حل القضية
الوطنية الكردية بين الخيار
الوطني والتدويل
د . عبد الحكيم بشار
عضو المكتب السياسي للحزب
الديمقراطي الكردي في سوريا (
البارتي )
مع ازدياد الوعي القومي ، وسعي
الشعوب المضطهدة في المنطقة إلى
تحقيق ولو جزء من طموحاتها
القومية المشروعة ، ومع ازدياد
نمو الفكر الشوفيني لدى العديد من
الأوساط السياسية السورية ورفضها
التعامل الواقعي مع الوجود الكردي
في سوريا كشعب أصيل له خصوصيته
القومية وثقافته المستقلة . برزت
القضية الكردية إلى الوجود كقضية
شعب يعيش على أرضه التاريخية منذ
قرون طويلة من الزمن ، ومحروم من
كافة حقوقه ، ويسعى إلى تحقيق
ذاته بما يمتلكه من خصائص قومية
وثقافية وتاريخية واجتماعية ، وقد
تم تأطير هذا المسعى في تأسيس
حزبه القومي والوطني وهو الحزب
الديمقراطي الكردستاني والذي تحول
إلى الحزب الديمقراطي الكردي في
سوريا ( البارتي ) .
ولست هنا بصدد تاريخ تطور الحركة
والذي لخص مطالب الشعب الكردي
بمطاليب وطنية ديمقراطية وهي (
تأمين الحقوق السياسية والثقافية
والاجتماعية للشعب الكردي في
سوريا في أطار وحدة البلاد
وسيادتها ) عبر الحوار الوطني
الديمقراطي والتواصل مع القوى
الديمقراطية السورية بما فيها تلك
المتعاقبة على سدة الحكم ، وكان
خيار العمل الديمقراطي عبر الحوار
هو الخيار الاستراتيجي والوحيد
لدى الحزب .
ورغم الانقسامات التي تعرض لها
الحزب وتشتته إلى فصائل عدة ،
ورغم الرفض القاطع للسلطات
المتعاقبة بما فيها السلطة
الحالية التعامل مع القضية
الكردية بمضمونها الحقيقي ( كقضية
شعب ) استمرت الحركة بمختلف
فصائلها على نفس المسار السابق (
الحقوق السياسية والثقافية
والاجتماعية للشعب الكردي رغم
التباين الطبيعي في طروحات البعض
من الفصائل ، إلا أنها احتفظت
بنفس الجوهر والمضمون ) وبقي
النضال الوطني الديمقراطي السلمي
وعبر الحوار والتواصل مع كافة
القوى الوطنية هو الخيار
الاستراتيجي .
ورغم المحاولات والمساعي المتكررة
للحركة والنداءات المتتالية لفتح
باب الحوار مع السلطة ، إلا أنها
استمرت في نكرانها للوجود الكردي
( سوى تصريح السيد الرئيس إثر
أحداث آذار والذي أكد فيه أن
الشعب الكردي هو جزء أساسي
وتاريخي من النسيج الاجتماعي
التاريخي في سوريا ) ، هذا
التصريح الذي لم يترجم أي شيء منه
على أرض الواقع ، وجوبهت تلك
المساعي بالمزيد من الإجراءات
الشوفينية ، واستمرار عملية
التعريب للمناطق الكردية خاصة في
محافظة الحسكة ، والتعامل مع
الكردي كمواطن من الدرجة الأخيرة
في سلم الدرجات في المجتمع السوري
( فهو مواطن تقع عليه كافة
الواجبات ومحروم من جميع حقوقه
الخاصة ومعظم حقوقه العامة
الخدمية والتوظيف والعمل … وبقيت
أبواب السلطة موصدة أمام الحركة
الكردية وعلى ذلك استمرت الحركة
وتستمر في مساعيها الحثيثة لفتح
أي شكل من أشكال الحوار الحقيقي
ولم يمتلكها اليأس أو ردات الفعل
الناجمة عن رفض السلطة القاطع في
التجاوب مع نداءاتها ، واستمرت
