتأييداً لنهجه الأيديولوجي والسَّياسي، بل كرهاً للظلم والقمع والاستبداد الخومينوي والأتاتوركي المشترك الذي يواجه شعبنا الكردي آلة حربه، في تركيا وإيران بصدورهم العارية. ولا يمكن أن ننعت صمت مثقفينا وساستنا حيال هذا الموضوع، وكأنَّ على رأسهم الطير، على أنه جهل بحقائق الحدث، لا أبداً. فأقلُّ ما يقال فيه: بأنه تواطؤٌ واشتراك في هذه الجرائم، بالصمت عليها. وهذا ما يحيلنا لإعادة النظر في الكثير من المفاهيم التي نتداولها في سياق تحليلنا وتشخيصنا للمشهدين السَّياسي والثقافي الكرديين، كـ"النخبة، المثقف،" على سبيل المثال، لا الحصر، وهل هي موجودة لدينا أم لا...؟.



 
 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 

زاويــــــــــــــــة

 يحررها الكاتب والشاعر

 هوشنك اوسي

 


 
 

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE