هوشنك
أوسي
إلى الفنان التشكيلي بشَّار العيسى.
قد لا يفاجئُكَ هذا النصّ بجديدٍ من أصوات الحبرِ المقدودِ
من صُلب اللون. قد لا يفي, ليكون بقامة خيالكَ الكُرمانجي
المروِّض لخيالات اللون. لكن, لأن اللوحة والطفولة أنثى,
واللون والوطن ذَكَر, أكتبُ الآن لكَ.
أتمنى أن تقرأ هذا النص, بعد تأسيسكَ للوحةٍ, وبدئكَ
بتفريغ أولى إرهاصات الفكرة, رويداً رويداً عليها. وأنت
تستمع لعارف جزراوي, أو عيشاشان، في ليلةٍ باريسيةٍ صيفيةٍ
شقراء.
واوٌ من التَوقِ يُغنيّكَ جرحاً
والحاملاتِ قشَّاً, النادباتِ رقصاً, الباكياتِ جمراً,
الآسياتِ وحلاً, القارئاتِ شذاً, المُقرِئاتِ صخراً من
صُلبي. لأنسخنَّ ظلال خرير الخابور, على خاصرةِ آراس, في
نصِّي المنثور هذا. وأمضي إليكَ, تقودني فِطرة اللون,
وفراسة الحرف, فانتظرني.....
وطنكَ اللون، وبداهة الليلِ في لملمةِ ذكرياتِ النهار,
لخيلكَ المسرَّجة بأقاصيصِ الهبوب الأخير, للزمن البِكر.
وطنكَ الطفولةُ المترعةُ باحتلام التراب, وسذاجة الحجر.
وطنكَ اللوحةُ, التي تسكنكَ, أُقيانوساً من عطور ذاكرة
وطنكَ المنفيِّ إليكَ.
هناك....
بكاءُ الشجرِ, غناء.
حشرجات الحجر,غناء.
هذيان النواقيس والمآذن, غناء.
ظلال المرئيين واللامرئيين, غناء.
مُشاجرات الغجر وسُبابهم, غناء.
هناك.... احتلامات المراهقين والمراهقات, خزعبلات الملالي,
الجلوس في (مقهى آدم), الوقوف أمامَ (فرن يوسفِه), أكل
الدُندرما في حوش الميماس, مشاهدة الفلم الهندي للمرة
العاشرة, في السينما,غناء.
النهيقُ والنباحُ والنقيقُ وهسيسُ الصراصيرِ الممتزجةُ
بصوتِ محركِ الماءِ الآتي من بعيد, في ليلةٍ صيفيةٍ مقمرة,
غناءٌ... غناءٌ...غنااااااااء.
هناك....
خشخشةُ الأفاعي بينَ القش, بكاء.
أشواك الخرنوب, وطعمهُ الفريد, الذي كان يُسري في أفواهنا
الخدر, بكاء.
أقاويلُ النسوةِ على التنور, بكاء.
تثاؤبُ الصخور في جبل "عبد العزيز", بكاء.
التلالُ الغائرةُ في شعابِ السِّر, الحُبلى بالأساطير,
بكاء.
القرى الفاقدةُ لأسمائها الكرمانجية,
القمح
القطن
أسماء
الأطفال
نهاياتُ الأعراس
بداياتُ البوح
الاجتماعاتُ السرِّية
عبثُ التشكيليين
طيشُ الكتَّاب، وغناء الشجر, بكاءٌ... بكاءٌ...
بكااااااااء.
هناك, لم يعد هناك؟!
تغيرَ البشر. التراب تغير.
السماء
الدماء
الأعين
الملابس
العناوين
المضامين
الكلام
الأحلام
الأقفال
الأبواب
النصوص والألوان, كلها تغيرت...؟؟!!
"جازيا" لم تعد هناك...؟!
"جازيا", ذاتَ الوجهِ السومري العتيق, الموشومِ بزخارفِ
الغيب، وذاتَ القامةِ "الميديَّة", والزيِّ الكرمانجي,
واللكنة "الكيكيَّة". لم أعد أراها هناك ؟!. جالسةًً أمامَ
بابها المفتوحَ على بابنا، تلفُّ التبغَ بمهارةِ الريح،
وتنفثُ دخَّانهُ المكثِّفَ لكلِ التأويلاتِ الكونيَّة,
التي مرَّت من هنا.
لم أعد أراها تجالسُ جدتي "كُلي" مُستحضِرةً أرواحَ المكان.
