"يقضي الطفل سنين عمره الأولى في تعلُّم النطق. وتقضي الحكومات
العربية بقية عمره في تعليمه الصمت."
أحلام مستغانمي
سألني أحدهم، عندما رآني أحمل في يدي إحدى الصحف السورية: هل هذا
هو عدد اليوم؟. أجبته: أنه عدد البارحة واليوم وغداً معاً. لكنه لم
يلتقط الفكرة وهي طائرة، كالتقاط الأطباق الفضائية لإشارة البث
التلفزيوني، بل قطِّب حاجبيه مستغرباً من الجواب، مستفسراً عن
معناه أو مغزاه. والأهم مما سلف ذكره، هو أن السوريين مجمعون على
إطلاق تسمية مشخِّصة وموصِّفة الإعلام العربي السوري، المقروء منه
والمرئي والمسموع، بأنه إعلام "غصباً عنَّك". ومفاد هذا النعت، إن
المواطن السوري الذي هو "منطلق الحياة، وغاية الحياة" مُكرَهٌ على
مشاهدة أو الاستماع أو قراءة هذا الإعلام العتيد الصنديد العنيد
البليد.
نادراً جداً ما اشتري صحيفة سورية، أو أجلس لمشاهدة برامج القناة
الفضائية والأرضية و السورية، أو أقضي ربع ساعة لاستماع صوت " نهاد
تلاوي أو نهلة السوسو أو عمر عيبور أو محمود الجمعات أو طالب يعقوب..."
وهم يتحفون مستمعيهم ببرامجهم الخالدة الآبدة، عبر أثير إذاعة دمشق
او إذاعة صوت "الشعب" الرسميتين. وأعتقد أنه أفضل ما يقدمه الإعلام
السوري بصنوفه الثلاث هو الفيروزيات الصباحية إذاعياً.
مآل القول هو، أثناء مروري بأحد الزملاء الدمشقيين في العمل، وهو
يتصفَّح جريدة، وإذا به يناديني_كونه يعرف أنني من الحسكة_ ليريني
مقالاً عنها، يحمل عنواناً " افتتاح معهد للصم والبكم في الحسكة
العام القادم" فانفجرت ضاحكاً، والذين يعرفونني عن قرب، ليسوا
بغرباء عن قهقهتي العالية، أثناء الضحك، وكأن حنجرتي في ركبتي،
وليست في حلقي. فسألني الزميل: لم تضحك؟!! أجبته: يا رجل، السوريون
بأكملهم يلزمهم معهد للصم والبكم ولرعاية المكفوفين. فضحك هو أيضاً،
وفهم ما أرمي إليه بسجيته وفطنته وفطرته الدمشقية.
طلبت منه أن يكتب لي على قصاصة ورق رقم العدد، واسم الصفحة، وتاريخ
صدور الجريدة الموقَّرة. فكان لي ذلك.." صحيفة تشرين، العدد 9325 ،
صفحة شؤون اجتماعية، تاريخ الصدور / الأربعاء /10/ 8 /2005 ".
المواطن السوري الذي كان في السابعة من عمره أثناء انقلاب البعث
العربي السوري على مصائر وبصائر العباد والبلاد في 8/3/1963 في
ثورته المباركة المجيدة بأمر العلي القدير، أصبح الآن في العقد
الخامس من عمره. بمعنى، إن المواطنين السوريين الذين أعمارهم ما
بين الخمسين ونزولاً، قد خضعوا لعملية ترتيب وتدريب ممنهجة
ومنظَّمة وفق هندسة بعثوية، لم تكتفي بإحداث إتلاف وتشويه كبيرين
في شخصيته ووعيه وحسب، بل تعدى تأثير هذه الهندسة العفلقية إلى
إعادة ترتيب جيناته وصياغة شيفرته الوراثية، بما يتوأم وسياسة
النظام الحاكم الرامية إلى تحويل الشعب إلى قطعان من مسلوبي العقل
والإرادة، لا يجيدون سوى التصفيق والهتاف :"بالروح بالدم نفديك يا...."
وكأنهم قطعان من القرابين والأضاحي على مذبح البعث الدولة، والبعث
المجتمع، والبعث الوطن.
