rojava@rojava.net
rojava.net 13.10.2005
آزاديـات ..
روني علي
حين انطلق حزب آزادي من مخاض الحراك السياسي الكردي، والحاجة النضالية التي كانت وما تزال تفرض ذاتها باتجاه تأطير التشتت وتوحيد الطاقات، وفي العدد الأول من جريدته التي حملت ذات الاسم (آزادي )، كانت لنا وقفة على الحدث، من خلال مقال حمل عنوان : « كي تصان الوحدة »، وقد حاولت من خلاله الوقوف على دلالات الوحدة والآفاق المستقبلية التي تحتاج إلى وعي معرفي وذهنية منفتحة لاستيعاب ما قد يشوب العملية الوحدوية من بعض الإشكالات، السياسية منها أو التنظيمية، أو ما قد يتعرض له الوليد الجديد من بعض العسر حين الولادة، وكان الخطاب حينها موجهاً إلى العاملين في الدائرة التي ترسم القرار السياسي وتتعقب آليات العمل التنظيمي ..
أما وقد انطلقت قاطرة العمل باتجاه تعزيز وترسيخ الركائز الأساسية التي تشكل الحامل للخطوة الوحدوية، كي تصبح روحاً وممارسةً، وانتعشت الآمال لدى غالبية المهتمين بالشأن الكردي/الحزبي وهي ترصد تداعيات المنهج الوحدوي، وما أفرزه من بصمات فعلية على أرض الواقع، وكلها أمل في أن يحذو الغير الحذو في ذات الاتجاه، كان لا بد لنا من العودة ثانيةً إلى ( آزادي ) كمشروع سياسي، والتوجه هذه المرة إلى كل الإطار قيادةً وقاعدة، كمساهمة أولية باتجاه لملمة مفردات الذهنية المعرفية ووضعها في خدمة آليات العمل والموقف وصناعة القرار، بهدف تجنب الشطط السياسي وتسطيح الرؤية مستقبلاً، وبالتالي الخروج من محنة العقلية التي أفرزت، في سياق تجربة الحركة، الكثير من الإخفاقات، والوصول إلى درجة من التعاطي مع الواقع وفق رؤية تتخذ من الحوار منهجاً، ومن احترام الآخر سلوكاً، والديمقراطية الحقيقية أرضية للتعاطي والتفاعل، خاصةً والكل يدرك بأن هكذا خطوة تحتاج إلى نسف الأنا القائم على استلاب الآخر، وتفهم التجارب السابقة في ذات المنحى، وأخذ العبر من إخفاقاتها، والعمل على تجسيد الوعي الوحدوي بين صفوف الإطار، آخذاً في الوقت ذاته بعين الاعتبار، ما قد يحصل من بعض حالات الهجرة من رحم التنظيم، إما نتيجة إشكالات معرفية أو نتيجة مواقف مسبقة الصنع، وقد تخضع لاعتبارات مسلكية ومصلحية، وكذلك بعض حالات الاستنفار والتجييش ولم الصفوف من قبل البعض من الذين قد يشعرون بالتضرر من هذه الخطوة وأية خطوة وحدوية، كونها تهدم بعض المفاهيم السائدة في آليات العمل السياسي/الحزبي، وتعيد النظر في اللوحة الكردية من حيث المفاهيم والمهام والاستحقاقات، ناهيك عن أنها تشكل ضربة موجعة لمشروع السلطة القائم على تشتيت الطاقات الكردية بهدف الاستفادة من تناقضاتها ..
إذاً، نحن الآن – وعبر انطلاقة آزادي – أمام ملامح مشروع سياسي قيد الإنجاز، ولكي يتكلل بالنجاح وينجز المهام التي جاء من أجله – وأقصد هنا نجاح المشروع وليست عملية الوحدة الاندماجية، كونها قد أنجزت – فلا بد للكل من قراءة الحالة والحاجة اللتان أفرزتا آزادي، وبالتالي الدخول في جوهر معطيات ثقافة المرحلة، والتعامل مع الوقائع من خلال رؤية تنسجم ومجمل مواضيع الحراك الدائر في الأوساط المختلفة . بمعنى آخر، ينبغي أن يكون الهاجس المفروض على كاهل هذا الإطار هو البحث عن المستقبل والحفر في الجانب المعرفي حين الوقوف على إحداثيات القضايا، الوطنية منها والقومية ..
