|
وعي الاستبداد
هوشنك أوسي
_ دمشق
سيف الدِّيمقراطية
قبل فترة، وعندما كانت تستضيف
حاضرة الأمويين دمشق، ضيفاً
عزيزاً على قلب الدَّولة، وبعد
التَّباحث والتَّداول حول القضايا
والأمور ذات الاهتمام المشترك،
وبعد تقديم الولائم والمآدب على
شرف الضَّيف العزيز، كان يُهدَى
سيفاً دمشقياً، كتذكار يحمله معه
إلى بلده. ولأن دمشق كانت تشتهر
بصناعة السُّيوف البتَّارة منذ
عهد الأمويين، أضحى السَّيف رمزاً
دمشقياً أصيلاً، إلى درجة صار له
نصب تذكاري شامخ_ في ارتفاع يزيد
عن 10 أمتار_ يتوسَّط ساحة
الأمويين في قلب دمشق، كالخازوق
العثماني العملاق، في محاولة على
إبقاء ذاكرة القتل والقمع حيَّة
في وعي المواطن السُّوري إلى
الأبد.
وكثيراً ما يطالعنا إعلامنا
الدِّمشقي الأصيل لعُرفه وسيفه،
ونقلاً عن مسؤولينا الأشاوس،
عندما يسألون عن الدِّيمقراطية
وحرِّيَّة التَّعبير وحقوق
الإنسان...الخ، قولهم: نحن لدينا
ديمقراطيتنا الخاصَّة بنا،
ديمقراطية صناعة محليَّة وليست
مستوردة، تتناسب مع مقاساتنا
ثقافتنا السَّياسية وحضارتنا
وعاداتنا وتقاليدنا ورسالتنا
الخالدة...الخ. وهذا القول، هو
عين اليقين وقلبُ الحقيقة، في
أنَّ الدِّيمقراطية الحالية
المخيّمة على دمشق، هي من نوع خاص
جداً جداً، في بترها للعلاقة
الوشيجة بين الدَّولة والمجتمع،
والوطن والمواطن. ديمقراطية،
حاملها الاستبداد، وقوامها
الفساد، وأداتها سيف الأمن
المتأهِّب لأن يودي بعنق أي رأي
حر، قبل صاحبه الذي_ في أفضل
الأحوال_ مصيره خلف قضبان وجدران
الشَّفافية التي ينعم في ظلالها
الوطن والمواطن السُّوري.
اغتيال وطن
عندما أصبحت الدَّولة معطَّلة في
سوريا، بفعل الدَّستور الذي أحيل
على التَّقاعد، منذ إعلان البعث
لحالة الطَّوارئ والأحكام
العرفية، مستهلاً بذلك مصادرته
لمؤسسات الدَّولة، وممهداً
للاستبداد كي يصبح لسان حال الحكم
في سوريا، تعرَّضت الدَّولة للنخر
والتآكل الدَّاخلي تحت ضغط الفساد
المستشري في كافة مفاصل وتفاصيل
الحياة العامة، من جهة، ومن جهة
أخرى، تعرَّض الوعي المجتمعي
لحالة تخريب وإتلاف ممنهجة واسعة
النِّطاق، طالت أجيالاً من
السُّوريين. ما أدَّى إلى التباس
وخلط فظيع وخطير بين مفاهيم عديدة
لدى المواطن السُّوري، إلى درجة
لم يعد يميّز بين الوطن
والدَّولة، والدَّولة والنِّظام،
والنِّظام والحزب، والحزب
والرَّئيس...الخ. وبدأ مفهوم
الوطن ينسحب من وجدانه ووعيه،
لينحسر في الحزب الذي تحوَّل إلى
الدولة والمجتمع والوطن في آن.
فأي انتقاد بحق مسلك الحزب، صار
يُعتبر خيانة بحق الوطن والدَّولة
والمجتمع، يستوجب العقاب
الشَّديد، بإقامة الحدِّ على
المُنتقِد. فالمواطن السُّوري لا
يعرف أنه ولِدَ وترعرع، وربما
ينتقل إلى الرَّفيق الأعلى، وهو
في كنف حالة الطَّوارئ والأحكام
العرفية، التي تعتبر أهم المنجزات
الخالدة للحزب الخالد، القائد
للدَّولة والمجتمع والوطن، الذي
أحدث شللاً للدَّولة وأدخل
القانون في غرفة الإنعاش إلى
الأبد، وحوَّل المجتمع إلى أنقاض،
والمواطنين إلى قطعان من الصُّم
والبكم والعميان. فتشكَّلت لدى
المواطن السُّوري منظومة قيمية
أخلاقية جديدة، قيَّدته وألغت
إرادته، وغيَّبته عن ممارسة الفعل
الوطني، لجهة استتباب الفعل
الحزبي الأمني الذي جعل الوطن
مشاعاً ومباحاً للسَّلب والنَّهب،
بشرط أن يلغي المواطن لكلمة "لا"
من قاموسه، تحت طائلة السَّحق
والمحق السَّياسي والاقتصادي
والنَّفسي والجسدي بقبضة الأمن
التي تسيير أحوال الدَّولة
المعطَّلة والوطن المغتال لأجَلٍ
مفتوح، غير مسمَّى.
