إذا كنت الآن في الخامسة والأربعين من عمري ،فإن علي ّأن أؤكّد وبصدق
أنني ومنذ حوالي ثلاثين عاما ً، لمّا أحضر خطبة جمعة في جامع ،رغم إنني
ولله الحمد،مؤمن بالله سبحانه وتعالى ، و على طريقتي ،وهي خصيصة لديّ
تجعلني أشعر بالطمأنينة دائما ً،وإن كنت أواظب في كلّ رمضان على الصوم
، لأغسل جفوة عام كامل في كل مرّة ، موقنا ًفي قرارتي أن خدمة المظلوم
في وجه ظالمه ضرب عال من الصلاة ..!
بيد أن تربيتي الأولى الدينية كانت وعلى الدوام تجعلني أثق تماما
ً- بكل مؤمن حقيقي ، جازما ً أنه ذوضمير حي ّ ،في الوقت الذي كنت أخشى
من( بعض) رفاقي في الحزب ، ممن يتعطّب ضميرهم الشيوعي ، لا أصحاب
الضمائر الحية الرائعون من بينهم، لأنّ ذلك الضرب قد لا يتورع البتة عن
ممارسة أيّ سلاح محرّم ضدّ خصمه ، إلى أن أصطدم مؤخرا ً بمن يستغل اسم
الإسلام هذا الدين الحنيف ، ويعيث إرهابا ً- كي يسيء إلى صورة ذلك
المؤمن الجميل التي فتحت عليها عيني - ضمن لعبة مرسومة ضد الإسلام ، لا
عمر لها البتة ...!
ولعل ّما آلمني جدّا ً ،هو إنّه رغم محبتي الجمّة للصديق الشهيد
محمد معشوق الخزنويّ ، إلا إنني- و اأسفاه لم أستمع إليه؛ وعلى نحو
مباشر في إحدى خطبه ،كي أحاول في ما بعد التعويض عن ذلك بالاستماع ،
وأكاد أقول : الاستمتاع رغم إنني أسفح الدموع من كلتا عيني على
امتداد ذبذبات الصوت الاستثنائي المبارك ، من خلال مسجل الصوت...!
منذ يومين علمت من خلال الشيخ مرشد الخزنوي ، نجل الشيخ معشوق، إنه
بلّغ رسميا ً من قبل أوقاف قامشلي ، من إلقاء خطبة الجمعة في جامع
البرّ وهو الذي سمّي مؤخرا بمجمع الشهيد الشيخ محمد معشوق الخزنوي -
من قبل مركز الدراسات الإسلامية- وهو غير المركز الذي يرئسه د. محمد
حبش حيث صار يخطب فيه بدلا ً عن أبيه منذ اعتقاله، بدعوى أنه غير
مرخّص ...!
و أذكّره بأن والده رحمه الله تعرّض خلال مسيرته الحياتية لضغوطات
جمّة من هذا النوع ، وظلّت كلمته مدويّة ، يهرول لالتقاطها الصديق ،
ويحاول إطفاءها من يتأذّى منها ، بل و إنه ذات مرة، كان قد قال ذلك
شخصيا ،عقب مطالبته بألا يتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة لأئمة
الجوامع:
من الجدير إذا ً،أن أختصر خطبة اليوم على الحديث حول الحيض والنفاس
.....
طبعا ، لا يزال هناك من يرى في خطيب الجامع أن يكون عبارة عن أداة محض
في أداء الدور المرسوم له ، بعيد ا ًعن الصورة المثلى المتوخاة منه
،والتي سيخون وظيفته- دون تطبيقها ، بحسب جوهر الإسلام ، و أوامر الرب
، وما أكثر هذا الصنف من الناس ،بل وما أقل الصنف الذي يرضى ضميره ،
وينفذ هاتيك الأوامر الديّانيّة...!
إزاء استشراس آلة الإرهاب في كلّ مكان بات من الضروري العودة إلى
الجامع وهو المصطلح الذي أعطاه الصادق النيهوم أبعادا ًشتّىو ذلك من
أجل خلق تلك المناخات التي يمكن للثقافة الإسلامية الإنسانية الأصيلة
لعب دورها ،ونفض كل ماعلق بها من غبار على مر ّ الدهور- وهو ما كان
يدعو إليه الشيخ الشهيد كي يتم استعادة تلك الصورة المثلى للإسلام
كدين إنساني يدعو إلى المحّبة ، والوئام ، لا إلى جز ّ الرؤوس وانتهاك
الحرمات ، ومن هنا،فإن هذا النمط المتنور من رجال الدين
،والعلمانيين،لا بد وان يفتح لهم المجال من أجل طرح رؤاهم،كي تأخذ
آمادها،وتسهم في إعادة الصورة المشرقة لهذا الدين،ليكون دين سلام ،لا
دين بطش، وقتل وأشخاص مفخخين .
ولعلّ تقييد خطيب الجامع ،وعدم فسح المجال له لقول كلمة الحق ،لممارسة
دوره النقدي،من خلال منبره ،مسهماً بذلك في بناء بلده،كي يكون حصيناً
منيعاً في وجه أية مؤامرة حقيقية ضدّه،وبعيداً عن الموضوعات التعليمية
الممجوحة التي يمكن لها أن تتناول في حلقات ، وعظية عادية، وأولى
،كالحديث عن منقضات الوضوء، من فسا ء ،وحدث أصغر، أوأكبر...،وسوى
ذلك....،لا في أعلى منبر إسلامي أسبوعي؟ !
حقا،لقد آن أن ينكسر قمقم الخوف الذي يكبّل رجل الدين ، ويجعله يكرّر
ببغاوياً ما يملى عليه،ويتحاشى ما يسمعه ،ويراه،ويقرؤه،أو يعاني منه
أفراد مجتمعه من حوله ،كي يكون ضميره الرّقيب الأول عليه ،مادام يعمل
على ترجمة تعاليم دينه، حريصاً على إنسانه، ووطنه، دون أن يتمّ تحويل
دائرة الأوقاف إلى مخفر يوصل تعليمات جهات وصائيه، إلى هذا الخطيب
،وذلك الإمام ،كي تستعاد مهابة رجل الدين إليه ،بعد أن أصبح مسلوب
الإرادة ،ساكتاً عن الحقً ، يقول في الهمس غير ما يقول في العلن،وهي
سمة المجتمع الفصاميّ......
.........................................................
هامش:
إن هناك في تصوري من يريد تأزيم الأمور على الدوام ، وإلا فما معنى
إصدار قراربمنع الشيخ مرشد الخزنوي من إلقاء الخطبة في جامع والده قبل
أن يمضي أربعون يوما ًعلى إعلان نبأ استشهاده....!؟