
الموسيقى ليست فقط غذاء الروح وحسب، وبل الفكر أيضاً. لأنها قراءة
سمعية لمشهدٍ أو حدثٍ معينين أو تجربة أو رؤية إنسانية معينة ، ضمن
معالجة صوتية جد حساسة، محفِّزة للخيال، ومنعشة للروح، ومثيرة
لدواخل النفس. ما يخلق حالة من التفاعل الروحي أولاً، والفكري
ثانياً مع ذالك المشهد أو الحدث المُعَالج صوتياً، ضمن تلك القراءة
السمعية التي تخلقها الموسيقى. ولأن المعرفة نشاط إنساني تراكمي
ناجم عن كم القراءات والمشاهدات والمسموعات، ولأن المعرفة لها
علائق وثيقة بعملية إنتاج الفكر، إذا، فمن البديهي أن يكون
للموسيقى حضورها الفاعل والمؤثِّر في عملية إنتاج الفكر، على
اعتبار أنها مساهمة في إنتاج المعرفة. وإذا انطلقنا من كون
الموسيقى هي حالة إبداعية ممهِّدة أو منشطة لحالات إبداعية أخرى
توازيها أو تماهيها في حقول الأدب والتشكيل والفكر، فلا يمكننا
اعتبارها حيّزاً للتخفيف عن مكابدات النفس والترويح عنها، كنوع من
التفريغ لشحنات معاناة واعتلاجات واختلاجات النفس، والتعبير عنها
فقط. وحسب ما أعتقده، إن الموسيقى ليست بمثابة الاستراحة المؤقتة
للفكر، أو البرهة التي تنحِّيه جانياً عن مزاولة النشاط، تاركاً
المجال للروح. لا، بل الأكثر من ذلك، إنها_أي الموسيقى_ هي حالة
تفعيل ضمني هادئ للفكر، بغية استعادة لياقته وحيويته مرة أخرى، بعد
رحلة منهكة من إجراء عمليات عقلية، ربما تكون جافَّة بعض الشيء.
الموسيقى كمجال حيوي لتنشيط وتحفيز الفعل الإبداعي، قد تكون
فضاءاً_كغيرها من الفضاءات الإبداعية_ زاخراً أو مكتظَّاً بالأسماء
التي لها إسهاماتها عزفاً أو غناءاً أو تأليفاً فيها. لكن، ثمة
أسماء هامة، لا يمكن المرور بها، مرور الكرام، أثناء التطرق للمشهد
الموسيقي لشعب معين. لِمَ لها من بصمات هامة وتأثير وفاعلية في هذا
المشهد، تخولنا اعتبارها محطات أو نقاط علاَّم مفصلية في تجارب
الشعوب الموسيقية. وبالعودة لسيَّر التجارب الموسيقية الخالدة في
العالم، نرى أن ملامح النبوغ الموسيقي بادية عليهم منذ البدايات.
فضلاً عن كم المعاناة التي رافقت نمو وتطور هذه التجارب. فلا يمكن
فصم معاناة المبدع عن معاناة محيطه الاجتماعي والثقافي القومي
والإنساني. وهذا ما يفسِّر تفاعلنا مع موسيقى وآداب وفنون الشعوب
الأخرى، دون أن نكون معايشين لتجاربها. فلا يوجد ثمة اختلاف كبير
بين معاناة الشعوب، مهما بَعُدَت المسافات الزمنية والمكانية بينها.
أن تغنِّي للعشق، هذا يعني أنك فنَّان ملتزم. أنت عاشق، إذاً أنت
موجود. أنت عاشق، إذاً أنت فنَّان. أن تكون فنَّاناً، هذا يعني
بالضرورة أنك تعاني. أنت فنَّان، إذاً أنت عاشق. أعتقد أن هذه هي
المقولات الرئيسة التي يحاول إيصالها لنا الفنَّان الكردي "شيدا -
Şeyda " منذ بدايته القوية والصدى المدوِّي لها في معترك الفن. نعم،
الفن بالنسبة له هو معترك يحارب فيه كل مظاهر وتجليات القبح الروحي
والفكري، بفنِّه المتفِّرد والمميَّز.
لقد بدأ "شيداً" نجماً مفاجئاً محيطه بضوئه وصوته المميَّز الذي
خلب أبصار وأسماع مستمعيه، بما قدمه من فنٍّ حقيقي ناضج، ناتج عن
التلاقح الطبيعي بين الكلمة الجميلة المنتقاة واللحن الجميل
المنتقى والصوت والأداء "الرباني" الأكثر جمالاً من سابقَيه. لقد
بدأ "شيدا" قويَّاً، في وقتٍ تعجُّ الساحة الفنية الكردية بأسماء
كثيرة هامة، تزاحمه على اقتناص المستمع، وشدَّه إلى فنِّه. فخلق
لنفسه حيَّزه وجمهوره الخاصين به، ضمن أجواء التنافس الإبداعي
موسيقياً. ولم تكن موهبته في الغناء هي جواز سفره الوحيد إلى عالم
النجومية وحسب، بل كان لخامة صوته المميَّزة الدور الفاعل في ذلك.