مواطن برسم الاعتقال
فغدا الولاء المطلق والطَّاعة
العمياء هي القاعدة العامَّة التي
بموجبها يتحدَّد النَّسق العام
لحياة المواطن السُّوري. ومن
يشذُّ عن هذه القاعدة، فسيلقى
مصيره المحتوم، لأن وعي الاستبداد
لا ولن يطيق أو يحتمل أي شذوذ
"لاوطني" صادر عن أحد يعكِّر صفو
هذا البلد الأمني "الآمن". وعليه،
لا أعتقد أن مذكَّرات الجلب
والتَّوقيف الصَّادرة بحق بعض
الموقعين على "إعلان دمشق _
بيروت" ناتجة عن خطورة البيان أو
الموقعين عليه، على الأمن القومي
الحزبي في سوريا، بل لأن وعي
الاستبداد، هو وعي جبان وخائف،
حتى من توقيع صغير يُلقى أسفل
بيان، أقلُّ ما يقال فيه: إنه
دعوة للتَّجسيد الحقيقي لمقولة
الرَّئيس السُّوري الرَّاحل حافظ
الأسد :" السًُّوريون
واللبنانيون، شعب واحد في بلدين
جارين شقيقين". هذه المقولة
الحاضرة، وبقوَّة، في اتفاقية
الطَّائف، وهي التَّرجمة الحقيقية
لطبيعة العلاقة التَّاريخية
السَّليمة التي تعترف بوحدة
الشَّعبين، وبوجود بلدين مستقلين
سيدين حرَّين، هما سوريا ولبنان.
لكن، وعي الاستبداد، يخشى من
تسرُّب كلمة "لا" اللبنانية التي
أطاحت بالوعي الأمني المتحكِّم
بالعلاقة السُّورية اللبنانية،
إلى سورية. ولذا، فالمواطن
السُّوري هو مشروع معتقل سياسي،
إن حاول أن يقول: لا للاستبداد.
الانزلاق نحو الهاوية
إنَّ الاعتقالات السَّابقة
والحالية التي طالت نشاطين في
مجال حقوق الإنسان، وكتَّاباً
ومعارضين سياسيين، عرباً وأكراد،
لهي مؤشِّر دامغ على الانسداد
والعقم الكامن في وعي الاستبداد
الذي بات يرهب من أي تجمُّع سياسي
أو ثقافي أو حقوقي مدني، هادف إلى
إبداء النُّصح أو المشورة
للنِّظام الحاكم، علَّه ينصت لصوت
الوطن، ولو لمرَّة واحدة في
حياته، بغية إنقاذ الوطن من
المنزلق الخطير جداً الذي باتت
سوريا عليه. وذلك، باستماتة وعي
الاستبداد في مزاولة سلوكه الأمني
الكفيل بوضع حاضر ومستقبل سوريا
على منحدرات غاية في الخطورة،
تفسح المجال واسعاً أمام الأجنبي
ليفرض نفسه على المواطن السُّوري
على أنه الملاذ والخَيَار الوحيد
والأخير المتبقِّي أمامه حتى ينجو
من الهاوية. وعليه، فالجرعات
الأمنية المتزايدة التي يضخُّها
وعي الاستبداد في جسد الوطن، هو
مطلب اجنبي، يخلق للخارج المبرِّر
والمسوِّغ يطرح نفسه بديلاً عن
الاستبداد، أسوة بوعي الاستبداد
الذي يهدد الوطن والمواطن ذاكراً:
إمَّا أنا أو الفوضى التي بدأت
تجلياتها تطفو على سطح الاختراقات
الحاصلة في الأردن، وفي فلسطين
والاحتراب "الفتحاوي _ الحماسوي"،
ذو المنشأ الخارجي، الذي هو قاب
قوسين أو أدنى من الحرب الأهلية،
وفي لبنان، سعياً إلى قلب طاولة
"الحوار الوطني" على رأس
المتحاورين، استنداً على السِّلاح
الفلسطيني وسلاح حزب الله، وفي
العراق، عبر التفخيخ السَّياسي
المعطِّل للحكومة، والعبث بأمن
العراقيين، وهدر دمائهم. فوعي
الاستداد يطرحه مشروعه في خلق
"الفوضى الهدَّامة" في مواجهة
"الفوضى البنَّاء" التي يطرحه
الأمريكان. وما بين هاتين
"الفوضتين" ستدخل المنطقة في نفق
مظلم، هو الوليد الشَّرعي لوعي
الاستبداد.
|