ابن بردى
شهدت بلدة " عين العرب " شمال سورية يوم الإثنين الماضي أعمال عنف
بين المواطنين الأكراد وأجهزة الأمن على خلفية منع أنصار الجناح
السوري من حزب العمال الكردستاني من الاحتفال بالذكرى الخامسة
والعشرين لتأسيسه . وطبقا لما أفادت به المعلومات القادمة من هذه
المنطقة التي يشكل المواطنون الأكراد أغلبيتها الساحقة ، فإن
الاضطرابات أدت إلى إصابة العديد بجراح ، وتحطيم زجاج العديد من
السيارات ، فضلا عن اعتقال العشرات من المحتجين على هذا الإجراء
البوليسي . وكانت هذه البلدة إحدى المناطق الكردية التي شهدت ربيع
العام الماضي هبّة شعبية كردية قام بها مئات الألوف من أبناء الشعب
الكردي على مدى عدة أيام ، ولم تتمكن من التحول إلى انتفاضة شاملة
، عربية ـ كردية ، بسبب تواطؤ بعض القيادات الكردية مع أجهزة
المخابرات ، و الموقف العنصري الشوفيني لبعض أوساط المعارضة
العربية السورية إزاء القضية الكردية ، فضلا عن أسباب أخرى . وقد
أدت تلك الأحداث إلى مقتل العشرات بنيران أجهزة المخابرات ووحدات
الحرس الجمهوري التي نقلت إلى المنطقة على وجه السرعة ، وإلى
اعتقال ما يزيد عن ألفي مواطن كردي بعضهم من الأطفال والأحداث
الذين جرت إحالتهم إلى المحاكم العسكرية .
أيا تكن هوية الحزب الكردي الذي وقف وراء هذه الاحتجاجات ،
والمناسبة التي جرت على خلفيتها ، فإن هذا لا يغير من حقيقة
الأسباب الفعلية التي تغذي كل ما جرى وسيجري من أحداث عنف
واضطرابات ، ولا من جوهرها المرتبط أولا وأخيرا بأوضاع الشعب
الكردي في سورية . وإذا كان بعض هذه الأوضاع ناجما عن الإحصاء
السكاني الاستثنائي الذي أجري في العام 1962 ، وأدى إلى تجريد
عشرات ألوف الأكراد من جنسياتهم ، فإن التدابير الأكثر صرامة وشدة
وتطرفا بحق الشعب الكردي في سوري تمت بعد مجيء حزب " البعث " إلى
السلطة في العام 1963 . حيث عمدت حكوماته المتعاقبة ، وبشكل خاص في
عهد حافظ الأسد ، إلى القيام بإجراءات عنصرية بحق الأكراد وصل
بعضها إلى حد التطهير العرقي المشابه في كثير من جوانبه لما كان
يحدث في جنوب أفريقيا سابقا ، وفي ظل النظام العراقي البائد . فقد
جرى تبديل أسماء المئات من القرى الكردية التي تضرب جذورها في
التاريخ لآلاف السنين واستبدالها بأسماء عربية ؛ وأقدم النظام على
تهجير عشرات الألوف من الفلاحين والمزارعين الأكراد إلى مناطق أخرى
قبل الاستيلاء على أراضيهم وتسليمها لمواطنين عرب تم استقدامهم من
مناطق أخرى في إطار المشروع المسمى بـ " الحزام العربي " . وخلال
السنوات اللاحقة اتسع نطاق هذه الإجراءات العنصرية إلى حد إصدار
قرارات عرفية ، كما حصل في محافظة الحسكة في العام 1989 ، تقضي
بمنع المواطنين الأكراد من استخدام لغتهم حتى في الأعراس وأماكن
العمل ، وهي المحظور عليهم استخدامها أصلا في مجالات التعليم
والانتاج الثقافي والنشر . غير أن ما يلفت الانتباه في التدابير
القمعية الأخيرة هو أنها جاءت بعد شهرين فقط من المؤتمر القطري
العاشر لحزب " البعث " الذي أوصى بحل مشكلة المواطنين الأكراد
المجردين من جنسياتهم ، أو على الأقل قسم كبير منهم . فبدلا من
تنفيذ هذه التوصيات التي بقيت حتى الآن حبرا على ورق ولم تتقدم
خطوة واحدة باتجاه التنفيذ ، استمرت حملات الاعتقال والترهيب ضد
النشطاء الأكراد ، بل وتوزيع السلاح على بعض القبائل والعشائر
العربية التي تقطن في المناطق الكردية لتكون جيشا رديفا للنظام
وأجهزته إذا ما تطورت الأمور أكثر من ذلك . ومن المعلوم أن هذه
القبائل والعشائر تشكل امتدادا للقوى التي تدعم الإرهابيين في
العراق وتوفر لهم مجالا حيويا للحركة والتزود بأدوات القتل
والتخريب .
صحيح أن الاحتقان العام في سورية يظهر على نحو أكثر وضوحا في
الشارع الكردي ، بسبب قدرة القوى السياسية والمجتمعية الكردية على
التعبئة والنشاط قياسا بالقوى العربية ، وبسبب خصوصية قضيتهم في
إطار القضايا السورية العامة والمشتركة ؛ إلا أنه من الصحيح أيضا ،
وبالدرجة نفسها ، أن هذا الاحتقان يطال مختلف شرائح وفئات المجتمع
السوري . غير أن غياب الحريات العامة ، والقضاء على الحياة
السياسية منذ مجيء " البعث " إلى السلطة قبل أكثر من أربعين عاما ،
وبالتالي انسداد أبواب التعبير الحضاري أمام الناس ، لم يبق لهذا
الاحتقان في غالب الأحيان منفذا للتنفيس إلا المسارب المذهبية
والطائفية والعرقية ، وأشكالا من العنف لم تكن مألوفة قبل استيلاء
"البعث" على السلطة . فقد شهد عدد من المدن والبلدات السورية على
مدار العام المنصرم صدامات مذهبية وطائفية كان أساسها مجرد خلافات
عائلية أو مهنية أو حتى شخصية ، كما حصل في مدينة مصياف وبلدة
القدموس على سبيل المثال . وفي جميع الصدامات الحاصلة لعب غياب
دولة القانون والمؤسسات ، بل وانحياز أجهزة النظام إلى هذا الطرف
أو ذاك ، دورا أساسيا في تأجيج المشاعر ودفع الأمور إلى الانفلاش
والتفاقم لتتخذ بعدا مذهبيا أو طائفيا أو عرقيا لم يكن أصلا في
أساس المشكلة . ولعل الأخطر من ذلك كله هو أن السلطة وإعلامها كانا
يلجآن دوما إلى خداع وتضليل الرأي العام ولوي عنق الحقيقة إما من
خلال تقزيم الأحداث ووصفها بـ " المشاجرات " ، أو من خلال ربطها بـ
" أصابع خارجية " مزعومة ! وفي الحالتين كلتيهما تكون الغاية
الأساسية هي تقديم صورة كاذبة للرأي العام الخارجي عن " الاستقرار
" الوهمي و " الوحدة الوطنية " المزعومة !
ما من شك في أن النظام السوري أول العارفين والمدركين أن "
الاستقرار " و " الوحدة الوطنية " اللذين يتحدث عنهما ليسا سوى
كذبة كبيرة فرضها القمع والإرهاب والخوف . وقد برهنت الحوادث
المشار إليها على أن أي شرارة ، ومهما كانت صغيرة ، يمكن أن تحرق
البلاد من شمالها إلى جنوبها . والأخطر من ذلك كله أن هذا النظام
يعرف جيدا أن دولة القمع والفساد التي بناها على مدار العقود
المنصرمة هي السبب في كل ما جرى وسيجري . ومع ذلك فإنه لم يصغ إلى
النصائح التي جاءته من الداخل والخارج بوجوب الاتعاظ بما جرى في
العراق ، واستمر في هذه الممارسات كمجنون فقد عقله وصوابه وراح
يتصرف مع الناس بوصفهم رهائن لمشاريعه ومغامراته الطائشة . لكن من
يدري ؟ ربما يكون استمراره في جنونه من مصلحة الشعب السوري وجيرانه
! فقد علمتنا التجارب أن مجنون القرية تصل به ممارساته إلى مرحلة
يجبر فيها أهل قريته على اعتقاله وتسليمه إلى أقرب " عصفورية " أو
مخفر شرطة . وقد فات النظام السوري أن العالم أصبح مجرد قرية كونية
واحدة . صحيح أنها قرية كبيرة ، لكن كبرها أضيق من أن يسمح بوجود
مجانين طلقاء في شوارعها . فادعوا الله معي أن يزيده جنونا !
دمشق ،19 آب 2005