بقلم " جهاد صالح " كاتب كردي سوري
.
الأكراد في سوريا كغيرهم من آطياف المجتمع السوري عانوا
الظلم والإضطهاد والتهميش وذلك لأنفراد البعث بكل شيء وذلك
تحت شعارات قومية بحتة لا تعكس سوى ثقافة دون كيشوتية
بعقلية القرون الوسطى والتمسك بقوالب سياسية لم تتغير ولم
تتجدد أبداً ودفع بسوريا نحو آوضاع سيئة جداً من عزلة
دولية وما رافقه من غضب الوسط السياسي الدولي تجاه سوريا
.. اضافة الى واقع إقتصادي موحش حيث البطالة والفقر وفساد
إداراي وتحكم نخبة سرطانية بموارد البلاد .. لا يهمهم شيء
سوى مصالحهم الشخصية .. كل ذلك على حساب الوطن السوري
ومصيره وسيادته ..
الأكراد السوريون يشكلون جزءاً من المجتمع السوري وهم ما
زالوا يعيشون هذه الحالة رغم الظلم الذي لحق بهم فمن سياسة
التعريب التي طبقت بحقهم الى تجريد الآلاف من الجنسية
السورية ( 300 الف مجرد من الجنسية السورية بموجب احصاء
1963) الى ابعادهم عن المناصب الأدارية والسياسية
والبرلمان السوري ..
بالأضافة الى ثقافة العنف والموت الأقتصادي البطيء الذي
تعانيه المناطق الكردية " القامشلي- كرداغ- كوباني" وغيرها
فهم يعيشون تحت خط الفقر مما دفع بالآلاف للهجرة الى دول
العالم بحثاً عن لقمة العيش ..
في ظل هذا الواقع المآساوي لم يتوانى الأكراد في مقارعة
سياسات الحكومة وذلك من خلال مجموع الأحزاب الكردية (13
حزب كردي) هذه الأحزاب التي تنقسم في إيديولوجيتها الحزبية
ما بين اليمين واليسار وتعرض العديد من القيادات والأعضاء
للسجن والملاحقة والأبعاد والنفي ولكن ظل النضال مستمراً
بجميع اشكاله وظروفه ومراحله ...
إن الأجندة الكردية لدى تلك الاحزاب تنقسم في اتجاهين :
- الأتجاه الأول النضال في سبيل تحقيق طموحات الأكراد من
خلال الحملات الصحفية والنشرات الحزبية وطرق ابواب
المسؤولين وذلك من خلال العرائض والمنافذ الامنية
والوساطات لدى شخصيات سياسية وذلك خوفاً من غضب السلطة
وآجهزتها وهذا الأتجاه نجده لدى القسم الأكبر من تلك
الأحزاب .
- الأتجاه الثاني وهو الشديد والمتمسك بمبادئه وحقوقه
بإسلوب رصين لا يعرف المساومة وهذا نجده لدى ثلاثة احزاب
فقط ( يكيتي – الاتحاد الشعبي – اليسار ) وهذه تملك اجندة
قوية على قاعدة من الجماهير الكردية الواسعة وهذه الأجندة
تتمثل في النزول الى الشارع من خلال المظاهرات والإضرابات
والأعتصامات وهذا ما شهدناه خلال عامي ( 2003-2004) وذلك
أمام البرلمان السوري ورئاسة مجلس الوزراء والمظاهرات التي
شهدتها جميع المناطق الكردية .. وقد حاولت الأجهزة الأمنية
السورية ردع هذه الأحزاب عن سياستها وذلك بالتعامل معها من
خلال اسلوب الأعتقال والسجن والملاحقة والتعذيب النفسي
والجسدي ..
طبعاً هذه النظرة والواقع الذي نجده في الوسط السياسي
الكردي لا يعني انه هناك شرخ داخل البيت الكردي فكل حزب
وتيار يملك آجندة سياسية خاصة به مع الأتفاق العام في
طروحات قومية واحدة وهذا ما لمسناه خلال ( احداث القامشلي
12 مارس 2004) حينما اصبحت الحركة الكردية كتلة واحدة من
خلال بياناتها وشعاراتها ومطاليبها المشروعة ولمست القيادة
السورية هذا الثقل الكردي من خلال إلتفاف الجماهير الكردية
لأحزابها حيث نجحت هذه الأحزاب في السيطرة على حالة
الهيجان والأضطراب الذي اصاب الكرد السوريون نتيجة مؤامرة
صُنعت من قبل البعض داخل القيادة السورية الذين هم أعداء
لسوريا وشعبها ومحاولة منهم لتفجير الحالة الطائفية في
سوريا بضرب الأكراد بالعرب وإحداث حرب اهلية داخل المجتمع
السوري .. طبعاً ادركت الحكومة السورية مَنْ وراء اللعبة
ولكنها حتى هذه اللحظة لم تحاسب المجرمين الذين اطلقوا
النار على المدنيين العزل من الأكراد ( مقتل اكثر من 40
كردياً ) واستمرت الجهزة الأمنية في حملة الأعتقالات
وســياسة التعذيب
( وفاه 11 سجين كردي تحت التعذيب ) متناسيين انهم بهذا
الأسلوب يعرضون قيادتهم ووطنهم سوريا للهجمات والتدخلات
الخارجية ..
