في صراعهم المرير والطويل ضد النظم التوتاليتارية القوموية الشرق
أوسطية التي كانت ومازالت تضطهدهم، يبدو أن قدر الأكراد أن يكون الشعب
الأكثر تضرراً وتعرضاً للمآسي جرَّاء السياسات الشوفينية الإنكارية
الممارسة بحقهم. ما جعلهم أكثر شعوب المنطقة تعطشاً للديمقراطية والسلم
الأهلي، حتى ولو أضطرهم ذلك إلى ردِّ العنف الممارس عليهم بمثله، بغية
إثبات حضورهم على مسرح التفاعل والتواصل الحضاري، وتأكيد أحقيتهم
بالحياة الحرَّة الكريمة، أسوة بجيرانه.
قدر الأكراد أن يدفعوا فواتير تحريك مجتمعات التي يتقاسمها والشعوب
المجاورة له، وأن يكون أحد أهم مفاعيل التحول الديمقراطي الذي لا مناص
منه أمام هذه المجتمعات. وعليه، وباعتقادي، فأن مسؤولية نشر الوعي
الديمقراطي، أو دمقرطة المجتمعات العربية والتركية والفارسية يقع الجزء
الأكبر منه على عاتق أبناء هذا الشعب.
النزوع القومي المتطرف لدى الأتراك في تركيا، فاق نظيره في البلاد
العربية، كون التوجه القومي التركي بدأ يتبلور في نهاية القرن التاسع
عشر، وبادية القرن العشرين على يد جمعية الاتحاد والترقَّي، آخذاً بعده
السياسي والثقافي الطوراني الممهد أو المؤسس لعلمنة السلطنة العثمانية.
وقد بدأ المشروع القومي التركي مشواره الطوراني، بالسطو السياسي
والثقافي والاقتصادي والعسكري على بقايا "الرجل المريض"_ بغية بث الروح
فيه من جديد، وإعادة إقلاعه_ بارتكاب أفظع المجازر بحق رعايا السلطنة
من الأرمن والسريان والآشوريين والأكراد، إبان الحرب العالمية الأولى
سنة 1915 – 1916 والتي راح ضحيتها أكثر من 2 مليون مسيحي ونصف مليون
كردي مسلم.
وبعد أن تمَّ للتيار القومي التركي السيطرة والإجهاز نهائياً على
السلطنة، اتجه بها بشكل واضح نحو الغرب بإعلانه النظام الجمهوري في
مارس / 1923 بقيادة مصطفى كمال باشا الذي كنَّي عقبها بـ"أتاتورك – أبو
الأتراك". وأول عمل قام به السلطان العلماني لـ"الجمهورية" الناشئة،
بأن اتجه إلى تصفية رعايا الجمهورية من الكرد عبر مذابح رهيبة راح
نتيجتها مئات الألوف من الضحايا. بدأها أتاورك، وأكملها خلفاؤه من بعده،
في الفترة الواقعة بين 1925 و 1938.
أما التيار القومي العربي فتعود فعاليته وتبلوره الحقيقي إلى ما بعد
الحرب العالمية الثانية. وتنامت نزعته القومية الشوفينة في بداية الثلث
الأخير من القرن المنصرم، غداة استلامه أو انقلابه على السلطة في
البلاد العربية. وبالتالي، التطرف القومي التركي "الملعمن" مشهود على
دمويته في التعاطي مع الآخر العربي والكردي خصوصاً، قياساً بالتطرف
العروبي "المعلمن والمأسلم".
وبالنسبة للتيار القومي، ونزعة الاستعلاء الشعوبي التي كان يتمتع بها
الفرس، فتمتد جذورها لحقبة الخلافة العباسية، استناداً إلى نظر
الاحتقار والدونية التي كان الفرس ينظرون بها إلى الشعوب والأقوام
الأخرى، خاصة العرب. من ثم أخذت شكلاً متطوراً علمانياً في زمن
الشاهينشاهات الحاكمين لإيران، خاصة بعد تنامي الحضور الأمريكي في
إيران. لكن، ما لبث ان عاد التوجه القومي الفارسي للارتداد عن
العلمانية بالعودة لمناخه وخنادقه الدينية، بأن ارتدى عباءة المذهب
الشيعي، وتعمم بعمامة "ولاية الفقيه" عقب "الثورة" الإسلامية في إيران
سنة 1979. بالمحصلة، لازال الكرد يعانون الأمرَّين من النظم القومية
الثلاث التي تتقاسم الحيز الجغرافي الذي يشغله الكرد.
الذهنية الطورانية ونزعة الاستعلاء القومي المتشنجة، المتبلورة في أكثر
أشكالها تطرفاً وتعجرفاً في العقلية الأتاتوركية، التي مازالت نافذة
ومسيطرة على مراكز القوى والقرار التركي، المتمثلة في المؤسسة
العسكرية_الحاكم الفعلي لتركيا_ مازلت هذه العقلية هي "التابو" المقدس
للدولة. وأي نقاش حول تعديل أو تحوير الأتاتوركية، بغية إخراج تركيا من
المآزق الداخلية والخارجية التي تتحمل الأتاتوركية الوزر الأكبر في
وجودها، هو مساسٌ بوحدة الدولة وهيبتها ووجودها، فما بالكم إن خرجت
دعوات تطالب بإنقاذ تركيا من الأتاتوركية...!!؟
وتأسيساً على ما سبق، يمكننا اعتبار الأتاتوركية بمثابة الأصولية
والسلفية الطورانية الأكثر تشدداً وتطرفاً في عدم قبولها ورضوخها
لمعطيات الواقع الموزايكي لتركيا واستحقاقاته القومية والوطنية
والديمقراطية. لكن، هذا لا يعني البتَّة بأن الأتاتوركية ستبقى هكذا.
