الملا رمضان_رحمه الله_ ليس الملا رمضان البوطي المعروف، كان أحد
ختايرة الدرباسية المعروفين. كهل كردي متدين، مواظب على تأدية فرائض
الإسلام والالتزام بأركانه. وأثناء احتضاره، أوصى أولاده أن يدفنوه في
الشام، دمشق. وحين سأله أولاده عن السبب في اختياره للشام؟. أجابهم
قائلاً: يُقال بأن الله سبحانه وتعالى، سيضع ميزان العقاب والثواب في
الشام. وسيحاسب الناس هناك. وسيحمل كل إنسان ذنوبه على ظهره، ثم يتجه
صوب الشام في يوم الحشر العظيم. وكي أتجنب عناء ومشقَّة المسير من
الدرباسية على الحدود "التركية السورية" إليها، لذا أتمنى أن يكون قبري
في الشام، فأخرج من قبري، ودغري أذهب إلى مقابلة ربي جلَّ وعلا، وأضع
سيئاتي وحسناتي على ميزانه الكريم. فباغته أحد أبنائه مازحاً: لكن، يا
أبي، يُقال بأن المرء سيقوم بجمع ذنوبه من الأماكن التي ارتكب فيها هذه
الذنوب. يعني أنه لو ارتكبت ذنب صغير في روسيا أو في إيران أو اليمن،
فسوف تذهب إلى هناك، كي تأتي بهم. ولن ينفعك وجود قبرك في الشام، على
العكس، قد يزيد من عنائك لا سمح الله. فيستحسن أن ندفنك في بلدك، بعد
عمر طويل إن شاء الله. فرفض الملا رمضان مشورة ابنه، وبقي على قناعته
التي فضَّلت الدفن في ثرى الشام عن الدفن في بلده. وكان له ذلك.
عذراً فيروز.. لقد اتخذت جملة من إحدى أغانيكِ عنواناً لمقالي هذا، دون
أن أعرف من كتب كلامات هذه الأغنية الخالدة، ومن لحنها. لكن، ما أعرفه
أن العظيمة الرائعة فيروز هي التي غنتها، كما غنَّت لبيروت ولبغداد
والقاهرة ومكَّة وعمَّان وعُمان...الخ.
الشام، هذه المدينة التي حيك حولها الكثير من القصص والملاحم الواقعية
والخيالية إلى درجة الأسطرة، هذه المدنية التي شهدت تعاقب الكثير من
الحضارات التي ساهمت في تشكيلها وتكوينها تاريخياً وثقافياً،
كالفينيقية والكنعانية والآرامية والهورية الميتانية والآشورية
والبابلية والكلدانية والميدية والفارسية والرومانية والبيزنطية
والمسيحية والإسلامية...الخ. هذه المدينة التي كانت مسرحاً لحروب ضروس،
فضلاً عن خوضها لحروب ضارية ضد مستعمريها ومحتليها، زالت تلك الحضارات،
ولم يبقَ منها إلا الموروث، رحل عنها كل مستعمريها ومحتليها، وبقيت هي،
شاهدة على عظمة تراثها، وشموخ أبناءها، وعبقرية تاريخها، وظلم
جغرافيتها لها. هذه المدينة العبقرية، بعد أن كانت في مقدمة وصدارة
عواصم التاريخ، ما حالها الآن؟ ما الذي تبقى منها؟ ما الذي جعلها مهمشة
ومعطَّلة في عملية ترتيب وتركيب معادلات العصر وتوازناته، مما جعلها
نكرة حضارية، ولا محل لها من الإعراب الحضاري حالياً؟ وما الذي يعيق
حضورها على مسرح صناعة التاريخ، كما كانت في ماضيها؟ وهل ستبقى غائبة
عن صناعة المستقبل أيضاً؟.
تاريخياً، كانت الشام مركزاً تجارياً حيوياً، وملتقى الطرق والقوافل
التجارية، لما تتمتع به من موقع استراتيجي جيواقتصادي هام، كونها
المفصل الحيوي بين الشمال والجنوب، وبوابة الشرق على الغرب. فحتى
الرسول الكريم محمد "ص" كان يقود تجارة زوجته خديجة "ر" إلى ديار الشام.