إلى جانب تأنيّه في انتقاء الكلمة واللحن الجميل لها، فضلاً عن
أدائه الأخَّاذ. فالصوت والكلمة واللحن والأداء، إلى جانب التوزيع
الموسيقي للأغنية، كل ذلك مجتمعاً، شكَّل المعادلة "الشيداوية" في
الإبداع الموسيقي.
يتمتع "شيدا" بصوت رقيق هادئ وحنون، مرتع بالرومانس المصحوب بنبرة
أنثوية مخملية تجذب الأسماع وتطرِّيها. كما يتمتع بأداء جميل قادر
على تأدية الأغاني الإيقاعية الراقصة والهادئة الحالمة في آن. وذلك،
اعتماداً على ما يمتلكه صوته من عُرَب ومساحة جيدة. والواضح في
تجربة هذا الفنَّان، هو انتقائه للألحان التي تناسب خامة صوته،
والتي تظهر جمالياته وطاقاته، دون تكلُّف أو تصنُّع. فتأتي انتقاءه
للألحان موفقة منسجمة مع طبيعة الصوت وقدرته.
في ألبومه الأخير الذي صدر في مطلع العام الجاري، وحمل عنوان "
Xwezī Esmer - خوزي أسمر" الذي أعتقد أنه الألبوم الفردي الأول بعد
سلسلة من الألبومات المشتركة مع الثلاثي الذي شكَّل فرقة " ORKŹŞ -
أوركيش". في هذا الألبوم أيضاً ظهر مجدداً التألق "الشيداوي" في
سماء الأغنية الكردية جليَّاً. هذه المرَّة، بتوزيع وتسجيل موسيقي،
أخذ الطابع الاحترافي أكثر من التجارب السابقة له. وكان لآلة
القانون حضورها المميَّز والملفت في هذا العمل، إلى جانب الكمان
والدف، قياساً بالأعمال السابقة. والسمة الجامعة لمجمل الأغاني هو
الدفء والصدق الوجداني والاجواء الرومانسية الحالمة المتداخلة مع
عذابات الوجد والهيام والوله العارم المسيطر على العاشق، إلى جانب
أغنية فلكلورية، أراد "شيدا" إحياءها. ولا بأس أن تتألق بعض
الأغاني على حساب أغاني أخرى شريكة في كل ألبوم جديد لأي فنَّان.
أو أحياناً لا تأتي كل الأغاني بنفس المستوى، ما يحيلنا للقول:
وكأن بعض الأغاني تأتي بمثابة حشو لملء الألبوم. وهذه نقطة تسجل
على الفنَّان طبعاً. والمتابع لإبداع "شيدا" سيعرف بسرعة أي
الأغاني هي السيدة، وأيُّها المحشوَّة الهامشيَّة.
ويبدو لي وكأن "شيدا" لازال تحت سطوة وتأثير بدايته التي أحدثت
ضجَّة كبيرة في الشارع الفنِّي الكردي. وأقصد هنا أغنية " ديلبر
dīlber "..؟. وإذا قاربنا بين مطلعي أغنيته الأولى والأخيرة "
dīlber و esmer " سنجد الصدى الواضح للأولى الذي يتردد في الأخيرة..!.
ففي مطلع الأولى: " dīlber eger te zanība " وفي الأخيرة: " xwezī
esmer min karība "، وبالمقارنة، نجد أن كل من كلمتي " dīlber" و "
esmer "، ولجملتي " te zanība " و " min karība " نفس الوزن والرتم
الموسيقي. وأعتقد أن اختلاف اللحن والتوزيع للأغنيتين قد ساهم في
تخفيف من وجود هذا الصدى بين الماضي والحالي "الشيداوي"، بين
الأغنيتين المذكورين والأكثر شهرة وانتشاراً لدى عشَّاق "شيدا".
