كنت على وشك أن أرسل مقالي هذا الى المواقع الكوردية. و بينما كنت
منهما في قراءة أخر المنتوجات السياسية و الثقافية الكوردية على
الإنترنت وجدت نفسي غارقا في قراءة مقالة الأستاذ إبراهيم محمود " ردا
على دحام عبد الفتاح : الكاتب الكوردي بين العري و التعرية". و بالرغم
من أني كنت قد قرأت مقالة الإستاذ دحام عبد الفتاح " الأدب وليد لغته و
ما يكتب بغير الكوردية ليس أدبا كورديا!" التي لم أجد فيها , حقيقة ,
ما يستدعي التعقيب أو الرد , إذ ما أثاره الأستاذ عبد الفتاح من هموم و
ربما تحفظات حول ما يطرحه المثقفون الكورد من نتاجات سياسية و ثقافية
باللغة العربية كانت تدخل دوما في دائرة المواضيع الحيوية و المهمة و
كانت تشكل على الدوام مادة خصبة و غنية , مثيرة لنقاش لا يقل أهمية عن
باقي المواضيع و القضايا الخلافية الأخرى. المهم أن المقالان إستدعتا
مني إعادة قراءة و صياغة مقالي من جديد ليكون أكثر فهما و بلاغا.
لهذا, و بالرغم من أن ما سيرد في هذا المقال لن يكون شيئا جديدا في
سياقات المطروح كورديا , أي فيما يتعلق الذهنية السائدة و جملة المواقف
و التصورات الناتجة عنها في المشهد الكوردي عموما و التي حاولت التطرق
إليها في مقالي السابق بالموقف و الحوار التوضيحي ,و إنما هي محاولة
متجددة , أجدها ضروروية , بعد مقالي السابق« شذرات لحظة مقلقة » لبث
روح الطمأنينة و الإرتياح في نفوس بعض الأخوة الأصدقاء الذين إستوقفتهم
نبرة اليأس و الإحباط في المقال , وللتأكيد على أنني مازلت, مراهنا على
كل من تعز عليه قضية شعبه, و يبذل من أجلها الغالي و النفيس . أي أني
مازلت, أجد في أولئك الأبطال من أبناء شعبنا الكوردي الذين يظهرون أسمى
آيات الصمود و المقاومة في المعتقلات و السجون, نبراسا رائعا,
للإستمرار في تأدية واجب النضال جنبا الى جنب معهم . بل أني أجد في روح
الحزنوي الطاهر, و أرواح جميع شهداء آذار و ما بعدها, قرابين نفيسة في
مسيرة النضال المضني و الشاق من أجل تحقيق طموحات شعبنا و اهدافه
العادلة.
من أجل هؤلاء جميعا, و من أجل الأجيال القادمة, كان لا بد من الإفصاح
عن الهواجس و المخاوف التي تسيطر علينا, و الدعوة الى التوقف مليا أمام
ما نحن فيه راهنا , بالحوار و البحث المعمق و بعيدا عن الأفعال و
ردودها الآنية المنفعلة و المتسرعة, علنا نستخلص بعض العبر و الدروس ,
وعلنا نخرج من هذا النفق المظلم . فليس من الطبيعي , أن نجد العالم
يتغير من حولنا دون أن نحرك ساكنا ,و كأننا نعيش في جزيرة نائية, نحبذ
العيش على هامش التاريخ, فيما يحاول الأخرون التفاعل مع مجرياته, و
يسعون الى إشغال حيز فيه .
نعم , حان يوم الإعتراف بالأخطاء , و هي من سنن الحياة و فضائلها, و
لعل الأهم في هذا السياق, هو أن نعيد قراءة تاريخ شعبنا بطرقة نقدية و
على أسس علمية, بعيدا كل البعد عن النرجسية, و تمجيد الذات القومية وأن
نفحص و نتحقق من كل منعطف تاريخي واجهناه و التقاعسات التي أظهرناها في
التصدي لإستحقاقاتها المصيرية , تلك التقاعسات التي كلفت شعبنا الكثير
من المآسي و المصائب, و كانت سببا في تخلفنا عن بناء دولتنا القومية
على أرضنا , كوردستان, فضلا عن تقسيمها بين أربعة دول في قلب الشرق
الأوسط.
