زردشت صابر
"سوريا لن تتغير
تحت الضغط الخارجي، لأن وضعها خاص". هذه التصريحات
التي
اعتدنا ومللنا سماعها من المسؤولين
السوريين، هي إحدى تجليات تعقُّد الملف
السوري داخلياً وخارجياً، ما دفع نائب
وزير الخارجية السوري السيد وليد المعلم
في محاولة يائسة خائبة تسجيل هدف في
المرمى الأمريكي أو الدولي. ولم يساعده في
ذلك إلا أبواق الإعلام السوري الرسمي.
لكنه، وبحق، فقد حدد سبب أن سورية عصية
على التغيير_ إلى حد ما_ أثناء اعترافه
بوجود فجوة بين كل من الرؤيتين
الأمريكية والسورية للأحداث. تماماً،
كما تحدث بوش ورايز وولفوويز وحتى
رامسفلد. أي، صقور الإدارة الأمريكية،
وليس حمائمها ، هذا إن كان هنالك ثمة
حمائم .ذهبوا الى ذلك لكن، من منطلق آخر
طبعاً, هو أن السياسة الأمريكية لا
تراعي " خصوصيات المنطقة " التي يتحجج
بها نظمها الحاكمة.
أعتقد بأن أية
نظرة متمعنة في الحقائق والوقائع
الماضية والحالية ستؤكد لنا أن
ما يتحدث عنه
السيد المعلم هو سبب كل البلاء، وكل
الأمراض التي يعاني منها كل
انظمة المنطقة،
وما يشابهها في العالم.
- : يأتي رفضنا التجديد والانسجام مع
معطيات وروح
العصر، والتماهي معه، من
"
خصوصيتنا " التي تقف وراء كل ما يحد من
تطور سوريا,
وتتسبب في استمرار الاحكام
العرفية. لأننا " في حالة حرب مع
إسرائيل، والبلد
معرضة لاختراقات العملاء
والجواسيس. وقد يثير هؤلاء مشاكل داخلية
حقيقية وجدية
لنا، من شأنها إضعاف
موقفنا في صراعنا التاريخي مع إسرائيل
". أما استمرار قضية "الأجانب"
الكرد –
المجردين من الجنسية، أو مشاكل إحصاءات
1962، فلأن "
الاعتراف بهؤلاء وإعادة
الجنسية لهم قد تُفسَّر على أنها خطوة
للوراء من قبل
سوريا، ما يدفعهم ليثوروا
أيضاً تضامنا مع أشقائهم في العراق
وتركيا، ويطالبوا
بحريات وحقوق أكثر منهم
.
وهذه خدمة كبيرة لإسرائيل. كما أن سورية
المعرضة
للهجمة الامبريالية
الصهيونية، بحاجة لأجهزة أمنية قوية, بل
لا بدَّ أن تكون
الأجهزة أقوى مما هي
عليه، وتملك حق التصرف في مقادير
البلاد، والبلاد التي
تجاور البلاد. لأنها
الأكثر فهماً ومراعاة ودراية وحماية
لمصالح الوطن القطري
السوري، والوطن القومي
العربي, من الماء للهواء. كما أن
الحريات العامة وحقوق
الإنسان هي بدعة وكذبة
أوروبية كبيرة_ صدقها بعضنا، وصفَّق لها
كلنا_لا تنسجم
مع تراثنا "الإسلامي"
وأصالتنا العريقة، وواقعنا الشرقي،
وستُستخدم لضرب الدول "المقاوِمة
الصامِدة"
وأنظمتها الخالدة المعاندة. ونحن في
سوريا، وضعنا الخاص
الحساس، لم ولا ولن
يسمح بإعطاء السوريين هذا الكم من
الحريات. لأنهم
سيستخدمونها بشكل خاطئ.
وسيستغلها الصهاينة والأمريكان لتقويض
مقاومتنا وصمودنا
وتحدينا التاريخي،
لمشاريعهم التوسعية..!! بالإضافة إلى أن
مؤسسات المجتمع
المدني، كلها امتدادات
للقوى الرسمية في الدول المركزية
المعادية لنا. وهي بذلك
خطر سري مبطَّن يعمل
على المدى الطويل, هادف لضرب وحـدتنا
الوطنية الراسخة
المتينة، وصولاً لتفتيت
البنية السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية
الفولاذية. أما
الديمقراطية، فمن قال بأننا لسنا
ديمقراطيون؟!، الديمقراطية، "نحن
بُناتها
الأعلون، لا زيدٌ أو عمرُ". لكنها،
بحاجة إلى سلام لتطويرها. وكما
تعلمون، نحن
في حالة حرب حياتية شاملة مع اسرائيل,
والصراع بيننا "نكون أو لا
نكون".