ويظل الأكراد مخلصين لوطنهم سوريا رغم كل شيء ويسعون في
سبيل تحقيق طموحاتهم القومية من داخل سوريا رافضين ان
تستثمر قضيتهم المشروعة من قبل جهات خارجية .. فمطالب
الأكراد ليست بالصعبة او الخيالية فهم لا يطالبون بدولة او
حكم ذاتي او ادارة محلية كل ما يطالبون به هو ازالة جميع
اشكال الظلم والتعسف والقوانين الأستثنائية المطبقة بحقهم
.. أن يشاركوا مع إخوانهم العرب الحقوق والواجبات على
قاعدة من الوحدة الوطنية السورية .. إن القضية الكردية في
سوريا ليست بالصعبة وتدرك القيادة السورية انها قادرة على
تحقيق هذه الطموحات وتدرك ايضاَ ما قدمه الأكراد عبر
التاريخ لسوريا حتى قبل استلام البعث للسلطة ( 1963) وانه
آن الأوان لفتح الملفات والأبواب امام القيادات الكردية
للحوار من أجل تصحيح الأخطاء وفتح تشهد الآن سوريا ثورة
الياسمين المزعومة والخيالية .. ثورة في كل شيء .. هذا ما
نسمعه ونقرأه بعد تنفيذ سوريا للقرار (1559) وانسحابها من
لبنان وزيادة الضغوط الأميركية – الأوروبية عليها ونأمل أن
تكون هذه الثورة واقعية لا ضرب من الخيال كما اعتدنا . وقد
لوحظ ان رياح التغيير بدأت تعصف بدمشق من كل الأتجاهات
وبدأت السلطة تفتح ابوابها ونوافذها لذلك .. طبعاً عليها
ان تتجرد من كل الأفكار البالية والسياسات الصدئة .. لأن
الكل يتغير من حولها .. الأصلاح يجب أن يكون من الداخل ..
هذا ما ترغب به سوريا ولكن اي اصلاح هذا وكيف يكون ؟؟ على
سوريا ان تعيد بناء البيت السوري من الداخل فتدعوا جميع
اوساط المجتمع السوري ( عرب – اكراد- كلدان- اشوريين –
اسلاميين ) وجميع التيارات السياسية الى مؤتمر وطني وإجراء
مصالحة عامة وتبييض السجون من السياسيين واصحاب الرأي
واصدار قانون لترخيص الأحزاب غير مشروط وحرية للأعلام
وتنظيف أجهزة الدولة القضائية – والتشريعية – التنفذية من
الفاسدين وكذلك إصدار قانون جديد للأنتخابات النيابية على
اسس من المنافسة الحرة والمشروعة دون ضغوط وإملاءات مسبوقة
.. وتحسين الوضع الأقتصادي للبلاد وإجراء توزيع عادل
للثروات .. ولكن الأهم هو فتح المجال امام القيادات
الكردية من اجل طرح قضيتهم ومشكلتهم على طاولة الحوار
الوطني وبأسلوب ديمقراطي عادل من أجل حلها من جذورها لما
يشكل الأكراد من قوة سياسية وإقتصادية وإجتماعية داخل
الوطن السوري وخاصة انهم يمثلون 13% من عدد سكان سوريا ( 3
مليون نسمة ) من أصل ( 19 مليون عدد سكان سوريا ) ونجاحهم
في التأثير على الواقع السياسي داخل سوريا من خلال ( ثورة
القامشلي ) وتحالفهم مع قوى المعارضة الأخرى من لجان
المجتمع المدني والقوى الديمقراطية الأخرى من أجل إجراء
تغييرات جذرية ..إصلاحية في سوريا .. كذلك نجحت الأجندة
الكردية في تدويل قضيتهم لدى المجتمع الدولي ( الأوروبي –الأميركي
) وذلك من خلال زيارات قامت بها بعثات أوروبية الى مدينة
القامشلي لرؤية الواقع الكردي هناك ودعوة البرلمان
الأوروبي في بروكسل خلال أجتماعه في آذار الماضي لثلاثة
أحزاب كردية سورية ( حزب يكيتي الكردي في سوريا – الأتحاد
الشعبي في سوريا – اليسار الكردي في سوريا ) وذلك خلال
جلسة مناقشة إنضمام سوريا للسوق الأوروبية المشتركة
وتأكدها من ملف حقوق الأنسان في سوريا وكذلك الأنتقاد
الأميركي لسوريا في تعاملها مع أكرادها من خلال تقرير
وزارة الخارجية الأميركية السنوي (تقرير 2005) ونقدها
لسياسة العنف السورية المطبقة بحق الأكراد ...
إذاً القضية الكردية في سوريا تتجه نحو التدويل في ظل
المتغيرات الدولية والأصلاحات التي تعصف بعالمنا العربي
والقيادة السورية تقرأ الأوراق بتمعّن وحذر وعليها أن تجذب
الأكراد الى جانبها من خلال حل مشكلاتهم كما فعلت ( تركيا
– العراق – ايران ) وخاصة ان الكرد باتوا هم اصحاب اللعبة
السياسية في الشرق الأوسط ومفتاح الأستقرار في العالم
العربي وذلك من خلال استلام مام جلال الطالباني لرئاسة
العراق ومساعدة اكراد تركيا لحكومة آردوغان من اجل ان تصبح
تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي وإجراء الحكومة الأيرانية
إنفراجات سياسية .. إصلاحية بحق اكرادها وعرض الحوار
والمفاوضات معهم .. إذاً الواقع الكردي اصبح مفروضاً لذاته
ولا تستطيع سوريا ان تنكره وعليها ان تعترف بالأكراد
دستورياً وسياسياً وتزيل العوائق امام القطار الكردي من
اجل ان يواصل رحلته الى جميع المحطات السورية ليساهم في
نشر ثقافة الديمقراطية والمساواة والعدالة الأجتماعية فتظل
سوريا وطناً ديمقراطياً للجميع دون استثناءات ..
18/7/2005
نشــرت في جريدة الحياة اللبنانية