الجريمةُ رهيبةٌ جداً بل مأساةٌ أليمةٌ بكل
معنى الكلمة. مأساةُ شعبٍ طيبٍ لا ذنب له ولا
جريرة إلا أنه وجِدَ في تلك القرى المسكينة
التي نكبتها يدٍ شريرة.
وللأسف فقد تحول العراق الغالي بمعظمه إلى أرض
تلفه المآسي يصنعها بيده الشاهِدَةُ على
أفعاله الشنيعة هذا الإنسان الخالي من الأخلاق
والمشاعرِ، القذر الساقط المنحط البالي.
وهل ممكن أن يرتكب هكذا مجزرة بشعة سوى تمساحٌ
فاقدُ القلب ساقطٌ من إنسانيته مقنعٌ بوجه
بشري هو في الحقيقة وحشٌ مفترسٌ بنفسية خنزيرٍ
قذرةٍ مكانه الصحيح مزابل التاريخ والأقذار.
أما شهداء "تل عزير" و"سيبا شيخ خدر" الأبرار
فليكن استشهادُهُم شُعْلَةَ حُرِّيَّةً
للأحرار في العراق وكردستان العراق وفي الشرق
برمته الذي تحول إلى أكبر مصدرٍ للإرهاب
المنظمِ وأفعال الخزي والاغتيال والعار.
لنشعل لهم الشموع في شنكال، لنصلي لأرواحهم
الطاهرة بكل اللغات والأديان، ونحيِّ ذكراهم
في الساعة السابعة والنصف من مساء الرابع عشر
من آب من كل عام، لكي لا ننسى ما فعله القتلةُ
اللئام، ولكي تظل ذكراهم محفورةً في الضمير
الوطني العراقي والوجدان عبر السنين والأيام.
أن نسامح نعم ! ولكن لا للنسيان!.
كيف لا والجريمة هي مأساةٌ تهز الضميرَ مؤنبةً
كلَّ من يملكُ ضميراً حياً، طارحةً علينا ألفَ
سؤالٍ وسؤال. أين الخلل؟ في العقل أم في القول؟
في الفكر أم في الممارسة؟ في القلب أم في
النفس، في تمجيد التاريخ إلى حد نسيان الذات
أم في تقديس الأمس وعالم الأموات، أم بهم
جميعا؟.
هل هو في الجهل المستشري والتخلف؟ أم هو في
الحقد على الآخر الذي لا يداوى إلا بالمحبة
والأخوة والتآلف، وانتصار قيم الإنسانية
والديمقراطية على آفات العنصرية والشمولية
المريضة؟.
فكم من المتعلمين الجامعيين هم في الحقيقة
جهلةٌ أميين!.
كيف يحدث هذا الإجرام الوحشي المتعمد عن سابق
تصور وتصميم والذي يفوق كل التصورات؟
أين قيم الشرق الإنسانية الأصيلة التي يجب أن
تكون في الواقع متأصلة فينا؟
أين الرحمة؟ أين الرأفة؟ أين التسامحُ؟ أين
الأخلاق؟
أين طيبةُ أهل العراق؟
وهل ممكن أن يرتكب عراقي ابن عراقي هذا العمل
الحقير؟ لا أتصور! هذا العمل الجبان لا يمكن
أن يرتكبه نشامى العراق؟ فالعراقي شهم وهذا
العمل المدان لا يرتكبه إلا اللصوص أو أشباه
اللصوص من مرتزقةِ الإرهاب الذين استباحوا
حرمة العراق ودنسوا أرضه الطاهرة.
مصيبة العراق أنه اليوم مستباح دون سياج تعصف
به قوى الظلام والأشباح.
أين سماحة أديان الشرق العظيمة التي صدرنا
جواهرها إلى كل أنحاء العالم وقعدنا على
قشورها نتشبث بها حجابا ونقاباً، تطرفا وضياعا،
تعصبا وإجراما بحق الأخر وأنفسنا ؟
أين حضارات الشرق الإنسانية الأولى والعراق
مهدها، التي نحن من ساهم في إبداعها رسما
وحرفا، لغة وأدبا، دولا وشعوبا ومدائن ومدنية؟
ألا نخاف الله والآخرة وساعة الحساب أم نحن في
الحقيقة شعوبٌ كافرةٌ نتسترُ بالدين بهتانا
وتكاذبا ونفاق؟
فمن يرتكب هكذا إجرام لا قيم له ولا قيمة حتى
ولو ادعاها، ولا دين له ولا إيمان، حتى ولو
صلى وتعبد وصام.
إذا نجا من عدالة الأرض ألا يخشى عدالة السماء؟
بلادنا مهد الحضارات من وادي النيل إلى الفرات
وأجدادنا من سومريين وكلدان وآشوريين وسريان
وفراعنة وفينيقيين وكرد وعرب وفرس وتركمان ...
الخ، هم صناعها الأوفياء خرجوا بها إلى العالم
قيما وشرائعَ وأديانا وحضارات.
والآن أين نحن من هؤلاء؟ هل فقدنا كل ذلك
وكأننا لسنا نحن؟ هل حقا نحن ورثتهم أم خنا
الأمانة؟ وخسرنا وبكل سهولة القيم والأديان
والحضارة؟ هل فقدنا إنسانيتنا؟ هل تحولنا إلى
برابرة تائهين على غير هدى نتخبط في ظلام
أنفسنا؟ نتبجح غرورا بغزو نيويورك وقتل
الأبرياء ونرتكب أعظم الآثام وأبشع الإجرام في
القريتين الكرديتين الوديعتين"تل عزير" و"سيبا
شيخ خدر".
مأساة القريتين هي كارثةٌ غيرُ طبيعيةٍ توقظُ
الوجدانَ لينهضَ من سباته العميق يحاسب نفسه.
تلسعنا أنات الضحايا وولولاتهم في لحظات
الوداع الأخيرة دون وداع. تصرخُ في وجوهنا
جميعا صرخات هؤلاء المعذبين المساكين في أرض
شنكال الطيبة ، وتدعونا للبكاء بحرقةٍ وسكون
على ما يحدث يوميا في بلاد الرافدين من قتل
وجنون.
جرائم هي إبادة جماعية بحقد أسودٍ يعتمل في
عقولٍ مريضة ارتكبته وحوشٌ ما فرقت بين طفل
وشيخ ، ولا بين شاب وصبيه. إنه الإرهاب خارج
من أعماق التاريخ بصورة متطرف بشع حاقدٍ كريه
يعيش الحاضر وعصر الكمبيوتر إلا أنه في دهاليز
الماضي يتيه.
أعزي من أعماق القلب الشعب العراقي الحبيب
بكافة أعراقة وأطيافه وبالأخص الأشقاء الأكراد،
وخصوصا أبناء الديانة الايزيدية الكريمة بهذا
المصاب الجلل والضحايا البريئة التي خسرناها
جميعا.
لا تبكوهم فالشهداء في سلامٍ واطمئنان
اذكروهم كلما هبَّ النسيمُ العليل
على قرى كردستان.
الغيوم ستنقشع حتما وتأخذ معها الضباب
ولا بد لشمس العراق الديمقراطي
من أن تشرق بعد طول غياب
الربيعُ قادمٌ لا محال
مع نيروزه على شنكال
محملا بالورود والأزهار
وعبق الشهداء الأبرار
الحياة يجب أن تستمر
وأدونيس سيلتقي عشتار
في سنجار