وقانون الأحزاب السياسية لم يحن وقته
بعد. و إن ظهر حزب جاد يتفهم
ويستوعب
فهمنا لخصوصية سورية، فلِمَ لا نضعه في
الجبهة "الوطنية التقدمية..."؟
و ما
ضمنا للحزب القومي الاجتماعي السوري إلى
جبهتنا إلا دليل على رغبتنا
ونيتنا
الجادة والحثيثة في توسيعها وترقيعها
وتلميعها.
وأما المسالة
الكردية في سوريا _وهنا بيت القصيد_
فنحن غير مستعدين ومؤهلين
للاعتراف بها،
لطرحها على بساط النقاش. وإن كنا قد
اعترفنا سهواً:" إن الكرد عن
جزء من النسيج
الاجتماعي السوري"، لكن هذا لا يمنع
أننا مازلنا ننظر إليهم
بأنهم يشكلون
امتداداً للكرد الموجودين في البلدان
الأخرى المجاورة لنا،
وسيهددون أمننا
القومي من المحيط إلى الخليج.
في هذه المرحلة، فقط قضية واحدة يمكن
حلها، وكل
ما تبقى من قضايا عالقة، فهي
هامشية ومرتبطة عضوياً بأن القضايا، وهي
قضية
الصراع العربي الإسرائيلي. أعتقد
أن هذه الآراء والمواقف، ستكون أو ستدور
أو
ستُتخذ أو سيتمخض عنها المؤتمر
الحادي عشر للبعث الذي يتلهَّف له ويعول
عليه
الكثير من السوريين.
القضية الفلسطينية التي لو تأكَّد فعلاً
لأبناء الشعب
الفلسطيني المنتفض، بأنها
الحجة والذريعة المختلقة لكل أنظمة
الحكم العربية
الفاسدة في تبرير سياساتها
المتخلفة تجاه شعوبها، لتخلوا عن حقوقهم
وقضاياهم
الوطنية. وبالتالي زج
بالملايين العرب والسوريين من أبناء
الشرق الأوسط والعالم
العربي في حروب قومية
وطنية وهمية دونكيشوتية.وأتذكر تصريحاً
لأمير كويتي في
سنة ثامن وتسعين
وتسعمائة وألف، حول الديمقراطية في
الكويت، في معرض إجابته عن
سؤال طرح عليه،
أجاب : "وهل تريدون أن يصيبنا ما أصاب
لبنان؟, انظروا ماذا فعلت
الديمقراطية
بلبنان؟ ". وتحضرني الآن مقولة
لإمبراطور اثيوبيا هيلاسي لاسي،
عندما سئل عن
سبب عدم صرف نصف ميزانية البلاد على
بناء المدارس، بدلاً من صرفها
على حفل
تتويجه. فأجاب : "لا أريد لشعبي أن
يتعلم. لأن العلم يذهب بصفاء الذهن "!!.
إنها الذهنية المتحكمة, الذهنية القومية
الشمولية, التي لا تتوانى عن
صياغة
نظرية المؤامرة, وأنها مهددة دائماً.
لكنها في الحقيقة، هي التي تمارس
المؤامرة، وتهدد شعبها وجماهيرها. وليس
هذا فحسب، بل باتت تهدد البشرية. وهذا
ليس وفق المنظور الأمريكي فحسب، بل إن
عدم تطوير الديمقراطيات يؤدي بالشعوب
والبشرية إلى وضع لا يستحقه أساساً هذه
الشعوب والبشرية. ويجب فعلأ أن لا ننسَ
أن الدول التي تشكلت في الشرق الأوسط
كلها بعد الحرب العالمية الثانية، كانت
انعكاساً لنتائج هذه الحرب. أو بشكل
أوضح، هي نتاج التوازنات التي ظهرت في
النظام الدولي آنذاك. وما دام هذا
الواقع قد تغير, فلابد للتغيير أن يمتد إلى
تبعاته، ومنها الدول التي ذكرنا، والتي
تصرُّ على إنها " تقاوم " النظام
الدولي الجديد. وكأنها بذلك تقول أنها
مستقلة القرار أصلا .