فالمطلوب من آزادي – كحامل لمشروع كردي مستقبلي - في الجانبين السياسي والتنظيمي – من وجهة نظري، وأنا منهم – يتلخص في فهم وتفهم ما يجري في المنطقة من دوران بوصلة التوازنات باتجاه مفاهيم جديدة، وأسس سياسية قد تكون لها النصيب الأوفر في النجاح، وبالتالي إعادة هيكلية المنطقة برمتها وفق شروط ومتطلبات العصر، وبما ينسجم مع تطلعات الشعوب في الحرية والانعتاق، استناداً إلى قوانين عصرية، تعيد النظر لمفاهيم الوطن والمواطنة، والاعتبار لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وذلك عبر منهجية تتقبل خيارات التغيير، ورؤية ليبرالية تجسد الأنا والآخر في معادلة المهام والاستحقاقات، شريطة أن لا تكون توازنات المعادلة قائمة على حساب النيل من الحقوق المشروعة لكل من له الحق في التعبير عن إرادته، أو على حساب تنازلات تمس جوهر القضايا، وذلك من أجل بناء مستقبل متين، ومستند إلى عوامل الاستمرار والاستقرار، وبعيد عن كل ما من شأنه أن يذكي عوامل الفرقة ويثير حالات التناحر والاحتراب، أو يساهم في ترسيخ النزعات الطائفية والعصبوية، لأن الظرف السياسي وشحنات النزعة التغيرية، تدك بكل قوتها ركائز الثقافة المتوارثة في مجتمعاتنا، والتي جلها مبنية على مقدسات هي من صنيعة الفكر الشمولي القائم على الاستبداد، وعلى توازنات جيوسياسية هي من مخلفات القرن المنصرم بمعاهداتها وحروبها، الساخنة منها أو الباردة، واقتسام مراكز القوة لغنائمها وفق استراتيجيات كانت قائمة أولاً وأخيراً على ركيزة تخصيص المصلحة وأدلجتها وحكرها على ميزان القوة والضعف، تلك المصلحة التي كانت السبب في الكثير من الويلات لشعوب المنطقة، والأساس الذي جرى وفق محدداته تقسيم وتجزئة الجغرافيا السياسية والبشرية . وما يجري الآن من حرب عالمية على ثقافة القسر والإرهاب والنظم الشمولية، ينبئ بسقوط توازنات ثقافة الرعب وإقصاء الآخر، وبالتالي يضع الكل أمام إعادة النظر في نتائج تلك التوازنات، وكذلك الخارطة الجيوسياسية للمنطقة التي خرجت من أحشائها، ولا نغالي إن قلنا بأن من شأن هذه التغييرات أن تدفع بالحالة القائمة إلى مخاضات جديدة كنتيجة منطقية وحتمية للتلاقح أو الصراع بين الأجيال والمفاهيم والإيديولوجيات والثقافات، وهذا ما ينبغي أن ترصده آزادي في معرض رسمه للخطوط العريضة من برنامجه السياسي أو نظامه الداخلي .. لأن ما يستجد من مفردات التغيير على الساحة، تتطلب الحيطة والحذر، وخاصةً حيال قضايا شكل التغيير وآلياته وبدائله ومقوماته وخياراته، وأن أية هفوة أو تهور في رصد معطيات الحالة التغيرية، ستكون لها نتائج كارثية على مستقبل القضية الكردية برمتها، كونها ستكون في قلب الأحداث، خاصةً إذا أخذنا في الاعتبار بأن ما هو آت سيهدم بلا محالة أسس وثقافة الخطاب السياسي الكردي السائد، ويفرض بدائل يجب أن يأخذ الكل الكردي احتياطات الإلمام بدقائق أمورها وجوهر مضامينها الفكرية والمعرفية ..
إذاً هناك دلالات تشير إلى هشاشة الوضع الراهن أمام جبروت ثقافة المستقبل، وهناك تبلور في وعي الإنسان – الفرد سواء أكان مضمراً في رقعة أو معبراً عن ذاته في رقع أخرى، تدفعه بالانسلاخ عن القطيع، وذلك عبر ملاكاته المعرفية التي تأبى الركون إلى الولاءات المجانية، أو البقاء تحت خيمة الموالاة والتبعية، بل هو في حراك البحث عن الذات / الخصوصية، والتي تتجسد تقاطعاتها مع الآخر عبر المصلحة، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك، وبالتالي فإن المنطق يستدعي البحث عن توافقات تجسد إرهاصات الذات في الإطار الجمعي، وذلك من خلال نظام داخلي في حياة الحزب الداخلية، يفكك طلاسم التبعية ويخترق حاجز السكون التراتبي المركزي . بمعنى أخر يكسر الأغلال التي تقيد حرية التعبير عن الرأي في صياغة الموقف السياسي الحزبي، وتحت أية حجة أو مسميات كانت، وإلا فإن السياسة والعمل السياسي وفق نواظم المفهوم المتداول، هو نوع من الضرب والوهم لا أكثر، لأن التغيير بسمته العصري الحركي، يتطلب الفكري التغيري، والذي يتجسد في الحزب السياسي من خلال النظام الداخلي ..