من هذا المنطلق و ليس سواه كانت " شذرات لحظة مقلقة " بمثابة وقفة
تأملية , وقفة مع الذات , قبل كل شئ , قبل أن تكون عتابا للأخر أو
إنتقاما من غدار هنا أو هناك . لقد كانت مسعى لإستشفاف و إستدراك ما هو
ذاتي في الوجدان الجمعي, أي بإختصار, مراقبة صورة الذات المقلقة في
منعكساتها الجمعية بغية صياغة ما يمكن صياغته من صفات مشتركة و خصوصيات
متماثلة في وجدان شعب أقل ما يمكن القول عنه, هو انه لم يلق الإهتمام
اللازم من كنف علماء الإجتماع من حيث الدراسات و الأبحاث النفسية و
الإجتماعية.
و كان من الطبيعي في ظل حالة الإغتراب القومي و الثقافي الكوردي بجميع
أشكاله و تجلياته, إبداء مشاعر الدهشة و الإستغراب من إهتمام ما يسمى «
شريحة المثقفين الكورد» في ماأنتجه الأخر تاريخيا, طالما أن هذه النزعة
و تراكماتها, لم تؤدي الى إنتاج ماهو خاص, و إنما تسبب في ظهور نتائج
سلبية معاكسة. فلاحظنا من جهة, أن من كان يمتلك خلفية إبداعية في
مجالات الأدب و الثقافة على سبيل المثال, أصبح يصنف في إطار ثقافة
اللغة التي ابدع بها و اللغة التي ألف بها مؤلفاته . و الأمثلة على ذلك
كثيرة و لا تستدعي العد , لهذا كان من الصعب , إن لم بكن من المستحيل,
الحديث عن حركة نهضوية كوردية في مجالات الإبداع الفكري و الثقافي
تساهم في بناء ثقافة قومية متميزة عن الأخرين, و المقصود هنا , الشعوب
التي نتعايش معا تاريخيا و جغرافيا, على الأقل , فضلا عن أننا لم نلحظ
أية حركة تنويرية على غرار مساهمة المثقفين العرب, على سبيل المثال, في
بدايات و منتصف القرن العشرين في الإستفادة من العلوم الإنسانية
الأوروبية في إغناء الثقافة العربية و إشباعها, لا سيما , من خلال
عملية الترجمة النشيطة التي تصدى لها المثقفون المسيحيون من اللغات
اللاتينية الى العربية, الأمر الذي أدى الى ظهور فنون القصة و الرواية
العربية , و تأثر الشعر العربي بالحداثة الأوروبية في تجاوز الكلاسيك,
و الوصول الى إنشاء مدارس جديدة في كتابة الشعر العربي.
هذا فيما يتعلق بمن كان لديه خلفية إبداعية حقيقية , أما السواد الأعظم
من المثقفين الكورد, فكان أثرهم أقرب الى مرض السرطان في تبعاتها و
نتائجها على المشهد الكوردي العام, و هو ما قصدته في مقالي السابق .
هذا السواد الذي ترعرع و تعشعش في مناخ التلقين و حفظ الأسماء عن ظهر
قلب بعيدا عن الإهتمام بمحتوى و مضمون نتاجات الفكر الإنساني , و هو ما
أدى في نتائجه ليس الى غياب المبدع الكوردي فحسب, و إنما الى غياب
القارئ الكوردي المثقف الذي يعوض غياب الثقافة الإبداعية بالقراءة
الإبداعية التي قد تساهم في بناء مناخ ثقافي أو خلق جنينية ثقافية
كوردية في المستقبل.
و ما يؤسف له حقا, أن ما ينسحب على الثفافة عموما, ينسحب على السياسة و
المجالات الأخرى, و تعرضنا في مقالنا السابق الى كيفية معالجة (
السياسيين) الكورد للمسألة الكوردية برمتها من خلال إستحضار الماضي في
الحاضر, و تلفيفها بهالة من القدسية و العظمة الواهية, و قلت أن هذه
النزعة تحول دون تسلل العصرنة و الحداثة الى ثقافتنا , إن كانت لدينا
ثقافة بالأساس , مما خلق لدينا شعور بالإنكفاء و الإنغلاق على الذات .
لهذا كانت الدعوة صريحة و صادقة لفتح حوار و نقاش بناء على كل الأمور
التي تشكل أساس وجودنا القومي و الإنساني و ضرورية للخروج من النفق
المظلم الى الأفق الرحب أسوة بالشعوب التي واجهت نفس الظروف و استطاعت
أن تشغل حيزا في العالم الحر و الخلاق , و الله على ما أقول شهيد.