كما ان هنالك جوانب أخرى توضِّح وجود التأثُّر بالأغاني الأولى له،
فأغنية بعنوان "esmer" موجودة في العمل الأول لـ"أوركيش" وهي
لـ"شيدا"، فما هو مبرر التكرار في أغنية أخرى بهذا العنوان حتى لو
أضاف إليها كلمة " xwezī ". هذا بالإضافة أن أغنية "ديلبر dīlber
" قد تكررت عنده. وثمة نقطة أخرى أظن من الأهمية لفت عناية فنانا
إليها، وهي أن التركيز على كلمات شاعر واحد، قد يوقع الأغنية في فخ
المراوحة. فحتى لو كان توظيف كل من مفردتي " dīlber و esmer " كرمز،
بشكل مفرط، من شأنه إرهاق الرمز وإفقاده تألقه وحيويته. وبديهي أن
التكرار يعيق عملية الإبداع، إن لم يكن يكبحها بشكل نهائي. والشيء
الذي يثر الانتباه والإعجاب في آن في ألبوم "xwezī esmer " هو أن "شيدا"
قد نهل من معين ساقية الشعر الصوفي لدى الشاعر الكردي الخالد "
ملايه جزيري melayź cizīrī " وقام شقيقه الفنان " سفقان sevqan
" بتلحينها بشكل يناسب الأجواء الصوفية للأغنية، وذلك بالتركيز على
الإيقاع وخاصة الدف، إلى جانب الكورس الرخيم المعتمد على الصوت
الذكوري فقط. وقد أدَّى "شيدا" هذه الأغنية بشكل رائع، جاعلاً
منَّا وكأننا في حجرة الجزيري، نقاسمه شرب الراح.
أعتقد أن هذه التجربة الشابة ينتظرها مستقبل واعد ومزدهر فنيَّاً،
إن استمرَّت بالإبداع بهذه الوتيرة، مع الانتباه الشديد لعدم
السقوط في آفة التكرار المنوَّه إليها أعلاه. كما أن هذه الموهبة
الكبيرة التي جعلت من صاحبها فنَّاناً مهماً في زمن قياسي، مقارنةً
بسابقيه من الفنانين الكرد، مازالت تنتظر اهتماماً أكبر من الإعلام
الكردي. وإن لم يكن حتى الآن لهذا الفنَّان أي عمل "فيديو كليب"
هذا لا يعني أن تتجاهل الإذاعات الكردية الأرضية والفضائية بث
أغانيه عبر أثيرها كإذاعة "موزوبوتاميا" في أوروبا الواسعة
الاستماع، وإذاعات كردستان العراق نموذجاً.
ما لا يعلمه عشَّاق "شيدا" عن فنانهم الكبير بأنه من مواليد 1971.
بدأت علاقته مع الموسيقى تنشأ ما بين 1987 و 1988. تخرَّج من
المعهد المتوسط للموسيقى في القامشلي سنة 1993. يعاني من مصاعب
وظروف حياتية قاسية جداً، حتى يؤمِّن لنفسه ولأسرته ضمانة العيش
الكريم. وما لا يعلمه "شيدا" عن فنِّه، بأنه تجاوز الحدود السياسية،
واخترق الجدران، وأصبح أكثر فاعلية من أي بيان سياسي وخطاب
أيديولوجي عتيد عرمرم ومجلجل. فقد تحوِّلت كاسيتاته إلى ما يشبه
المستلزمات العسكرية للشباب والشابَّات الكرد الثائرين في جبال
كردستان. فقد كان المقاتلون يرددون أغانيه عن ظهر قلب أكثر من
أغانيهم الثورية التقليدية، ولا تكاد تخلو مجموعة منهم من أحدى
كاسيتاته. ما لا يعلمه "شيدا" بأن الكثير من الثوار الكرد كتبوا
خواطرهم وقصائدهم وحتى رسائلهم لذويهم، وهم يستمعون لأغانيه. ما لا
يعلمه "شيدا" أن أغانيه قد اخترقت جدران السجون التركية والسورية.
حيث أن الكثير من الثوار والمعتقلين الكرد الأحرار يستعيضون
بأغانيه للتخفيف من آلام جولات التعذيب التي يتعرضون لها، وكي
يتذكروا الحرية والأحبَّة الموجودة خارج تلك الجداران والأسوار
العالية. وما لا يعلمه الكثير عن "شيدا" أنه يغني للوطن والحرية
والعشق والسلام على طريقته الخاصة. وما لا يعلمه "شيدا" أن
العشَّاق يتهادون ألبومه الأخير وأغانيه السابقة، فيما بينهم، وكأن
"شيدا" أصبح سفير أو رسول العشَّاق. ما لا يعلمه "شيدا" أن فنَّه
يحرض على الحب والعشق. وما لا يعلمه أعداء الكرد أن "شيدا" يقول
لهم: إن بإمكان الكرد المقاومة والدفاع عن وجودهم وهويتهم وأنفسهم،
حتى بالغناء. وما أعلمه أنا، يأن "شيدا" يغني بلسان العاشق والثوري
والمعتقل والوطن والغربة والحب والفرح والحزن والألم والطبيعة، لذا،
فإنه ينتج فنَّاً حقيقياً يمكنه أن يرضي أغلب الأذواق، إن لم أقل
كلَّها.
دمشق المحرر