نعود ونقول، إن العمل السياسي النضالي الكردي يترافق اليوم مع صراع الإيديولوجيات ومفاهيم العولمة والعصرنة والكوننة والقوننة، ويتأثر سواء بشكله المباشر أو غير المباشر بتداعيات المشروع الذي يحفر مساراته في الكثير من الرقع الجغرافية، والقائم على مبادئ حرية الإنسان وتحريره من شبح الخوف على المستقبل، والذي يجسد تعبيراته في النظام العالمي الجديد، المستند إلى قوة القوة الدولية، وإن كان من شأنه أن يعزز مصالح تلك القوة، إلا أنه يتقاطع في المفاهيم مع المسحوقين من الشعوب التي تبحث عن تقاطعات مصالحها مع مصالح تلك القوة، كونها مدركة أنها لا تخسر أكثر مما خسرته في ظل سيادة الثقافة الشمولية والأنظمة الاستبدادية . بمعنى آخر، نستطيع القول، بأن ما يجري على أساسه الحروب، وما يتم في سبيله الصراع، يدفع بالإنسان إلى البحث عن ذاته ضمن الكل، وينمي لديه ملكات الثقافة الإنسانية التي تنبذ العنف والعنف المضاد، سواء إذا أخذنا الجانب الاقتصادي والدعوات التي تحث إلى خصخصة الاقتصاد والانفتاح على العالم من خلال حرية التبادل التجاري، أو في الجانب الفكري والسياسي، الذي يحث الفرد إلى التخلي عن نزعة الهيمنة والغطرسة، وهذا ما لا يمكن له أن يحقق إنسانية الإنسان، ويدفعه باتجاه تحديد زوايا آماله وطموحاته عبر البرامج والأنظمة الداخلية المتوارثة في بنيان أحزابنا الكردية، خاصةً وأن اللوحة الكردية في الشكل والأداء، توحي بأن العقلية المتحكمة بالقرار السياسي الكردي ما تزال تنظر إلى الآخر وفق ثقافة الحرب الباردة، وتحاول جاهدة بالاستناد إلى أدوات القسر، أن تصبغ الموزاييك المجتمعي بلون واحد، كاستخلاص من المفاهيم المتوارثة في الحقلين السياسي والمعرفي، ناهيك عن إدارتها لمفردات الحالة السياسية وفق سياسة ( إدارة الأزمة )، والتي هي نسخة كربونية من الشكل السلطوي في التعامل مع الأحداث، بحيث تكون الرؤية مبتورة حيال أية قضية أو حالة، بما في ذلك الركون إلى تكتيكات من شأنها أن تنخر في جسم الاستراتيجية، والتي قد تشكل عقبة رئيسية أمام القراءات الموضوعية للحالة الكردية وسط معمان التغييرات التي تعصف بالمنطقة وذهنية إنسان العصر، الذي يحاول محاكاة الواقع من خلال وقائعه ومعطياته وألوانه، وعبر المزج بين تلوينات الفكر والسياسية .
وبما أن آزادي ( كإطار سياسي ) يهدف الانفتاح على المستقبل عبر بوابة الديمقراطية وحوار الثقافات، فعليه يقع مسؤولية الارتقاء بأشكال الصراع والحوار في المجتمع الكردي، بحيث يأخذ المبادرة في الانفتاح على مجمل الألوان، ويتقبل الرأي الآخر – مهما كان مخالفاً أو مختلفاً – لا على أساس الخصومة السياسية، بل على أنه من متطلبات الحراك السياسي، ويجتهد في تحليلاته بحيث يلبي قناعات الشارع الكردي ويبني على أساسه الخط السياسي بعد أن يخضعه إلى مختبرات الفعل والموضوعية، لأن مفهوم الرفاقية وفق ما يجري من تحولات بنيوية في المفاهيم لم يعد يقتصر فقط على المنخرطين في الجسم التنظيمي، بل يجب أن يشمل كل المؤمنين بالخط السياسي الذي ينتهجه الحزب، وبالتالي ينبغي أن يتم اعتبار الكل من المؤسسين للحالة السياسية التي ستقدم آزادي على تبنيه، سواء أكانوا أفراداً أم مجموعات، وهذا تحديداً يحتاج إلى ذهنية منفتحة وبعيدة كل البعد عن الحزبوية والتحزب والتشنج ...
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE