| |
"سئل الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي جان جاك روسو عن رؤيته للبشر,
فأجاب فئة تصنع
الأحداث وهي فئة ضئيلة بين مجموع البشر عموما وفئة تتفرج على
هذه الأحداث وهي
تمر أمامهم دون أن يحركوا ساكنا وفئة لا تدري من أمرها أو أمر
هذه الأحداث شيئا
"
بدأت في الفترات الأخيرة تحتاج معظم المثقفين الكورد رغبة
عارمة في معرفة طبيعة
الذات الكوردية ومجالات تمايزه عن الآخرين وذلك كرد فعل على
الواقع الكوردي
الشبه مأساوي في الشرق الأوسط وضياع هذه الذات بين ذوات
الآخرين المغلفة بأغلفة
كاذبة متسترة بالقيم الدينية و الإنسانية مانحة نفسها مشروعية
حل الذات
الكوردية تحت مسميات عديدة وأخرها " إن حل الذات الكوردية
والقضاء عليها فيها
خدمة للإنسانية جمعاء وذلك بإنهاء جملة المفردات المكونة لها
"وتأتي مشروعية
الحل من وجهة نظرهم باعتبارهم ثقافة وذات دنيا لذلك يجب عليها
أن تدور في فلك
ثقافة رئيسية( العربية /الفارسية /التركية ) فظهرت دعوات
كوردية تطالب باسترداد
كل ما سلب منها.فالبداية جاءت بالعودة إلى الزرادشتية
والايزيدية لأنها الديانة
الأكثر توافقا مع طبيعة التفكير الكوردي وحياته الاجتماعية وهي
الحاضنة الأصلية
لهذا الإنسان وهي نقطة فارقة وتطور طبيعي للمجتمع الكوردي وليس
غريبا عليه على
عكس الديانة الإسلامية المستوردة من الخارج أو المفروضة بالقوة
على الإنسان
الكوردي. لقد خاض الإنسان الكوردي خلال تاريخه الطويل في بحر
من الذهنيان
والإيديولوجيات المختلفة ودائما كان ضحية للآخر بالمقابل كان
الأخر يكتب
التاريخ كما يشاء ويكافئ الكوردي بالقتل والتدمير والتشريد
وإنكار وجوده لذلك
أصبحت هذه الذات تعيش حلة من انفصام شخصية مترافقة مع قلق دائم
واضطرا بات
نفسية عنيفة جعلته يفقد توازنه بين زحمة الشعارات الدينية و
الأخلاقية المنمقة.
و بين الشعور و اللاشعور الكردي شخصيتين متناقضتين بين الشخصية
الشكلية
الشعورية المزيفة و الشخصية الحقيقية الجوهرية اللاشعورية التي
تظهر من خلال
بعض الممارسات العفوية و غالبا ما تقمع باعتبار إن هذا الواقع
منسوجا بأفكار
غريبة عن الإنسان الكردي بالتالي أي رغبة بالتعبير عن الذات
تظهر و كأنها نشاز
مفتقدا إلى الانسجام مما يدعو إلى اللجوء إلى الكتب إرضاء
للواقع فيفتقد إلى
الثقة بالنفس وبكل مفرداته المكونة لشخصية التاريخية وحتى
الخجل منها وعند
الذين فعل الواقع فيهم فعله يندفعون إلى تقديم براءتهم من ذوا
تهم وتقديم طلبات
لأغلالهم بالأخر اعتقادا منهم في أنهم يحققون ذوا تهم. إذا نحن
أمام مهمة صعبة
جدا وهي معرفة ماهية الإنسان الكوردية أمام مستوياتها المتعددة
الماضي الذي