كانت تقول: اتركوا بابكم مفتوحاً, حتى لو لم تكونوا جالسينَ
أمامه. لا أحبُ رؤيتهُ مُغلقاً.
لم أعد أراها تضعُ في كيسي سكاكر العيد, وتعطيني العيديَّة
؟!
لم أعُد أسمعُ صوتها الرخيمَ المغضَّنَ المُستَرجلَ
المُتخلخل, المطليَ بعبثِ السُعال.
يا صاحِِ...
هناك, لم يعد هناك, إلا في ذاكرتنا المقعَّرة...في لوحاتنا
قصائدنا
أحلامنا.
قف معي الآن أمام هذا المشهد الغريب. قطيعُ غيمٍ شردهُ
الريح, يثلجُ الآن في دمشق. والشمسُ تتأرجحُ جيئةً وذهاباً.
تزمُّ عينها تارةً, وتفتحها أخرى.
قلِّبْ ذاكرةَ اللونِ معي, على مهلِ الليل, في مرايا
أسئلتهِ, واشتهائهِ, وأرقهِ الأزلي.
قلِّبْ ذاكرةَ اللون واحةًً... واحة
لحظةً... لحظة, ل تستقرئَ نصفَ أسرارِ الموت, وثُلثَ أحوالِ
الغيب, وعُشرَ همسِ الملائكة.
قلِّبْ ذاكرةَ اللونِ عِطراً... عِطراً, مُعيداً للأسطورةِ
ألقها المشوبَ باليقين والخُرافة. ألقها, ألقُ الكهرمان
والزبرجد والصفصاف المضيء.
قلِّبْ ذاتكَ لوناً... لوناً, لتكتشفَ أنكَ لم تبدأ بعد.
قلِّبْ... قلِّبْ...
قلِّب, حتى تجدَ نفسكَ المنتهى المتشظِّيَ في أنيته, أنيتكَ,
أنيتي.
طاءُ الخرائط, يزفُّكَ عُرساً للحزن
أعرف ذلك....
لن يكفيكَ الزمنُ التائهُ فينا_ وهذا البحرُ القتيل في
أرواحنا_الأرضُ التي تلفظنا الشرق الذي يبيعنا لعابريه
صوراً تذكاريةً للحجل, لا يراها, إلا الدّم.
و لن تكفيكَ هذه السماءُ التي نفتنا لسماءٍ وعِرةٍ تجهلُ
لغتنا, لغة الجان المرئيين, الشُعراء المائيين.
لن يكفيك كلُّ هذا, لتذيبَ هذا الجبلَ الجليديَ النامي فيَّ.
وتطفئ ذلكَ الماردِ الفارِ من دمي.
فمن أينَ لي بزمنٍ يشفي غليلَ ألوانكَ الجامحةَ كجيادٍ
نهريَّة ؟.
من أينَ لي, ببحرٍ أنثويٍّ, يروي ظمأ ألوانكَ الصاخبة,
العاكفة عن الصمتِ فيه, الوالجةِ رقصاً, هذا النصّ؟.
من أينَ لي بأرضٍ توارينا بالطمي الممزوجِ بنطفِ آذار
المنتحلِ درباسيتنا, عن أعين الريح، نحن بقايا الأغاني
الجبليَّة؟.
من أينَ لي بشرقٍ لا يسكننا حرائقاً. يعيدنا لشرقهِ, شرقَ
اللونِ الطري, غربَ, الكلام البائد.
شرقٌ, لم يكنْ مقدورهُ أن يكونَ شرقاً، بل وليمةً من
الخبيزة والعكوب والكمأ والبرغل وحساء العدس، وشرفةًًً
تفضي على كلامي وألوانك.
من أينَ لي بسماءٍ من أعيُنِ الكُرمانج, نجنحُ إليها, ساعةَ
الطيشِ الأكبر. وتلوذُ بها أفكارنا الرعناء, آناء النقشِ
المقدَّس على جباهِ الكرد. وتؤوب إلينا, كلَ نوروز, لتحكي
لنا نِصفَ ما لا يُقالُ عنَّا في السماءِ العاشرة. وكل ما
قيلَ عنَّا, تحت الأرضِ الثامنة.
ألوانكَ, صكوك التخمينِ الدامغ وبراهينهُ, على نكثِ الفكرةِ
عهدها على البوح لنا: كيف أرَّختنا السنونُ الحُمرُ والزرق.
