في أحد النصوص الإيزيدية ، الكثيرة ، مدون ما
يلي : سقاني من الكأسِ الأزليةِ، وقفتُ
منصاعاً، تمعنتُ بقلبٍ شريدٍ.
هنا اتوقف قليلاً متأملاً بقلب شريد ، ثم أعيد
الى أذهاني أيام سوداء غير بعيدة ، وأتامل في
كركوك مجدداً ، ففي حادثة التفجيرات الإرهابية
التي تعرضت لها مدينة كركوك قبيل آونة ، كتبت
إنطباعاً تحت عنوان "قلبي لكركوك" ، مستشهداً
بشاعرنا الجواهري الجليل ، في قصيدته ( قلبي
لكوردستان ) حيث يقول قلبي لكردستان يُهدى
والفـمُ، وقد يجود بأصغريه المعـدمُ ، سلم على
الجبل الأشم وأهلهُ ، وانت تعرف عن بنيه من
همُ ، سلم على الجبل الأشم وعنده ، من أبجديات
الضحايا معجـــمُ .
وها أنذا أجد نفسي في تكرار آخر ، ومن نوع آخر
، وفي موطن كوردي لا حدود له الا حدود الدم ،
وأردد وأقول "قلبي لشنكال" والقلب لمن سيهدى
في زمن عصي على الفهم ، زمن عصيب ، زمن ماض
على تهوره ، بعد أن ردّدنا مع سليم بركات "
هؤلاء اكرادك إلهي" أبان كارثة حلبجة في العام
1988 ، والكوردي بطبعه - يتقدم نحو الحقيقة
، ونحو أجنحة الحقيقة .
ما أن يقرأ المرء شيئاً عمّا كُتِب عن الفاجعة
، فاجعة إبادة أبناء وبنات الكورد، التي ألمت
بأخوتنا وأبناء عمومتنا في قضاء شنكال ، تلك
الفاجعة التي أودت بحياة أكثر من خمسمائة
كوردي ، بمختلف أعمارهم التي تشبه الريح ،
الكوردي بثيابه وأدوات عمله اليومي ، وتبغه
ورائحة خبزه ، وتأمله في متاهات زمنه المرّ
المرير ،وهو في ريفه ، في فضاء هواءه الطلق
المطلق، أو تحت سماء سقف من تبن وطين وماء
أسود ، كطفل يلعب بقيثارته ، أو فتاة تشاكي
وتسلير مواشيها ، او ريفي يلهو بنايه ، ليتامل
وريقات الزمان المتناثرة كأجساد الكورد في
شنكال ، حتى تتذكر أنك الكوردي " ليس لك إلا
الريح" كما وصف شاعرنا الفلسطيني الجميل
والأشهر محمود درويش صديقه الكوردي السوري غير
المقيم سليم بركات .
أقلام كثيرة كوردية وعربية تناولت الفاجعة
السوداء ، وأقلام وضمائر كثيرة كتبت ونددت
واستنكرت وتألمت من أجل أولئك الكورد الجميلين
كالسموات السبع ، ومع كل ذلك الألم المباغت ظل
السؤال الأكثر حيرة ، لماذا الإيزيديون الآن
؟.
كوردياً تعافت كوردستان ، موطن الكورد ، منذ
الانتفاضة الكوردستانية في العام 1991 في وجه
الطاغية المقبور، ولكن لم يتمتع الكورد بالأمن
والأمان الرصينين ، الا بعد قبر النظام
الصدامي ، وترحيله الى اللحد المظلم ، ولكن ظل
الكوردي مهدداً من دول جواره ، ومن لدن بعض
الدول الإقليمية ، لأنه كوردي ، ويا للكوردي .
كتب صديق لنا :لماذا لا نصمت؟.
فهل حقاً الصمت سيجدي في زمن الضجيج ؟ أم أن
خير ردّ على دوي هكذا فجائع هو اللاصمت ، وإلا
لما كان للكلام وظيفة ، وإذا صرخنا فهل سندفن
جثة الصمت بعدئذ ، بعد أن لم تتوارى الكثير من
أشلاء الشهداء الثرى ، وكم من الأيام والسنون
ستلزمنا لنعيد أمجاد الطاووسيين الى ملكه ، في
أمكنة وأزمنة ضاجة مثل قدر الكوردي .
هو الإجماع العالمي اليوم على فاجعة الكوردي
الإيزيدي ، وهو يهب روحه الثكلى ضحية غبار
الإرهاب القذر ، في مؤطي الحلم ،حلمه، قسمه
السرمدي ، قسمته الأبدية ، وما الكوردي الا
التضحية والضحية معاً.
ومتى أجمع العالم إلا على فجائعنا ؟.
ذاك العالم ، المختلف ، المتجهم ، المحاصر
لكوارثه وترتيب أجنداته غير المبرمجة ،ألم
يصمت ذاك العالم عينه ، مراراً وتكراراً ،
بطيب نية وبسوءها ، أبان موتنا الجماعي
والفردي ، هو سؤال بعد هول الفاجعة ؟ .