لم تفشل
السياسة السورية الخارجية فحسب، لأن
حساباتها للتوازنات الدولية خاطئة,
و"فايتي
بالحيط" كما يقول أهل الشام. ولا
السياسة الداخلية السورية أيضاً , بل
فشلت
الذهنية والعقلية التي توجه كل سياساتها
,لا بل مواقفها التي تسميها مبادئ
قد
افلست وأثبتت فشلها الذريع المريع، رغم
أن الجميع يدرك مقدار التزام
البعثيين
حتى القياديين منهم بمبادئ البعث نفسه.
هذه الذهنية لا تزال تمارس
سياسة
التماطل الأشبه بالساسة الإيرانية، أو
ربما تقلدها, وهي تجهل أن سوريا لا
تملك
مقومات إيران داخلياً وخارجياً، وعلى كل
الأصعدة. فهل يا ترى سيفشل النظام
السوري في استغلال الفرصة الاخيرة؟ أم
أن محاولات اللحظة الأخيرة، عبر سياسة
السير على حافة الهاوية ستجديها نفعاً؟.
أعتقد بأنها ستفشل وتسقط في الهاوية،
إن استمرت تنفخ في قربتها المقطوعة،
ووتمارس سياسية النعامة في درأ الخطر
القادم صوبها. اعتقد أن كل المؤشرات
تشير بهذا الاتجاه،خصوصاً أن الضغط
الأمريكي يتزايد، والتهديدات باتت أكثر
نوعية. ونظرية " الفوضى البناءة " أو"
الاختلاقية ", أو ما يسميها البعض "
الاضطراب البناء "واقفة بالمرصاد للنظام
السوري، ولا تنتظر أن يتمَّ الاستقرار
في العراق. فهل آن الأوان للنظام السوري
أن يتعظ ولا يتهرب من حقيقته
ومسؤولياته، ليعترف بها كخطوة أولى
للاندماج مع
العصر, والتحول الديمقراطي؟. بتعبير
آخر، ألم يحن الوقت لأن يستخدم الرئيس
السوري ما قد تبقى من ثقة النظام الدولي
به وبإمكانيته وإمكاناته على إجراء
التغييرات؟. هذا إن كان قد تبقى منها
شيء.
وهل سيتخلى النظام السوري عن
التشدق بـ"الخصوصية" التي تخفي وراءها
كل أخطائه،
أمام عولمية العصر والكون؟,
وأمام التوجهات العامة للبشرية نحو
الحرية
والديمقراطية؟. ولا ننسَ أن كل
الدكتاتوريات والفاشيات المنقرضة، والتي
في
طريقها للانقراض قد تذرعت
بـ"خصوصياتها" وتنكرت لأساسيات التواصل
الحضاري التي
يشترك بها كل أبناء
المعمورة.
لا يُخدِعنَّ الوضع الأمريكي المرتبك
نوعاً ما في العراق أحداً، فيظن
أنها لن
تتعرض للنظام السوري؟. وينبغي أن لا
ننسَ أن الحرب في العراق بدأت قبل
أن تستقر
وتنتهي في أفغانستان، وفهمكم كفاية. هذا
ناهيكم عن أن إسرائيل تنتظر
فرصة
كهذه من أمد، والأمر ليس بمستغرب في زمن
شارون.
لا أقول هذا، ليفسِّره
البعض، انتظاراً من المؤتمر القطري لحزب
البعث أن يأتي
بجديد. أظن بأنه يخدع
نفسه من ينتظر من هذا المؤتمر الذي
انتهى قبل أن يبدأ
شيئاً. لأن التماهي مع
العصر بات يحتاج لتجاوز الشعوب لهكذا
نماذج من النظم.
فهل لدى النظام السوري من
الجرأة والإخلاص لسوريا لأن يضحي
بمواقعه فيها كقائد
للدولة والمجتمع، مجنباً
شعبه ويلات العراق؟. أظن بأن الشك بحصول
خطوة كهذه من
نظام حزب البعث الذي لا
يناقش حالة طوارئ أتى بها وطبقها منذ
استلامه للسلطة,
لا يحتاج ليقينات أكثر من
الموجودة في تاريخ البعث العربي
الإشتراكي.
هي أيام، وستذوب ثلوج القمة لنرى
ماذا تخبيء لنا سوى الوعود التي تريد أن
يستخدمها في الزمن الصعب لحلحلة الأمور
والمشاكل المتراكمة التي وضعت النظام
السوري على شفة حفرة من النار
.
هي
أيام وتخلص حدوتة مؤتمر البعث ، وسنرى
إن كانت حلوة أم فتوتة..!
القامشلي
17