وعمَّا جرى لهذا التراب بعد اغتيالِ اسمهِ للمرةِ العاشرة.
ألوانكَ, خرائطٌ لمنازلاتِ الكرد والريح, كجبالهم.
ألوانك, خرائطُ البكاءِ الهوليري عليها، علينا. وخرائطُ
الغبارِ والأحلام التي لا تُروى إلا للمطر الأول, في
الخريف الأخير لنا هنا. والكلامِ الذي لا يقال إلا لسدنةِ
النار, ورهبانِ الماء.
خرائطٌ لمخازنِ الأسرارِ الدامية لنساءٍ من زنبقٍ وثلجٍ
وطحين.
ألوانك, خرائط ُمدنِ التيهِ القرمزي، أحد أشقى ارتجالاتِ
المشيئةِ البلهاء، المناوئةِ للصدمةِ العمياء. المشيئةُ
المنبجسةُ من رخاوةِ الصدفةِ المتأنَّية, حدَّ التصحُّر.
وخرائطك, خرائطُ الغيمِ اللعوبِ المغناج, المستوطنةِ
طفولتكَ أبداً.
هاكَ حفنةً من كلامِ "زيلان" إطاراً, وقبساً من نار "دوغان"
قماشاً, وخيطاً من ثوب "جازيا" ريشةً, ونسغاً من حيواتِ
البشرِ والشجرِ والحجرِ والمطرِ هناكَ, ألواناً, وارسم.
خرائطَ خرائبنا الشمَّاء, التي تسوِّرنا بأعراسها الغبراء.
ارسم ديكتنا العُور_ فُصحاءَ الصمتِ الرمادي, وقتلةُ الصوتِ
الأبيض.
لا ترسم ريحنا الصدئة, المرتميةَ جهراً في حضنِ الحديد_
قاتل الصلصالِ الكليم, والشجر المُأنسن, والطير الوقور.
لا ترسم عبَّاد شمسنا المُنحنيَ لخدعةِ الضيفِ الغريبِ
عنَّا لنا.
ارسم ما شئت, وما لم تشأ, من دمنا.
فأولًُ من أحيانا, دمنا. وأولُ من اغتالنا, دمنا. أولُ من
نادانا لنحرنا قرابيناً, دمنا. وآخرُ من صافحنا, بعد
عودتنا إلينا, دمنا.
فيا لدمنا.... يااااا لدمنا.؟؟؟!!!
يالنا من قساةٍ على دمنا؟!
يالنا من آثمين بحقِِ دمنا؟!
فمن أينَ لي أن آتيكَ بغيرِ دمنا حبراً لوصايا التراب؟.
صدقني, لا أعرف ذلك.
نونُ النهاية, ترتِّلُ حُزنكَ بدايةً للمنتهى الفاني.
الآن ....
بدأت النِرفانا اللونيَّة, أوالتصوّفُ اللوني, تنتابك
رويداً. فذاتُكَ وذاتُ اللون, توحدتا في ذاتِ اللحظة, مع
ذاتِ الصوت, وذواتِ الماءِ والترابِ والنارِ والهواء.
ذاتُ اللون, نهايتهُ, وبدايةُ المنتهى.
وذاتكَ, القَصيُّ من أمسِكَ وغدكَ معاً, في سيماه المنتهى.
ذاتُ اللحظة, عمقها السرمدي.
ذاتُ الصوت, أبعادُ كنههِ المرئي العاشر,
ذاتُ الماء, ارتجالاتهُ في العزفِ على ذاتِ الصوت.
ذاتُ التراب, آدم.
ذاتُ النار, براءتها المطلقة من الحرائق.
للألوانِ أرواحُ، وللأرواحِ ألوانُ. الآن فقط، يمكنكَ
رؤيتها، والتحاورَ معها.
عُد إلى اللوحة, لتكملها. ولا تنسً, أن تكتبَ لي, بعد
انتهائك منها. لتخبرني, ماذا أسميت وليدكَ اللوني الجديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* "جازيا".. والدة الفنان بشار العيسى.
* "كُولي".. كلمة كردية بمعنى وردة. وهي جدتي.
* "مقهى آدم".. أحد مقاهي الدرباسية.
* "زيلان" إحدى شهداء الثورة الكردية في كردستان تركيا.
* "دوغان".. مظلوم دوغان الشهيد الكردي المعروف الذي أحرق
جسده في سجن ديار بكر سنة 1982 في عيد النوروز.