وأعتقد أنها كلما ازدادت تطرفاً وتشدداً فأنها تقترب من نهايتها،
ودخولها في متحف النظريات الشوفينية التي أسست لنظم قمعية استبدادية
كالنازية والفاشية. وحالها حال الكنسية الكاثوليكية التي لم تنفعها
محاكم تفتيشها ومقاصلها في البقاء مسيطرة ومتسلطة على الحياة السياسية
والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الأوروبية.
مع الممانعة والرفض الشديدين للعقلية الأتاتوركية في إلقاء أية خطوة
جادة حيال إيجاد حل سلمي للقضية الكردية في تركيا، على الرغم من كل
المساعي السلمية التي طرحها الجانب الكردي من ساسة ومثقفين، وبعض
الشرائح الهامة من الشعب التركي، عادت وتيرة الفعل العنفي العسكري
الكردي المضاد للعنف التركي تتصاعد في الآونة الأخيرة. وإن دلَّ هذا
على شيء، إنما يدلُّ على الفشل الذريع للأتاتوركية في استئصال المعارضة
الكردية من الجذور، بعد عراك ضروس، دام ثمانية عقود، منذ 1925 وحتى
الآن.
فبعد أن أعلنت حركة المعارضة الكردية المعاصرة المتمثلة بـ"حزب العمال
الكردستاني" بزعامة السيد عبد الله أوجلان، الكفاح المسلح ضد تركيا في
15/8/1984 والسلطات التركية تقول: أننا في طريقنا للقضاء على "
الإرهابيين الانفصاليين". فبعد هذه الخطوة الكردية في رد العنف بالعنف،
صرَّح قائد الانقلاب العسكري الذي قام به الأتاتوركيون في 11/9/1980
الجنرال كنعان إفرين تعليقاً على هجوم المقاتلين الأكراد على بعض
المواقع العسكرية التركية: "24 ساعة وسنقضي عليهم. أمهلونا 24 ساعة فقط".
وها هي الـ"24" ساعة تمتد، لتدخل عامها الحادي والعشرين محولة تركيا
إلى مستنقع دماء، ولم تستطع الاتاتوركية حسم الحرب لصالحها.
وكي تبرر الأتاتوركية عجزها وإفلاسها في القضاء على التمرد الكردي،
ادعت في بداية التسعينات أن الخطر قام من خارج الحدود. بمعنى، أنه ليس
هنالك ثمة قضة كردية في تركيا. فضغطت تركيا ومن خلفها الأمريكان حتى
وصلوا إلى إغلاق معسكرات حزب العمال الكردستاني في سهل البقاع بلبنان
سنة 1992. وفي نفس العام، قامت عشرات الألوف من القوات التركية
المجوقلة، والمدعومة بغطاء جوي مؤلَّف من عشرات الطائرات المروحية
والعامودية، باجتياز الحدود العراقية لمسافة مم 20 كم إلى 40 كم لمحارب
الثوار الأكراد. وتتالت الاختراقات و الاجتيازات العسكرية التركية
للحدود العراقية على مدى عقد، لكن دون جدوى.
وبقي تبرير الأتاكوركية لفشلها مستنداً على المقولة السابقة" الخطر
قادم من الخارج" فضغطت تركيا عسكرياً ودبلوماسياً على جارتها سوريا_
وبمساندة أوروأمريكية_ كي تقوم بتسليم أوجلان لها. لكن، الأخيرة خشيت
من تبعات ذلك ذلك، وتوصلت إلى صيغة توافقية في إبعاده أو إخراجه من
الأراضي السوري، وتتولى تركيا الباقي، إلى جانب بعض الأمور الأخرى، ضمن
اتفاقية "أضنا" سنة 1999 . وعلى العكس من تصور الأتاتوركية بأنه
باعتقال أوجلان ستنتهي الثورة الكردية. فحاولت ضرب الحركة الأوجلانية
من الداخل بغية تمزيقها، ففشلت. ثم حاولت إيجاد بدائل حقيقة تستقطب
الشارع الكردي بغية تهميش الحركة الأوجلانية، ففشلت. حاولت فرض حالة
العزلة والتجريد على أوجلان، بغية شل الحركة الأوجلانية، ففشلت. طرحت
بشكل غير مباشر بأنها تقبل مطالب الكرد، لكن بعد القضاء على حركة
أوجلان، ففشلت. ثم طرحت شعار:" نعم لحزب العمال الكردستاني، ولا
لأوجلان"، بغية فصل الرأس عن الجسد، ففشلت. وكل حلقة فشل من مسلسل
الاحتضار الأتاتوركي، تسجل كحلقة نصر في مسلسل التمرد الأوجلاني. وعلى
ضوء ما تقدم، فإن الأوجلانية باتت الشوكة الأكثر صلابةً وتنامياً في
حلق الأتاتوركية. وما بين العنف الأتاتوركي الموجه ضد أكراد تركيا،
والعنف الأوجلاني المضاد الموجه ضد الأتاتوركية، يدفع الشعبان التركي
والكردي ضريبة الانعتاق والتحرر من الأتاتوركية والخروج من نفق تيهها.
دمشق – 15/7/2005