تطرق الأبواب بكل الوسائل لعلها
تجد آذاناً صاغية ، ولكن جميع
الأبواب السياسية بقيت موصدة ،
فقط الأبواب الأمنية بقيت مشرعة
على مصراعيها وهي تطلب من مسؤولي
الحركة مراجعتها ، ورغم رفض
العديد من الفصائل التعامل مع
الأجهزة الأمنية وتردد البعض
الآخر ( من منطلق أن القضية
الكردية في سوريا هي قضية سياسية
وإن بعض الأوساط تسعى إلى تحويلها
إلى قضية أمنية أو خدمية أو
مطلبية عامة الأمر الذي ترفضه
معظم الأطراف الكردية ، ومع ذلك
ومن الاعتقاد السائد بأنه من
المستحيل تحقيق أي لقاء سياسي
رفيع المستوى مع القيادة السياسية
في البلاد دون مرورها عبر البوابة
الأمنية ، فقد جربت جميع الفصائل
هذه البوابة ( البوابة الأمنية )
بهذا الشكل أو ذاك لعلها تصل إلى
حوار سياسي مع السلطة ولكنها وحتى
هذه اللحظة فإن جميع هذه الجهود
والمحاولات باءت بالفشل .
فمنذ أكثر من ثلاثة عقود والحركة
الوطنية الكردية وبمختلف فصائلها
سلكت مختلف السبل والوسائل
الديمقراطية والسلمية لفتح باب
الحوار مع السلطة من أجل إيجاد حل
عادل وديمقراطي للقضية الكردية في
سوريا وعلى أرضية وطنية ، ولكن
وحتى الآن لا يوجد في الأفق ما
يشير إلى أنه السلطة لديها
الاستعداد للتعامل الموضوعي مع
القضية الكردية وحركتها الوطنية ،
بل إنها تحاول تحويل القضية
برمتها من قضية شعب ( من قضية
سياسية ) إلى قضية خدمية عامة أو
مطالب لا تعدو كونها مطالب
اجتماعية واقتصادية ، وفي أقصاها
حل مشكلة الإحصاء ، الأمر الذي
ترفضه الحركة ويرفضه الواقع .
فالقضية الكردية في سوريا تجاوزت
واقعها المحلي وبدأ الاهتمام بها
في العديد من العواصم الأوربية
المؤثرة في القرار الدولي ، وكان
المؤتمر المنعقد في باريس في
1-12-2005 تحت عنوان " مؤتمر دولي
حول القضية الكردية في سوريا "
والذي عقد في مبنى البرلمان
الفرنسي ، وحضره العديد من
الباحثين المهتمين بالشأن الكردي
وأجانب وعرب سوريون وبعض
البرلمانيين الفرنسيين ، ثم جاء
بعده لقاء وفد كردي من الجالية
الكردية في أوربا مع مسؤولين من
الخارجية الأميركية ، والكونغرس
الأميركي ، بداية الاهتمام الدولي
المتزايد بالقضية الكردية .
إنني أعتقد أن الشعب الكردي
وحركته الوطنية بمختلف فصائلها
يسعى وبشكل حثيث إلى إيجاد حل
وطني ديمقراطي عادل للقضية
الكردية في سوريا باعتبارها (
قضية أرض وشعب ) وعن طريق الحوار
الوطني الديمقراطي مع القيادة
السياسية في البلاد ، وإن هذا
الخيار هو الخيار الاستراتيجي
لديها ، ولكن وفي ظل استمرار
السلطة في عدم قبول بأي شكل من
أشكال الحوار المباشر مع الحركة
الوطنية والبحث عن حلول أخرى غير
سياسية وغير ديمقراطية ، وفي ظل
العولمة والثورة الإعلامية ، وفي
ظل الاهتمام العالمي المتزايد
بقضايا الشعوب والأقليات بما فيها
الأمم المتحدة ، فإن السلطة وحدها
تتحمل مسؤولية تدويل القضية
الكردية في سوريا وما يترتب عليها
من نتائج وتداعيات .
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع