|
القامشلي وليلة النار والحرية
عبدالوهاب
طالباني
سيدني
لن انسى ذلك اليوم الذي تكحلت فيه
عيناي بمرأى مدينة القامشلي عندما
وصلتها مع عائلتي في 4 نيسان1993
، هذه المدينة التي تكمن كالجوهرة
الفرد في روح اغلب قصائدنا
القومية ، المدينة التي كانت تعيش
في مخيلتي كبوابة نحو مدائن الحب
الجميلة التي اكتشفناها في تجليات
اشعار(جكه رخوين) وقبله في روائع
(ملاي جزيري) وفي صلوات فيلسوف
العشق الكوردي ال(خاني) الكبير ،
المدينة التي يمتد اريج عطرها
شرقا فيلامس حافات قلاع (هه ولير
) و( كركوك) ، وجنوبا يروي حقول
القمح التي تزخرف حواشيها اغنيات
سعيد كاباري ومحمد عارف جزراوي ،
وغربا يتنسم على السهول الممتدة
عبر شريان ( الجزيرة )الكوردية
الى (عفرين) العزيزة وقرى الكورد
المبثوثة كالنجوم على منحدرات
جبال (طوروس) ، و شمالا ليلامس
اسوار (امد) فلا الحدود المصطنعة
، ولا جندرمة الطاعون الطوراني ،
ولا اساطين الحقد العنصري المتنوع
في بذاءتها تستطيع منع سريان ذلك
الاريج الفواح المنبعث من ازاهير
القامشلي.
كان على ان اغادر المدينة نحو
الشام بالسرعة الممكنة ، لكني كنت
دائما اجد المبررات واتحايل على
نفسي في البقاء اكثر لآتجول في
شوارعها وازقتها واسواقها
ومكتباتها و محلات بيع اشرطة
الاغاني الكوردية فيها ، واروي
ظمأي في الحديث مع اهلها الطيبين
، وقد دهشت كيف ان سنين طويلة من
سياسات التعريب الفاشية لم تستطع
ان تنفذ الى اية خلية من خلايا
وجودهم ، ودهشت من ذلك الاعتزاز
الكبير بقوميتهم وبكوردستان و
ارتباطهم الروحي المتين باصالة
الانتماء الى ثقافتهم الكوردية
وتراثها الزاخر بالجمال والمعاني
الانسانية الرفيعة.
ولعل اكثر ما لفت انتباهي ذلك
العدد الكبير من المثقفين الشباب
الكورد ، المهتمين باللغة والتراث
والثقافة ، والذي يعتبر في
الحقيقة تحديا كبيرا لكل المشاريع
الفاشية العروبية ، ويؤكد استحالة
ان تستطيع جندرمة الالغاء القومي
من استئصال تلك الجذوة النامية
المشتعلة بين حنايا شبابنا الكورد
هناك.
وفي الشام ، وفي احياء الكورد
الغافية على الاحلام القومية
والمتكبرة على سياسات التجويع
والتعريب ، في (ركن الدين) و (
زورافا) تعرفت على عدد من الاحبة
والاصدقاء الكورد من المثقفين ومن
الناس العاديين الطيبين الذين
كانوا رائعين في كل شيء ، في
علاقاتهم الانسانية ، وفي مديات
اتساع ثقافتهم واهتماماتهم
الوطنية التي كانت بمجملها تمثل
تحديا كبيرا جدا لكل الانتاج
الثقافي العروبي ، لن انسى تلك
الليلة التي زارتني فيها نخبة
طيبة ، حبيبة ، من المثقفين
الكورد في بيتي المتواضع في
(مساكن برزة) ، كنت ارى في عيونهم
شعاعا نافذا تعكس امالا عريضة
وثباتا يتحدى المستحيل ، وقد
تحدثوا عن مشاريع و امنيات كوردية
في الثقافة والسياسة ومعهم كنت
احلق في امكانية تحقيق كل ذلك ،
وكنت ارى ان كل الذي كنت المسه
واعيشه في طروحاتهم يمكن ان
يحققوه مهما كان الطريق طويلا
وموحشا ومليئا بعفاريت التخلف
العروبي.
وبالتأكيد ان الحملة التي يقودها
المثقفون الكورد في غرب كوردستان
لجمع مائة الف توقيع من اجل تثبيت
اللغة الكوردية كلغة رسمية في
سوريا ، هي عمل رائع اخر مضاف الى
العطاء الكبير لشهداء القامشلي
الخالدين ، والى الام المعتقلين
الكورد في سجون النظام ، وان
انجاح هذه الحملة سيثبت ان مصير
السياسات العنصرية المتطرفة
للنظام السوري سيؤول الى الفشل
وان لا مناص الا ان يقروا بالواقع
والوجود الكوردي كشعب له ارضه
ولغته وثقافته وله الحق في ممارسة
تبعات تلك الحقوق.
وفي ليلة نه وروز عام 1994 ، وعلى
قمة جبل في قرية كوردية تتكون من
منازل قليلة ، شمال (عفرين) ،
وعلى مشارف جبال طوروس ، كنت ضيف
اهلي الطيبين الكورد هناك مع صديق
اخر فنان تشكيلي من كركوك ،
وبعيدا عن عيون (الرقيب) احتفلنا
بعيد النار والحرية ، وعزف شباب
وشابات القرية على الاتهم
الموسيقية التقليدية وصدح الغناء
الكوردي يملآ فضاء ليل طوروس ،
وفي خضم تلك الليلة المضيئة
بمشاعر الفرح النوروزي عرفت ان
مضيفنا العم (ج) كان احد بيشمركة
ايلول في كوردستان الجنوبية ،
وقاتل هناك لسنوات عديدة ، ليؤكد
ان ما انجز هناك انما هو انجاز
كوردستاني بأمتياز، وقد ساهم في
صنعه الكورد كلهم من اقصى شمال
القلب الى شرقه ومن غربه الى
جنوبه.
كم كنت اتمنى ان يسعفني العمر
واعود مرة اخرى الى القامشلي
فأقبل ثرى شهدائها ، واصعد مدرجات
(ركن الدين) الصخرية في الشام
وادق باب صديقي (ا.د) واسر
بأبتسامته الطيبة ، وان التقي
بصديقي الاديب والسياسي العزيز(
د) الذي يحمل دائما معه اخر
المطبوعات الكوردية في حقيبته ،
وان اذهب شمالا نحو (عفرين)
واتوقف في الطريق عند فلاح كوردي
منهمك في الارض وقريبا منه الة
تسجيل تصدح بأغنية كوردية ، واصعد
شمالا نحو قريتنا النوروزية
واتبارك بمصافحة العم (ج) المقاتل
لحد الان من اجل كوردستان.
|