والحق، أن النظام السوري قد حقق نجاحاً منقطع النظير في مسعاه إلى
تضليل وتجهيل الإنسان، إلى درجة لم يعد يميّز بين البعث والدولة
والوطن. بمعنى، أنه بات يعتبر البعث هو الدولة والوطن. وبالتالي،
فإنه يرى، ولا يرى، يسمع، ولا يسمع، يتكلم، ولا يتكلم. بتعبير آخر،
يرى ما يحدده له النظام، ويسمع ويردد ما يقوله النظام. وهكذا، فقد
تحقق شعار أن الإنسان في سوريا هو منطلق البعث وغايته. وإنه لا
حياة في هذا البلد، إلا للصم والبكم والعمي، بإذن البعث العلي
العظيم.
وبالعودة إلى الخبر البشرى السَّارة التي زفَّتها صحيفة تشرين
لمواطني الحسكة بقرب افتتاح معهد للصم والبكم قي محافظتهم. حيث جاء
في متن الخبر المقال بما معناه، إن افتتاح هذا المعهد هو إنجاز مهم
ومكرمة وعطاء عظيمين من الأب القائد لأبناء المحافظة...وبدباجة
إعلامية إعلانية بعثوية معهودة، والتي تقدِّم سوريا وكأنها جنة
رضوان تجري من تحتها ومن فوقها الأنهار. وتقدم واجبات النظام تجاه
مواطنيه على أنها إنجازات ومنن وهبات وعطاءات ومكرمات...الخ ما
بعدها ولا قبلها مثيل. والسؤال البديهي الذي يقفز بنفسه للخاطر هو
: لماذا يعيش أهالي محافظة النفط والقمح والقطن_محافظة الذهبين
الأسود والأبيض والخبز_ تحت خط الفقر، حسب تقرير الأمم المتحدة
الإنمائي؟!. لماذا لم تستبدل حكومتنا الرشيدة معهدها للصم والبكم
بمؤسسات أو معامل أو شركات تزيد من فرص العمل، ومن مستوى دخل الفرد،
وتكافح البطالة المستشرية المتفشية في المحافظة، والتي تجاوز
مؤشرها المائة ألف عاطل عن العمل، وفق الإحصاءات الرسمية
للمسجَّلين في مكتب العمل في الحسكة، والتابع لوزارة الشؤون
الاجتماعية والعمل العاطلة عن العمل؟!!. والجواب بمنتهى البساطة هو
: بعد أن قام النظام بتكميم وعصب وسد أفواه وأعين وآذان السوريين،
منَّ عليهم بنعمة أن يفتتح لهم معاهد تعلمهم فنون التواصل والتحاور.
والحق، أن ما يجري في سوريا من مناشدات وتوسَّلات واستجداءات
يبديها المجتمع و"المعارضة" تجاه السلطة. والتي يطالبها بإطلاق
الحريات العامة والتغيير والديمقراطية ...الخ، يمكن اختزاله بأنه "حوار
الطرشان".
والسؤال الآخر الفارض نفسه على إعلاميينا النشاما الأشاوس الأفذاذ
:هل طالعت "اللوموند" أو "الفيغارو" أو "الديرشبيغل" أو "التايمز"
أو "الأنديبندد" أو "الواشنطن بوست" قرَّاءها بنبأ أن بناء مستشفى
أو جسر أو حديقة، أو تعبيد طريق...الخ بأنه من هبات ومكرمات
وعطاءات شيراك أو شرويدر أو بلير أو بوش الأب؟!! ألا تخجل صحافتنا
المحلية "الوطنية" السورية يوماً وتسأل نفسها: هل انقرضت أسماء
عظماء وشهداء ووطنني ومثقفي سوريا حتى تحمل الجسور والمستشفيات
والحدائق والمعاهد والجامعات والطرق والمطارات والموانئ و..و..و...الخ
اسم القائد؟!!. ترى، كم مطار في فرنسا يحمل اسم شارل ديغول مؤسس
فرنسا الحرَّة الحديثة؟!!. كم معلم في ألمانيا يحمل اسم بسمارك؟!!.
كم معلم في أمريكا يحمل اسم جورج واشنطن أو لنكولن أو ولسن؟!!.
ثم، لماذا الأسئلة؟ وعلى من تُطرح؟ ولِمَ الاستغراب أو الاستهجان
لما جرى لسوريا وشعوبها ومجتمعها، أو لما يجري فيها حالياً من
إنجازات وصروح جبَّارة وعملاقة؟. لأنه باختصار، لا ينبغي أن يندهش
أو يستغرب المرء من أي شيء أو عن أي شيء. ففي سوريا البعث، يمكنه
أن يتوقع أي شيء يصدر من نظام مريض تجاه مجتمع مريض يشكله شعب مريض،
في دولة مريضة..!! فالدولة والمجتمع والشعب هم ضحايا النظام.
والنظام هو ضحية ذاته.
دمشق _ المحرر