| |
ريزكار حسن
مقالة الأستاذ ميشيل كيلو " هل كسر الكرد
حلقة الرباعي الخبيثة نهائيا ؟ " المنشورة
في عدد من المواقع الالكترونية , خلقت لدي
الكثير من التساؤلات , لما يحظى به هذا
الأستاذ من أهمية واحترام في كل الأوساط
الديمقراطية في سوريا , ولهذا آثرت
الكتابة لإيضاح بعض النقاط إهتماما لا
تجاهلا ورفضا .
الملف الكردستاني يكاد يكون أعقد الملفات
الموجودة على الساحة الآن , وبدأ يأخذ
أبعادا أكثر جدية بعد الوضع الناشيء في
العراق وبروز الكرد كعنصر هام في عملية
تحطيم الوضع السابق الذي كان سائدا ,
وبناء حالة جديدة تنسجم وحقائق العصر .
خارطة الشرق الأوسط الراهن , رسمت بعيد
الحرب العالمية الأولى متمحورة حول ضرورة
الحفاظ على مصالح القوى الإستعمارية التي
كانت تتحكم في المنطقة , ولهذا استهدفت
إلى إزالة إمكانية قيام كيان كردي - لأنه
سيكون قويا - في هذه المنطقة , ومنع دول
المنطقة من أن تتحول إلى كيانات قوية
قادرة على حماية استقلالها واستقرارها ,
وبذلك يتحول الكرد إلى ورقة ضغط وتهديد
دائمة ضد هذه الدول يسهل استخدامها عندما
تدعو الحاجة , فتجبر الدول الإقليمية على
تقديم التنازلات والسير في ركبها , وهذا
ما حصل عمليا وخدم أهداف الدول
الإمبريالية طيلة القرن العشرين , لكن
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فعمدت الدول
الإقليمية التي اقتسمت كردستان بينها أرضا
وشعبا إلى الدخول في اللعبة لاستخدام
الورقة الكردية كل ضد أخصامها , فاتهم
الكرد بالعمالة للأجنبي في كل الدول , رغم
أن الكرد وشعوب المنطقة برمتها كانت ضحية
سياسات إمبريالية خارجة عن إرادته , وتعرض
الكرد لقمع مزدوج لا بل أكثر .
دخل الكرد في وضع صعب ومعقد للغاية وباتوا
أمام أمرين لاثالث لهما , إما قبول
الإنحلال والانصهار والذوبان القسري في
بوتقة الدول الحاكمة وهذا ما لا يمكن
قبوله , أو المقاومة والتصدي والعصيان
والإنتفاض ضد الوضع المطنع القائم وهذا ما
حصل فعلا , وكان لا بد لهذه الحركات أن
تطور علاقاتها مع دول الجوار ذات الصراع
مع الدولة المعنية , فعمدت تلك الدول إلى
محاولة إستخدام الحركة الكردية في كل جزء
كورقة ضغط لإبتزاز الدولة التي ظهرت فيها
الحركة وفرض بعض المكتسبات , لذا ساندت كل
دولة الحركة الكردية في دول الجوار وفق
آلية مدروسة بدقة تبقيهم عرضة للتحكم
والسيطرة , فدعمتها لتكون قادرة على
الإستمرار شرط أن لا توفر لها إمكانات
النصر , لأن ذلك سيعني الخروج عن السيطرة
مما سيعرضها للخطر في مرحلة لاحقة , وتكون
النتيجة إتفاقا إقليميا ودوليا تكون ضحيته
الاساسية الحركة الكردية في إحدى الأجزاء
, ولهذا شكل تاريخ الكرد الحديث سلسلة من
المؤامرات الدولية , بدءا من معاناة الكرد
في العراق مرورا بالكرد في ايران وصولا
إلى الكرد في تركيا , ولم تخل أية مرحلة
من إثارة الفتن والإقتتال بين أقسام
الحركة الكردية في الأجزاء المختلفة خدمة
لسياسات هذه الدولة أو تلك .
هذا ما أدى إلى إجهاض كل الحركات الكردية
رغم وصول بعضها إلى حافة النجاح , وضرب
الحركة الديمقراطية في تلك البلدان عبر
تطوير الشوفينية القومية والتلويح بالخطر
الكردي , ناهيك عن رضوخ تلك الدول لسياسات
الدول الكبرى من خلال صفقات غير متكافئة
لقاء الخلاص من الحركة . كما حصل في تخلي
الدولة العثمانية عن كركوك لإرضاء
بريطانيا التي عمدت الى تحريض الكرد على
العصيان في أواسط العشرينات , وتخلي
العراق عن مصالح كثيرة لصالح إيران بهدف
ضرب الحركة الكردية في العراق , على سبيل
المثال لا الحصر .
الأمر إذا أعقد من مجرد الإستخدام المباشر
من هذه الدولة أوتلك للحركة الكردية
المنتفضة ضدالدولة الأخرى , فالحالة
القلقة غير المستقرة المهددة كل لحظة
بالإنفجار في كل الإتجاهات , لم تستخدم
فقط في الصراعات الإقليمية ,إنما تحولت
إلى أداة في صراعات الدول الإمبريالية مع
دول المنطقة , وكلنا يعرف حجم التنازلات
التي قدمها صدام لأمريكا والغرب , و حجم
التنازلات التركية المستمرة حتى الآن
للسيطرة على الموقف الكردي , و من المؤكد
أن إيران وسوريا ستتعرضان لإستخدام هذه
الورقة دوليا في زمان ما قادم .
إن الوضع الكردي المصطنع بعد الحرب
العالمية الأولى والمستمر حتى الأمس
القريب قد أساء للكرد , لكنه أساء الى دول
المنطقة وشعوبها , عبر ضرب الحركة
الديمقراطية فيها لصالح القوى الإمبريالية
وحفنة من المتسلطين على الحكم داخل هذه
الدول , فعمدت الأولى إلى الإبتزاز ,
بينما اتجهت الأخيرة نحو القمع والتسلط
وضرب كل تحرك ديمقراطي في دولها بذريعة
الخطر الكردي القادم , وهكذا بقيت هذه
الدول بأكرادها وقومياتها الإخرى تعيش
واقعا خارج العصر .
ما لا أتفق عليه مع الأستاذ ميشيل كيلو
يتلخص في عدة نقاط تبقى أهمها تناوله
الميكانيكي البسيط للقضية عبر معادلة
رقمية بسيطة تعتمد الشكل والسطحية دون
الغوص في أغوار القضية , وهو الإنسان
السوري العارف بألاعيب الإمبريالية فكان
يجدر به الغوص نحو سايكس بيكو وسياسة فرق
تسد على الأقل .
انطلاقا من هنا أقول للسيد كيلو أن الحلقة
المحيطة بالكرد ليست رباعية البتة , وأن
الرباعي نفسه هو الضحية أيضا رغم مشاركته
في التآمر على الشعب والحركة الكردية , بل
إن الحلقة دولية متعددة الإتجاهات , وأي
تشخيص آخر للوضع يتنافى ويتعارض مع حقائق
التاريخ .
تحطيم هذه الحلقة في عراق اليوم حقيقة
أتفق معها , لكن ذلك يا أستاذي الكريم لم
يكن بسبب تعامل الكرد مع دولة خارج إطاري
الرباعي , وربما يقصد بها أمريكا , أبدا ,
وأي تفسير بهذا الشكل يعتبر إسقاطا
ميكانيكيا لمقدمات خاطئة ستؤدي الى نتائج
مشوهة , بل إلى تغيير الدول التي رسمت
خارطة المنطقة لسياساتها السابقة القائمة
على أساس إنكار الكرد , تماشيا مع مصالحها
وفق معطيات عصر العولمة , حيث ظهرت الحاجة
لإعادة النظر في تلك السياسات التي لم
تخلق الإستقرار , وهنا فالحلقة المتحطمة
وإن كانت في عراق صدام حسين , لكنها تمتد
في جذورها أساسا إلى القوى العظمى التي
رسمت الخارطة وفق مصالحها في زمن ما .
نقطة أخرى مما ظهر في المقال فهمت وكأن
السيد كيلو يريد القول أن التعامل مع قوة
أجنبية قد حطم إحدى حلقات السلسلة التي
تقيد الكرد وتدخل حركتهم في حلقة فارغة ,
وكأننا يجب أن نسقط هذه الحقيقة على
الحلقات الأخرى لنحطمها من خلال التعامل
مع هذه القوة الأجنبية أو تلك , ولا اظن
أبدا أن هذا هو الحل المثالي للأمور , بل
إن الحل يكمن أساسا في تحرك القوى
الديمقراطية في البلد , دون التنكر لدور
القوى الخارجية مع رفض منطق أن كل تعامل
أو تحالف مع القوى الخارجية هو خيانة
وطنية , والنجاة من فخ الفصل بين الداخل
والخارج , لا لصالح هذا أو ذاك , بل لصالح
وضع المعطيات في مواقعها الطبيعية .
وطبعا فإن ترسيخ تحطيم هذه الحلقة
والإنطلاق نحو تحطيم الحلقات الأخرى ,
يعتمد على مدى تمثيل شمال العراق أو جنوب
كردستان للمباديء الديمقراطية المعاصرة ,
وتحقيق التكامل والتواصل بين الحركة
الديمقراطية الكردية في العراق مع الحركة
الديمقراطية لفئات الشعب العراقي الأخرى
من جهة , ومع الحركة الديمقراطية الكردية
في أجزاء كردستان الأخرى , وهذه مهمة
الشعب الكردي في اقليم كردستان , ومهمة كل
القوى الديمقراطية العراقية , وكذلك مهمة
الحركة الديمقراطية للشعب الكردي في اجزاء
كردستان الأخرى .
لست أنكر دور العامل الدولي في تحطيم
الحلقة الراهنة ولست ممن يعارضها , لكنني
أؤمن مبدئيا يضرورة استنفاؤر العامل
الداخلي غلى اقصى الحدود أولا , لتحقيق
الإنسجام بين الداخلي والخارجي .
رغم ما ذكرت من تحفظات إزاء بعض النقاط
الاساسية في مقالة الإستاذ كيلو , أقدر
جهوده كل التقدير , خصوصا أنه أشار الى
نقطة جوهرية وإن كنت أظن أن تعبير "
المصيدة الكردية " الذي أطلقه السيد أوج
آلان يعبر عن الحالة أفضل تعبير , وأنه قد
أسهب في شرح الحالة بتفاصيلها الدقيقة .
17_ 1 _ 2006
|
|