لقد أدرك الأمويون، وعلى رأسهم معاوية أهمية ودور الشام في عالم
التجارة آنذاك، لكونهم رجال مال وأعمال محترفين، قياساً بأقرانهم من
بطون قريش. ما دفعهم لنقل عاصمة الخلافة الإسلامية من الحجاز "مكَّة"
إلى الشام، بالرغم من احتواء الأولى على بيت الله الحرام، وقبر الرسول
الأكرم "ص". وقد يكون هنالك أسباب سياسية أخرى واقفة وراء نقل الأمويين
لعاصمة المسلمين من الديار المقدَّسة في الحجاز إلى ديار الـ"شام شريف"،
منها: الابتعاد عن المركز التقليدي للسلطة الدينية،قد يوفِّر حرية أكثر
في التعاطي مع الشؤون الدينية والدنيوية لصالح الأسرة الأموية الحاكمة
التي وصلت للحكم استناداً على إرث عثمان بن عفان، من جهة، وعلى جبال من
الجماجم، من جهة أخرى. وعلى الرغم من الحروب الخارجية، والفتن
والاضطرابات الداخلية، إلا أن الأمويين حوَّلوا من الشام إلى مركز
إشعاع ثقافي وتجاري وعمراني حضاري غاية في الأهمية آنذاك.
لا تتمتع الشام وأهلها في الموروث الشعبي الشيعي والعلوي بمكانة تليق
بها. على العكس من ذلك، فأنها لا زالت محل احتقار وإدانة تاريخية،
مستندين في ذلك على وجهة النظر القائلة بأن أهل الشام ناصروا الأمويين
ومعاوية وابنه يزيد في حروبهم على "آل البيت" في صراعهم وتنازعهم على
الخلافة والولاية. وبالتالي، فأهل الشام لازالوا في نظرهم، شركاء فيما
اقترفه أو ارتكبه معاوية وابنه يزيد بحق علي وابنيه الحسن والحسين.
وعلى ضوء ما سبق، أعتقد بأنه ثمة حقد وكره مبطَّن للشام، ذو خلفيات
تاريخية مذ أضحت الشام أموية.
أعتقد أن النسخة الأصلية من أهل الشام "الشوام الحقيقيين" قد انقرضت أو
في طريقها للانقراض. تلك النسخة التي قارعت "العصمنلي" و"الفرنساوي"
بشراسة. تلك النسخة التي كان غالبيتها العظمى من الـ"زكرتاوية
والقبضايات" الذين لا يسكتون عن ظلم، ولا ينامون على ضيم. تلك النسخة
تحاول الدراما السورية الإشارة إليها، وإعادة إحيائها في أعمالها
التلفزيونية كـ"أيام شامية، حمَّام القيشاني، الخوالي، ليالي الصالحية...الخ"
ماذا تبقى منها الآن؟. فقد تعرضت شخصية الإنسان الدمشقي الشامي إلى
عملية تشويه فظيعة، ما جعلها رمزاً للجبن والقنوط والخنوع والاحتيال
والكذب والرياء وعبادة المال والفسق والفجور و..و..و...الخ. فضلاً عن
كون سكان دمشق الشام الأصليين قد هجروها، بعد أن ارتضوا بيع عقاراتهم،
وشراء عدة بيوت بثمنها في ريف دمشق.
أما الغالبية العظمة من تجار دمشق فباتوا رشاة و"قوَّادين" وعسس لدى
ضباط الأمن و"الأمان" كي يمشُّوا أمور تجارتهم، دون اكتراث بما قد حلَّ
بشامهم الشريفة...!!؟.
أظنُّ أن ما حلَّ بالشام حالياً ليس ناجماً عن فراغ، فثمة مناخ يوحي
بأنها تتعرض لعملية تصفية ثقافية اجتماعية سياسية اقتصادية. بمعنى، ثمة
عملية تصفية حساب تاريخي مع الشام، وفهمكم كفاية...!
وربما تبقى حواري وأزقة دمشق القديمة والجديدة تردد أغنية الفنان صباح
فخري..:" يا مالي الشام آه يا مالي. طال المطال يا حرية تعالي...".
فدمشق هي الآن الظامئة للحرية، فهل من أحد في الشرق أو الغرب _ لا فرق
_ من يملأ كأسها...؟!!
دمشق 16/7/2005