نستذكر فيه الكثير من النقاط المضيئة (إمبراطوريات ودول وأفكار
و دور حضاري
فاعل في المنطقة )وان توقفت العجلة عن الدوران وبدأنا نخرج من
التاريخ نتيجة
أسباب وظروف ساهمت باقصاءنا وكما قال الفيلسوف الألماني كانط
إن حركة التاريخية
هي معقولة لا تحدث عرضا وإنما هي نتيجة لمقدمات منطقية فمقدمات
دفعتنا خارج
نطاق الحركة التاريخية ومقدمات ستعيدنا أيضا إلى هذه الحركة
فبدل الفعلية
أصبحنا منفعلين حتى بلغت ذروتها في التاريخ المعاصر وإذا بنا
نفقد ذواتنا ولم
نعد قادرين على حمايتها من هجمات مسعورة تحاول أن تنهش في
أجسادنا بمختلف
السبل. إذا لم يبقى أمامنا إلا المستقبل كي نراهن عليه لذلك
يتطلب الأمر منا
العودة إلى الماضي عودة نقدية لمعرفة أسباب تخلفنا بعد تجردنا
من فكرة قداسة
هذا الماضي وأصبحنا أسرى الماضي ومقيدين بقيوده فالدعوة إلى
الزرادشتية كذهنية
دينية بديلة عن الذهنية الإسلامية ما هي إلا إقصاء لألفي عام
من صفحات التاريخ
الكوردي فعلينا أن نعني جيدا التاريخ الكوردي يشمل كافة
المراحل التاريخية التي
مر بها الشعب الكوردي وكل مرحلة أثرت في تشكيل جزء من شخصية
هذا الشعب. فالنظر
إلى الزرادشتية كمرحلة تاريخية وكمنظومة فكرية أجدى من أن تكون
ذهنية دينية
مضادة للذهنية الإسلامية فلا أحد يستطيع إن ينكر تأثيرات
الإسلامية الواضحة في
المجتمع الكوردي فإقصاء التاريخ الكوردي الإسلامي ستؤدي إلى
اتساع الهوة التي
أصلا نحن نحاول ردمها. إذا في البداية لا بديل عن معرفة الذات
إن امتلاك
الإنسان القدرة على معرفة ذاته يعني انه استطاع أن يتحرر من
المظاهر السلبية
بعد أن نفض عن نفسه الكثير من الشوائب و القرارات التي تراكمت
عبر مراحل
تاريخية طويلة وان مقولة سقراط في معرفة الإنسان ذاته و بذاته
هي من أصعب
المهام التي تقع على عائق الإنسان فسقراط لم يكن غافلا عن
صعوبة المهمة ولكنه
أراد أن يبين انسانا حقيقيا انسان يكون وجوده وجودا أصيلا
بعيدا عن الابتذال
وبالتالي تكون معرفة الذات هي المفتاح التي تفتح بها بوابة
التاريخ لتتجول في
ميادينها بفعالية منشودة لغاية البناء وامتلاك الروح لتحيا بها
الكينونة
القادرة على الفعل الخلاق التاريخي. البداية تكون من مأساوية
الواقع فمهما بلغ
الواقع من السلبية فدائما هناك وجه ايجابي ومن الناحية
المثالية الواقع لا يعبر
عن طموحاتنا وأمالنا ومهما اقتربنا من الطموحنراه يبتعد عنا
فطموحات الإنسان لا
تتوقف ولانهاية لها فالسعي الدائم نحو التطور و التقدم
والتمايز هو هاجس
الإنسان منذ القديم إذا فالواقع قد يستفز عقولا كثيرة تكون
بمثابة الدفعة
الأولى و الشعور بالنقص يدعوك إلى رحلة الكمال وهي بحد ذاته
الايجابية.
والتاريخ يبقى ضالتنا، قبل أن نرتدي العمامة و العباءة ماذا
كنا نرتدي ؟ هل كنا
عراة ؟ فهذا هو التاريخ مسيرة شاقة للروح فالعودة إلى الذات
تتطلب لاحقا خروجا
عنها والنظر إليها وتأملها من الخارج فأن تكون داخل الروح لها
طبيعة مغايرة
عندما تكون خارجها فلا بد من اختلاف زاوية الرؤية حتى تصل إلى
حقيقتها فالخوف
من الحقيقة يعني السكون و الذي لا يفعل شيئا هو الذي لا يخطئ
لكنه يفقد فعاليته
بالتالي يعيش خارج الإنسان و العالم. ولا يعني أن روح غيرك
أسمى من روحك ولكي
تكون مبدعا وخلاقا فيجب أن تنتج ما أنتجه غيرك وكأن مسيرتهم
أصبحت حتمية
تاريخية يجب أن تتقيد ها فنحن نملك ذوات مغايرة لذوات الآخرين
فشعورنا الجمعي
شعور نتمايز به فلنا موروث و فلكلور خاص نحن أنتجناه ولا
تستطيع أي ذات إنتاجه
إلا ذواتنا فإطلاق الروح الحرة هي الغاية المقدسة حيث يرى هيجل
أن تاريخ العالم
في تقديره ليس شيئا سوى تقدم الشعور بالحرية. ولا يشعر الإنسان
بوجوده الروحي
الابممارسته للحرية. وان كان هناك من يعتبر أن ما أنتجه العقل
الكردي ماهو إلا
سخافات وتفا هات بالمقارنة مع ما أنتجه الآخرين أو لربما تم
تسخيفه و تتفيه
فتلك الذوات ترفض أن تتحمل مسؤولياتها لذلك تبحث عن قوالب
جاهزة تتقولب بها و
تتماهى معها سواء كانت بإرادتها أو بغيرها. وفي النهاية تبقى
بعيدة كل البعد عن
حقيقة ذواتها وتعيش حالة من عدم الاستقرار أو نوع من الاستقرار
الوهمي في دائرة
القلق إذا لا بديل عن طرق أبواب الذات و الدخول في عوالمها و
بعد العودة إلى
الحاضر بعد معرفتنا لجوهرنا نستطيع أن نميز بين ما هو أصيل و
ما هو دخيل ولا
يعني الأمر إن كل ما هو دخيل إذا هو السلب فهنا لا ننسف عملية
التثاقف حيث
التأثر و التأثير المتبادل بين الذوات المختلفة فنحن إمام عالم
مفتوح ففي غمرة
هذا العالم ستهب رياح من مختلف الجهات و بمختلف الشدات و هذا
طبيعي جدا, لكن
الغير طبيعي أن تسمح للرياح أن تقتلعك من جذورك إذا الحكمة
تبقى ضالتنا فأينما
نجدها فهي لنا سواء نبعت من ذاتنا أو من ذوات الآخرين و الغاية
بناء شخصية
متوازنة تكون بغنة عن حالات الاضطراب عندئذ نستطيع أن نقفز
قفزات عظيمة للإسراع
في عملية دخول التاريخ والانتقال من الهامش إلى المركز ومن
المنفعل إلى الفاعل
بعد أن يتجلى الفكر الأصيل في الواقع أي يتوقعن ومن ثم
الانتقال من مستوى
التجربة الفردية وجعلها في مستوى الأمة من خلال آليات ومفاهيم
تستطيع تصعيد
تجاربنا الفردية الفاعلة إلى تجربة أمة و مقدمة لها. في حقيقة
الأمر أن الروح
القومية قد تعرضت خلال فترات طويلة لانتكاسات كثيرة فقدنا
بسببها الكثير لكن
علينا أن لا نسمح لهذه الانتكاسات أن تحدد مصيرنا فنحن نعلم حق
المعرفة الأهوال
و المصائب التي تعرضت لها أمتنا لكن على الرغم من ذلك مازالت
محافظة على نفسها
إلا أنها أحيطت بجدران سميكة و قاسية جدا لكي يصعب على الإنسان
الكردي اخترقها.
وضخمت الثانويان لكي توازي الأساسيات و يبقى هذا الإنسان يعيش
حالة من العبثية
و التنقل بين المفاهيم من دون جدوى.فالتاريخ كما يراه شبنغلر
يتمثل في سيادة
العزيمة و الإرادة القومية للذهن الحاضر و الموهبة العملية
فالحياة نضال و
سيطرة من أجل السيادة و السيطرة فلا مجال للاكتراث بصيحات
الشاكين و أحكامهم
الأخلاقية فلذلك يرى فريدريك نيتشه أن أمامنا مهمات عظيمة لا
بد أن نستعد
لإنجازها. وهي مهمات يجب أن تنبع من الذات (الداخل )يتطلب
تحقيقها حيوية أبدية
و مخاطرة مستمرة و لكي يكون لديناالارادة الحرة فإننا نحتاج
إلى روح الأسد
لتحطيم أوثان المطلقات. إذا نحن اليوم مدعون بجدية أن نحرر
ذاتنا المستلبة و
حريتنا المصادرة وهنا تعمل الإرادة فعلها و ملزمون بأن نخلق
واقعا جديدا
للأجيال اللاحقة حتى تستطيع أن تستند على أسس متينة تكون
المنطلق نحو عالم
الإنتاج و الإبداع من أجل الذات و البشرية جمعاء
|
|